تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ ﴿١٢٨﴾
ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن).
وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة.
وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨].
﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟
* طلبة: بينهما.
* الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر.
* طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني.
* الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه.
* الطالب: باسمه؟
* الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله.
* الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟
* الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟
* الطالب: ليس لك من الأمر شيء.
* الشيخ: إلى أن يتوب عليهم.
* الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟
* الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨].
قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟
* طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم.
* الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله.
* من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.
وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين.
ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم.
* ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه.
فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟!
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].