×

العنكبوت

الآية ٤١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾

ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا يرجون نفعها ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]. (مَثَل ومِثْل) هي كـ(شَبَه وشِبْه)، وزْنًا ومعْنًى، فالمَثَل بمعنى الشَّبَه، وهو عبارة عن تشْبِيه شيء معقُول بشَيء محسوس؛ لأنَّ تَمْثِيل المعقولات بالمحسُوسَات يزيدها وضوحًا وبيانًا وتصوُّرًا، مفهوم؟ وإن كانت لا تتَسَاوى مِن كلِّ وجه، لكنَّها مِن هذا الوجه الذي شُبِّهَتْ به تتسَاوَى. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: جعلَوا أولِياءَ، والمراد بالأولياء: الأصنَام، وسُمُّوا أولياء؛ لأن عابِدِيهَا يرجُون نفعَها، كالوليّ الذي ينفَعُك بالنُّصْرَة والدِّفاع وجلْب الخير، وما أشبه ذلك، وأيضًا أولياء؛ حيث إنَّهم هم .. .. ولهذا قال قوم إبراهيم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٦٨]، فهم ينصرونها ويرجون النصر منها، ولهذا سُمِّيَت هذه الأصنام بـ(أولياء). وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، والدليل على أن المراد دون الغير أن ذلك جاء في آيات متعددة كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، والتعبير بالدُّون لِدُنُوِّ مرتبته بالنسبة إلى مَن؟ إلى الله عز وجل ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت ٤١] مثلُهم إذن مَن المراد بالذين اتخَذُوا مِن دون الله أولياء؟ المراد بهم المشركون مثلُهم ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]؛ أي: كشبه العنكبوت، والعنكبوت معروفة دويبة معرُوفة تتَّخذ لها بيتًا مِن العُشّ، وهذا البيت مِن العش هي التي تنسجه يخرج منها، والله سبحانه وتعالى على كلِّ شيء قدير، هذه العنكبوت إذا سقطَت من علٍ هي فورًا تفرز هذا العش، وتتعَلَّق به حتى لا تقع على الأرض، ثم مع ذلك تفرِزُه وتتعلق به، وتجدها مُتَدَلِّية بهذا الخيط، وإذا شاءَت أن تصعَد به صعدَت تنقلب وتجعَل رأسَها هو الأعلى وتصْعَد مع هذا الخيط الذي أفرزته هي في الحال، ثم هي أيضًا عند صيدَتِها -وأكثر مَا تصيد الذباب- ماذا تصنع به؟ تقيدُه بهذه الخيوط حتى تقضِي عليه، وهذا بعض مِن قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] هدى هذا الخلق لِمَا هو مِن مصالِحِه، الشاهد أنَّ هذه العنكبوت اتَّخَذَت بيتًا أي جعلت لها بيتًا، مِنين؟ مِن العش الذي تنسِجُه. قال المؤلف: (﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١] لنفسِها تأوي إليه) وهذا مشاهد ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ﴾ [العنكبوت ٤١] أضعَفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، هذا كلامُ الله عز وجل، وهو العالِمُ بما لم نُحِطْ به علمًا ما أكثرَ مخلوقات الله تعالى التي لها بيْت، ونحن لا نعلَم عن هذه البُيُوت إلا ما نشاهِدُه منها، وما أكثرَ الغائبَ عنَّا والله عزَّ وجل يقول: أَوْهَنَ الْبُيُوتِ بَيْتُ الْعَنْكَبُوت، وأَكَّد هذه الجملة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ بـ(إن) واللام مِن أجل تأكيد ضَعْف هؤلاء الأولياء، كما أنَّ هذه البيوت التي تأوي إليها العناكب ضعِيفَة، بل هي أوهَن البيوت وأضعفُها فإنَّ هؤلاء الأولياء أيضًا أضعفُ ما يكون مِن الأولياء فإنَّها لا تنفَع عابديها، بل إنَّ الله يقول في القرآن: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ -حقًّا- ﴿مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ أي: الآلهة أو المتَأَلِّهِين لَها؟ تشْمَل هذا وهذا فهم لو كانوا آلهة حقًّا لمنَعُوا أنفسَهم مِن دخول النار، ولَمنَعُوا عابديهم مِن دُخُول النار، ولكنَّها آلهةٌ باطلة ما تنفَع فهذا وجه المشابهة في قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ هذا التشبيه تشبِيه يُسَمِّيه البَيَانِيُّون يسَمُّونَه التشبيه التمثيلي؛ يعني أنَّه مكَوَّن مِن جملة أنت إذا قلت: فلان كالبحر في الكرم هذا تشبيه، لكنَّه تشبيه إفرادِي شبَّهْت فردًا بفَرْد، إنما لو أتيت بشيء تُشبِّه قصة بقصة أو قضية بقضية، فإنَّ التشبيه هنا تمثيلِي مركَّب مِن عدة أوجه مِن مُشَبَّه، ومشَبَّه به متَعَدِّد، وأوْجُه الشبه متعدِّدَة أيضًا، فهذا التشبيه نسميه تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأنَّه مركَبٌ مِن قِصَّة متكَامِلَة؛ يعني ما قُصد أن يُشَبَّه العابدون بالعنكبوت وحدَها والمـعبُودُون بالبيوت وحدَها، قُصِد أن تُشَبَّهَ القضيَّة كاملة بالقضية كاملَةً حتى تتَّضِح الصورة أمام المخاطَب. قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال المؤلف في بيان هذا الوهم: (لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا) إي نعم، لا يدفُع الحَرّ ولا البرْد ولا يقِيها أيضًا مِن الآفات كأن يَسْقُطَ عليها شيء أو نحو ذلك، هذا البيت أوهَن البيوت؛ إذن يكُون هذه الأصنام لا تَنْفَع عابِدِيها، فعلى هذا نقُول: إنَّ هؤلاء الذين عبدوا هذه الأصنام، ما لجؤوا إلى ملجأ نافع، بل إلى ملجأ، ليس بنافع ولا مَانع ولا دَافع، ولهذا شبه الله ذلك ببيت العنكبوت، وفي آية أخرى شبه هذه الأصنام ودعاءها برجلٍ باسط كفيه إلى الماء لِيبلُغَ فَاه هل يبلغُه؟ إنسان أمامه الماء وهو عطشان فبسَطَ كفَّيْه إلى الماء، هكذا يُريد أن يصِل إلى الفَم يمكِن يصِل؟ لا يمكن أن يصِل أبدًا، فهذي أيضًا الأصنام لا تنفَعُ عابديها كما لا يصِلُ هذا الماء إلى فمِ هذا العطشان، قال الله عز وجل: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١] ذلك ما عبدُوها. ﴿لَوْ﴾ هذه شرطِيَّة وفعل الشرط قولُه: ﴿كَانُوا﴾، وجوابُه مقدَّر على كلام المؤلف ويش تقديره؟ ما عبدوها، ولا ينبغِي أن تُوصَل هذه الجملة بالتي قبلَها؛ لأنَّك لو وصلْتَها بما قبلَها لكَان وهَنُ بيتِ العنكبوت مشروطًا بعلْمِهم مع أنَّه أوهَن البيوت سواءٌ عَلِمُوا أم لم يَعلَمُوا، ولهذا ينبغي أن نقف على قوله: ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. ثم نقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، المؤلف يقول: ما عبدُوها، ويحتمل أن يكون الجواب: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا مِن ذوي العِلْم النافع ما خفِيَ عليهم هذا الأمْر، فإذا لم يخْفَ عليهم هذا الأمر، لم يقومُوا بالعبادة، وعلى كل حال فإن هذا يدُلُّ على جهلِ هؤلاء العابدين مهما بلغُوا من الذكاء، ومِن حُسْنِ التصرُّف في الدنيا فإنَّهم مِن هذه الناحية سُفَهَاء ليس عندهم علم ولا عقْل، هذه الآية تذَكِّرنا بآية يغلَط فيها كثيرٌ من الناس أيضًا في سورة التكاثر ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥]، بعض الناس يصِل ويقول: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر ٥، ٦]، وهذا خطَأ؛ لأنَّ المعنى يفسُد به فسَادًا واضِحًا؛ لأنَّك لو وصلْت لكان ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، والأمْر ليس كذلك، بل ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جملة مستأنَفَة مستقِلَّة أخبر الله تعالى فيها أنَّنا سنرَى الجحيم، فيجبُ الوقوف على قولِه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. * طالب: شيخ، لو قال قائل أن العنكبوت تنتفع من بيتها بنسبة ما كما هو الواقع، وعباد الأصنام ما ينتفعون بها قطعًا؟ * الشيخ: نعم، هذا صحيح، قد يرد علينا، لكن المقصود أن هذه الأصنام مثل هذا البيت؛ لأنَّه لا ينفَع، هم الآن ينتفعُون بهذه الأصنام نوعًا من الانتفاع لا سيما الانتفاعُ المادي، فإنَّ الوافدين إليها لعبادتها والتبرُّك بها يحصُل فيهم منفعة مادية، لكن النَّفْع الحقيقي الذي هم يرْجُون، وهو الدفع ما ينفعهم. * طالب: يا شيخ، ما يقال: إن (...) ما يلزم الدخول في الواجب، فقد يطلب منك الشيء، ولا يلزم..؟ * الشيخ: لا، هو المقصود بالتشبيه هنا عدم الانتفاع أنَّها ما تنفعهم ولا تمنعهم، وهو حقيقة حتَّى بيت العنكبوت ما ينفعُه ولا يمنعُه يأتِيها الهواء، ويأتِيها البرد، ويأتيها المطر، ويعلَقُ به التراب، ولا تنتفعُ به الانتفاع الكامل. * الطالب: تصطاد به. * الشيخ: لا، ما تصطَاد به، تصطَاد بالعش اللي يخرج منها هذه الخيوط هي التي تصطَاد بها، أما نفْس البيت ما تصطَادُ به لكن هذا الذي نرَاه عليه هي التي جاءَت به تأتي به وتضعه فيه. قال تعالى: ﴿