×

العنكبوت

الآية ٤٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٤٢﴾

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت ٤2] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ ﴿مَا﴾ يقول المؤلف: (بمعنى الذي). فتكون اسمًا موصولًا، وهذا الإعراب الذي سلكَه المؤلف هو المتبادِر من الآية، وبعض المعربين، يقول: ﴿مَا﴾ استفهامِيَّة، والوقْفُ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ما الذي يدعون من دونه مِن شيء هل يستفيدون؟ ولكنَّ هذا بعِيد مِن اللفظ فإعراب المؤلف هو الصواب، ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يبقى على إعراب المؤلف أن نقول: أين العائد عائِدُ الموصول الجواب؟ * طالب: الهاء. * الشيخ: وين؟ * طالب: من دونه. * الشيخ: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الهاء هذه تعود على الله ما هي تعود على ﴿مَا﴾؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: محذوف، وهذا مطَّرِد، حذفُ العائد المنصوب مطَّرد، فيقول: التقدير: إنَّ الله يعلم ما يدعونَه مِن شيء. وقوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ قال: (يعبدون)، فالدعاء هنا دُعَاء عبادة، وكما يكون الدعاء دعاء عبادة فهو دعاءُ مسألة ودعاءُ عبادة، أمَّا دعاء المسألة ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦] إنَّك تقول: يا ربي، اغفر لي، يا ربي ارحمني وما أشبه ذلك، دعاءُ العبادة ويش معناه؟ أن تتعَبَّدَ للهِ سبحانه وتعالى بما أمرَك به، وإنَّما كان ذلك دعاءً؛ لأن حقيقة حالِ العابد ما هي؟ طلب مغفِرَة الله ورحمَتِه فهو في الحقيقة داعٍ ضِمْنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]. وقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يعبدون، ينبغي أن نجعَل الدعاء هنا شاملًا لِلعبادة ولِدُعَاء المسألة، هم يدعون هذه الأصنام دعاءَ مسألة ولَّا لا؟ * طالب: يدعونها. * الشيخ: يدعونها هذه الأصنام دعاء مسألة أيضًا، يسألونها، وشاهدٌ ظاهر في هذا أولئك الذين يشرِكُون بالأنبياء والأولياء فإنَّهم يدعونهم دعاءَ مسألة، يقول: يا رسول الله، اغفرْ لي، ويا رسول الله، يسِّرْ أمري، وما أشبهَ ذلك. وقوله: (بالياء والتاء) كيف بالياء والتاء؟ يعني ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿تَدْعُونَ﴾ قراءتان سبعيتان ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيرِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه بيانٌ لـ﴿مَا﴾؛ يعني أي شيء يدعونه، فإنَّ الله تعالى عالم به. علمُه به ويش معنى علمُه به؟ أنَّه يعلم حال هذا المدعُوّ المعبُود، وهي كالتعليل لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، تؤيد أنَّ هذا المثلَ مطابِقٌ للواقع؛ لأنَّه صادرٌ ويش؟ عن عِلْم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فإنه لما ذكر أنهم كالعنكبوت بيَّنَ أنَّ هذا عن علم مِن الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأنَّ هذا الشيء الذي يُدعَى لا ينفَع. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صُنعِه. لو قال قائلٌ: إن المناسب أن يقال: (وهو السميع العليم)؛ لأن الله يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمقتضى الظاهر أن تُختَم الآية بالعِلْم؟ قلنا: هذا حقّ بالنِّسْبة لِظاهِر الكَلَام لكن عند التأَمُّل تجد أن ختامَه بالعزة والحكمة أبلَغ فإنهم يريدون الاستنصار بهذه الأصْنَام والغلبَة والظهور، وأكبر شاهدٍ لذلك قول أبي سفيان يوم أحُد حيث قال: «اعْلُ هُبَل»[[أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء.]]. هذه الأصنام واعتزازُهم بها مقابَلٌ بعزةِ مَن لا يُغلَب وهو الله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالِب لهذه الأصنام ولعابدي هذه الأصنام واضِح؟ إذن مناسبة ﴿الْعَزِيزُ﴾ أبلغ مِن مناسبة (العليم)؛ لأنَّ هؤلاء يستنصرون بأصنامهم ويريدون أن تظهَر وتغلب، فبيَّنَ الله أنَّه هو صاحب العزة، وسبق لنا أن العزيز مِن أسماء الله عز وجل، وأنه يتضَمَّن العزة من ثلاثة وجوه: عزة القَدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ أما عزةُ القدر فمعناه سبحانه وتعالى أنَّه لا يشبهه أحد في عظمته وجلاله وقَدْرِه، وأما عزة القهر فمعناه أنَّه لا أحد يشبهُ الله عز وجل في قهْره وسلطانه وملكه، وأمَّا عزة الامتناع فمعناه أنَّه سبحانه وتعالى ممتنع عن كلِّ نقص وعن كلِّ عيب فهو عزيزٌ أن يُنَالَ بعيبٍ أو نقص، وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يقرِن الله سبحانه وتعالى العزة بالحكمة أتدرُون لماذا؟ لأن بعض الأعزَّاء مِن الخلق تحمِلُهم العزَّة على التَّهَوُّر، وعَدم التثَبُّت، وعدم تنزيل الأشياء منازلها، واذكروا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، وكون العزة تأخُذُه بالإثم حِكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة خلاف الحكمة، فلهذا يقرِنُ الله تعالى دائمًا العزيز بالحكيم إشارةً إلى أنَّ عزتَه تبارك وتعالى مقرونَة بالحكمة، فهو وإن كان عزيزًا غالبًا قاهرًا له السلطان الكامل فإنَّه سبحانه وتعالى لا يدبِّر الأمر إلا على وجه الحكمة البالغة، ثم إنَّه أيضًا على تفسيرنا فيما سبق ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنَّه ذو الحُكْم، ويش بعد؟ والحِكْمَة، ظاهر جدًّا أن عزتَه مقرونَة بحُكْمِه، وأنَّ له الحكم المطلق في عباده سبحانه وتعالى فلهذا يُقرَنُ هذا الاسم بهذا الاسم دائمًا، واعلم أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لها معانِي عند إفرادِها، وإذا قُرِنَت مع غيرِها ترَكَّب مِن هذا الاقتران معنًى آخر فوق المعنى الإفرادي لكل اسم، وهذه مسألة تأمَّلُوها، فمثلًا العزيز له معنى عند انفرادِه والحكِيم له معنى عند انفراده، لكن إذا اقترنا جميعًا حصل منهما معنًى آخر ثالث زائد على المعنى الانفرادي، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعنى الكامل، وسبق لنا أن الحكيم ذُو الحُكْم والحِكْمة، وأنَّ الحُكْم ينقَسِم إلى كَونِيّ وشرعي، ومثَّلْنَا للكوني بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، وللشرعي بقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، ولما يشمَلُهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١]، وما أشبه ذلك. أمَّا الحكمة فإنها ثابتة لله عز وجل، وهي تنْزِيل الأشياء في منازلها، وتكون في الحكم الكوني والحكم الشرعي، هذا باعتبار موضعها، وتكون أيضًا حكمة غائية، وحكمة صورية، صورية؛ بمعنى أن كونَ الشيء على هذه الصورة المعينة موافِقٌ للحكمة، ثم الغاية منه حكمة أيضًا فتكون الحكمة في الغاية، وفي الهيئة التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامل لجميع أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.﴾ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت 43] في القرآن ﴿نَضْرِبُهَا﴾ نجعلها ﴿لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أي: يفهمها، ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ المتدبِّرُون. ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ أتى بـ﴿تِلْكَ﴾ الدالَّة على البُعْد، ولَّا على القرب؟ على البعد؛ لأنَّه لم يقل: وتلك الـمَثَل حتى نقولَ إنه عدَلَ بالكلام عن ظاهره أو عن مقتَضَى سياقِه؛ لأنّ المثل المضروب الآن قرِيب ولَّا بعيد؟ قريب، لكن قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، والأمثال الأخرى غير مثَل متَّخِذِي الأصنام بعيدة بالنسبة لهذا المكان؟ إي نعم؛ لأنها متوَزِّعة في القرآن فلهذا جاءت الآية بـ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، ولم يقل هذا المثل فهو شامِل لكُلِّ الأمثال الواردة في القرآن، والأمثال الواردة في القرآن كثيرة متعدِّدة، وقد ألَّفَ فيها بعض أهل العلم الكتب المستقلة، وأفردَها السيوطي في الإتقان بفصل مستَقِلّ، وبيَّن فوائد الأمثال التي يُضرب المثل مِن أجلها، والفائدة الملموسة منها القريبة جدًّا هو تقرِيب المعقول إلى الأذهان إذ إن المثل هو ضَرْبُ شيءٍ معقُول قد يَبْعُد على الإنسان تصَوُّره بشيءٍ محسُوس يسهُل تصَوُّرُه، قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ إذا قلت: ضرب ذلك مثلًا المعنى جعل ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨] أي: جعَل لكم، فالضرب إذن يأتي بمعنى الجعل إذا أُضِيف إلى المثل كلَّما وجدت ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم ٢٤]، وما أشبهَه فاعلم أن المراد به المراد بالضرب هنا الجعل، فمادة (ضرَب) ليسَت خاصة بالضرب الذي هو الضَّرْب باليد، تشْمَل الضَّرْب بمعنى الجعل، وتشمل الضرب بمعنى تحويل النُّقُود مِن سِكَّة إلى سِكَّة وغير ذلك حسب السياق الذي يبينها. وقوله: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نجعلها أمثالًا للناس عمومًا فالله تعالى ضربَ المثل لجميع الناس في التوراة والإنجيل والقرآن، ولكن مَن الذي يعقلها وينتفِعُ بها؟ العالِمُون ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، العالمون أي: ذَوُو العِلْم، والفهم الذين ينتفعون بفهمهم وعلمهم، ولهذا قال المؤلف: (المتدبرون)، وهذا التفسير فيه نظر؛ لأن العلم بعد التدبر، لكن لما كان العلم لا يحصل إلا به فسّره المؤلف به، والحقيقة أن المراد بالعالمين المراد بهم ذوو العلم والفهم الذين يعقلون الأشياء ويفهمونها احترازًا من أهل الجهل المعرضين الذين لا ينتفعون بما أعطاهم الله تعالى من الفهوم فإنهم لا يعقلون هذه الأمثال، وإذا لم يعقلوها ينتفعون بها ولَّا لا؟ ما ينتفعون بها، هل من الممكن أن نحصر الأمثال الموجودة في القرآن؟ ما هو في هذا المكان، ما يمكن في هذا المكان، فنأخذ به بحثًا ولا ما يمكن؟ * طالب: كتاب لابن القيم حصر (...). * الشيخ: أنا لا أريد منكم أنكم تنقلون من الكتاب أولًا الإنسان، هذا بينكم وبين الله أنتم بأنفسكم تدبّرون القرآن، كلنا في رمضان الحمد لله نقرأ القرآن، كلما مر على الإنسان مثل يقيده، ثم بعد ما يقيد هذه الأمثال يشوف عاد يرجع إلى الكتب المؤلفة، هل نقص ولا ما نقص، ولا معلوم أن.. أنا ما ودي أنك علمت الإخوان، لكن أن الإنسان يستطيع أنه يروح لأي كتاب مؤلف في هذا وينقله لكن.. * طالب: لا، يمكن يا شيخ نقرأ كتاب ابن القيم نقرأ بس قراءة يساعدني (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أن الإنسان أولًا يبدأ هو بنفسه، يبدأ في القرآن يقيد الأمثال، ثم بعد ذلك يرجع إلى الكتاب ما فيه مانع، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ إذن عمم في ضرب المثل، وخصّص في عقل المثل، أين التعميم في ضرب المثل؟ ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾،﴾ والتخصيص: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وهذا أسلوب كثير في القرآن التعميم ثم التخصيص؛ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]، فعمَّم في الدعوة، وخصّ في الهداية. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت ٤4] أي: محقًّا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دالة على قدرته تعالى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ما معنى خلق؟ أي: أوجدها، والله تعالى خالق السماوات والأرض. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١١٧] قال أهل العلم: بديع بمعنى (مُبدع)، والإبداع إيجاد الشيء على غير مثالٍ سبق، ومنه البئر البدع التي حفرت الآن جديدة، فالخلق أعم من البدع، لكن قد بيَّن الله عز وجل في آية أخرى أنه خالق وبديع، فهو الذي أوجد السماوات والأرض وهو بديع السماوات والأرض. وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني بما فيهما، والذي فيهما بالنسبة لبني آدم منهما، وكذلك النبات فإن الإنسان خلق من طين من الأرض والنبات أيضًا من الأرض كما هو ظاهر. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال المؤلف: (أي محقًّا)، فالجار والمجرور في موضع نصب على الحال من فاعل (خلق) أي محقًّا ويجوز أن يكون حالًا قصدي مفعولًا من أجله؛ يعني بمعنى المفعول من أجله؛ أي: خلقها للحق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص ٢٧]، وإنما هي حق، وتفسير المؤلف يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، فإذا لم يكن لاعبًا سبحانه وتعالى كان محقًّا. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه الخلق، فيشمل كل ما تطور من خلق السماوات والأرض فإنه آية، فنفس السماوات والأرض خلقهما آية دالة على الله؛ لأن آية الشيء ما كان دالًّا عليه دون غيره، هنا السماوات والأرض دالة على الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق مثل هذه السماوات والأرض، أليس كذلك؟ إذن فهي آية له، فوجود هذه السماوات والأرض دال على القدرة وما فيهما من الانتظام، وعدم الاضطراب والتناقض دال على الحكمة، ولو تأملت أشياء كثيرة من حوادث السماوات والأرض لوجدت كل واحد منها يدل على القدرة، وطبعًا على العلم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وعلى الحكمة، وله أيضًا دلالة خاصة على ما يدل عليه بنفسه، وهذا شيء تأمله يظهر لك آيات كثيرة ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: دالة على قدرة الله فقط؟ لا، على قدرة الله، وعلى علمه، وعلى حكمته، وعلى رحمته، وعلى قوته، وكل حوادث السماوات والأرض كل شيء منها يدل على تلك الصفة الخاصة به. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال المؤلف: (خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين) صحيح، الآيات الكونية لا ينتفع بها إلا المؤمن والكافر ما ينتفع، الكافر يقول: هذه طبيعة تدبر بنفسها، وتنتقم من الناس بنفسها، وتجلب الخير للناس بنفسها ولا ينتفع، والمؤمن ينتفع بذلك، كذلك أيضًا الآيات الشرعية المؤمن ينتفع بها وغير المؤمن لا ينتفع ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، فالآيات إذن الآيات الكونية والشرعية ما تنفع إلا المؤمن. فإذا قال قائل: المؤمن مؤمن، كيف ينتفع؟ قلنا: نعم، ينتفع بأي شيء؟ بزيادة الإيمان ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وزيادة الإيمان لا شك أنه انتفاع نفع عظيم؛ لأن الإيمان إما أن يزيد، وإما أن ينقص، وإما أن يبقى على ما هو عليه، والأخير هذا قد يكون نادرًا أن يكون الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ فهو إما في زيادة، وإما في نقصان، هذا في الغالب الكثير، على أن التقسيم الحاصل هذا أنا أشك في وجود القسم الثالث منه، وهو أن يكون لا يزيد ولا ينقص؛ لأن عدم زيادة الإيمان يؤدي إلى نقصه؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة كما هو مفهوم للجميع إذا فقدت الطاعة حصل النقص، إنما القسمة العقلية هو أن يكون إما زائدًا أو ناقصًا أو باقيًا على حاله، وتصور أو وقوع القسم الثالث الله أعلم به. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. [العنكبوت: ٤4، 45] * طالب: أيش الذين قالوا: (...) والذين قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟ * الشيخ: ما عندهم دليل؛ يعني عندهم تعليل عليل الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، يقولون: هم المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب والإقرار لا يتفاوت أو المعتزلة والخوارج، الذين يقولون: الإيمان ما يتبعض إما أن يوجد كله كاملًا وإما أن يعدم كله. قال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ﴾.. * طالب: لكن الآية ما ترجع للخلق بالحق جميعًا؟ * الشيخ: إلا ترجع لهما جميعًا، وخلق السماوات بالحق بهذا القيد ترجع لهما جميعًا. * طالب: يا شيخ، فيه بعض العلماء يقول على نقص الإيمان وزيادته، يقول: إن من ترك ما ينفعه لا بد أن يبتلى بما يضره، وهذا من العوائد القدسية. منين أخذوا هذا الكلام بعض المفسرين (...)، يذكر هذا فما أدري منين؟ يقول: دائمًا إن الإنسان إذا ترك أي شيء ينفعه فلا بد أن يبتليه الله سبحانه وتعالى بما يضره، (...) وجه (...). * الشيخ: أيش وجهه؟! من ترك ما ينفعه ابتلي بما يضره، وجه ذلك يا إخواننا؟ * الطالب: عقوبةً يعني؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] الإنسان لا بد أن يفعل شيئًا. * الشيخ: نعم، هذا وجهه، الإنسان لا بد أن يكون حارثًا وهمامًا، كل إنسان لا بد له من همة وعمل، هذا العمل إذا لم يكن فيما ينفع لزم أن يكون فيما يضر. فإذا قال قائل: هذا القول يستلزم إبطال القول بقسم المباح في باب التكليف كما يذكر عن أحد المعتزلة -فيما أظن الكعبي، هو يسمى الكعبي، وأظنه من المعتزلة- يقول: ما فيه قسم مباح في الشريعة؛ لأنه لازم أن هذا الشيء المباح الذي تشتغل به يكون كافًّا لك عن المحرم فيكون واجبًا، فالأشياء إما واجبة وإما محرمة، لكن أهل العلم ردوا عليه بأدلة العقل والنقل وقالوا: هذا ليس بصحيح، فإن ضرر فعل المباح إذا تضمن ترك الواجب ما هو لأنه مباح، ولكن لترك الواجب، لو فعل المباح بدون أن يترتب عليه ترك واجب وفعل محرم ما صار عليه إثم، فالمهم أنا نقول: أن وجه الكلام أن الإنسان لا بد أن يكون فعالًا، فإما فيما ينفعه وإما فيما يضره. أستغفر الله! * طالب: ما هناك مباحث يتعلق بموضوع الأسماء والصفات وشرحها، الأسماء فقط وشرحها (...) محققة في كتب؟ * الشيخ: ما رأيت إلا كلام ابن القيم في النونية، والشيخ عبد الرحمن السعدي شرحها توضيح توحيد الأنبياء، وفيه أيضًا كتاب شرح أسماء الله لأحد علماء اللغة. * طالب: الزجاج؟ * الشيخ: والزجاج. * طالب: تفسير الأسماء. * الشيخ: إي هو شرحه، لكنه بس ما عاد أدري عن ثقتي بهذا الرجل. (...). في هذه الآية ضرب الأمثال للناس أو نخليها في الآية التي بعدها؟ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ الآية التي بعدها أوضح. * في هذه الآية الكريمة: دليل على سفه أولئك المشركين حيث اعتمدوا على ما لا معتمد عليه في عبادة الأصنام؛ يؤخذ من قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: تقبيح هؤلاء المشركين وتنزيل مرتبتهم حيث شبهوا بأيش؟ بالعناكب؛ لأن هذا لا شك أن تشبيه الإنسان بالحيوان أنه إذلال له وتنزيل له عن مرتبته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. * ومن فوائِد الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها أبدًا، لا تنفعهم، ولا تدفع عنهم فهي لا تجلب الخير ولا تدفع الضرر من أين يؤخذ؟ حيث شبّهت ببيت العنكبوت. * ومنها: جواز ضرب المـثل بالدون حسب ما تقتضيه الحال منين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، فإنها من أدنى ما يكون من المخلوقات، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة ٢٦]، وقد ضرب الله المثل بالذباب، وبالحمار، وبالكلب، وبالبعوضة، وبالعنكبوت، كل هذا حسب ما يقتضيه المقام. * ومن فوائد الآية: أن أوهن البيوت وأضعفها بيت العناكب، ومن هنا نأخذ أنه لا ينبغي أن يقال: هذا أوهى من بيت العنكبوت أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: تأملوه أوهى من بيت العنكبوت. * طالب: لأن لا شيء أوهى من بيت العنكبوت. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الله المستعان (...) أوهى من بيت العنكبوت ليش نقول ما يصلح؟ لماذا؟ لأنه قال: ﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ فأنت ما يمكن تقول لبيت من البيوت: إنه أوهى من بيت العنكبوت، بيت تقول: أوهى من بيت العنكبوت ما يصلح؛ لأن الله يقول: أوهن البيوت بيت العنكبوت، لكن إذا كان غير بيت تقول مثلًا: حجة هذا الرجل أوهى من بيت العنكبوت فما رأيكم؟ * طالب: لا بأس. * الشيخ: هذا لا بأس، ما فيه تكذيب للقرآن، اللي فيه معارضة للقرآن أن تقول عن بيت: إنه أوهى من بيت العنكبوت.(...) سبيل الهداية ولكن لاحظوا ما المراد بالعلم الذي هو سبيل الهداية هل هو العلم بطبائع الأشياء وما خلقَ الله في الكون أو العلم بالله عز وجل؟ العلمُ بالله وآياتِه الكونية والشرعية وليس مجرَّد أن يطَّلِع الإنسان على ما في هذا الكون لأنَّه قد يطَّلِع ولا ينتَفِع، ومن هنا نأخذ خطَأَ كثيرِ مِن الناس الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] أنهم العلماء بالكون، لو كان الأمر كذلك لكان أصحابُ علوم الفلك وطبقات الأرض الجيولوجيا وغيرِها هم الذين يخشَون الله، وأصحابُ العلم بشريعة الله دونَهم في الخشية وهذا مُحَال ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت ٤٤]. * يستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ الخالق للسماوات والأرض هو الله. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه الآية فيها أنَّ الله لم يحكُم على هؤلاء المشركين بمشابهتِهم للعنكبوت إلَّا عن عِلْم فالآية كالتعليل لِمَا قبلها يعني أنَّه سبحانه وتعالى ما قال: كمثل العنكبوت إلَّا عن علم هو يعلَم هذه الأصنام وأنها لا تنفع ولا فائدة منها. * ومنها: إثباتُ العلم لله فيما يتعلَّق بالخلْق إثبات علم الله تعالى فيما يتعلَّق بالخلق فيكونُ فيه ردٌّ على من؟ على غُلَاةِ القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلَم الأشياء المتعلقة بالخلْق إلا بعد وقوعِها. نعوذ بالله، لكن هؤلاء الغلاة يقول شيخ الإسلام في وقته: إنهم كانوا قليلين، إنَّهم قَلُّوا؛ لأنَّهم رأوا أنَّ إنكارهم العلم نداءٌ على أنفسهم بالكفر فتركوا هذا وصاروا ينكرون الكتابة والمشيئة. * ومِن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين العزيز والحكيم وإثباتُ ما تضمناه مِن صفة وهي العزة والحكمة، وكذلك ما تضمنَّاه من صفة على سبيل دَلَالة الالتِزَام؛ لأنَّ دلالة اللَّفظ على معناه تكون بالمطَابقَة والتضَمُّن والالتزام، فما يستلزمه هذان الوصْفَان مِن الصفات فإنَّه ثابت، أنتم فاهمين هذا؟ دلالة اللفظِ على مدلوله تكون بدلالة المطابقة والتضَمُّن والالتزام، ما مرَّت علينا هذه؟ نضرِب مثلًا لذلك: كلمة (دار)، تعرفون الدار المسكُونة كلمة (دار) تدُلّ على هذه الكتْلة مِن البناء المتضَمِّنَة للغُرَف والحُجَر والسُّطُوح والرَّحْبَات تدُلُّ على ذلك بالمطابَقَة، أنت بمجرَّد ما أقول: كلمة (دار) تفهم أن (دار) فيها حُجَر وغُرَف وأسْطِحَة ورحَبَات فدلالَتُها على هذا دلالَة مطابقة تدُلُّ على كل حجرةٍ بمفردها أو غرفةٍ بمفردها أو سطحٍ بمفرده أو رحبة بمفردها تدل عليها بالتضَمُّن يعني أنه متضَمِّنَ لكذا وكذا واضح؟ تدلُّ على أنَّ لها بانيًا بأيش؟ بالالتزام؛ لأنَّه ما تقوم الدار إلا ببانِي هذا معنى قولهم إنَّ الدلالة مطابقة وتضمن والتزام، فمثلًا العزة العزيز يدل على العزة دلالة مطابقة، مِن لازم العزة أن يكون العزيز عالمـًا قادرًا قويًّا دلالته على هذه المعاني بالالتزام، ودلالة العزيز على الذَّات والصفة دلالة مطابقة، وعلى الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضَمُّن. * طالب: ما قلت يا شيخ دلالته على الذات؟ * الشيخ: لا؛ لأن العزيز اسم، فهو دلالته على الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضمن، وعليهما جميعًا دلالة مطابقة، وعلى ما تستلزمه العزة مِن العلم والقدرة والقوة، وما أشبه ذلك التزَام، ولهذا اسم الحي القيوم تضَمَّن جمِيع الصِّفَات، هذان الاسمان تضمَّنَا جميعَ الصفات؛ لأنَّ الحي مستَلْزِم لجميع صفات الكمال، والقَيُّوم مستلزم لجميع صفات السلطان والمـُلْك والتدبير وما إلى ذلك، ولهذا ورد في الحديث أنَّهما اسمُ الله الأعظم[[أخرجه أبو داود (١٤٩٦) من حديث أسماء بنت يزيد.]]. العزيز الحكيم قلنا: فيها إثبات العزة، والحكِيم فيها إثبات الحُكْم والحِكْمَة، وفي الجمع بينهما يظهَر صفة ثالثة، وهي أنَّ عزةَ الله مقرونَة بالحكمة ليست كعزةِ العزيز غيرِه فإنَّها قد تكونُ خاليةً من الحكمة. * ومِن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التَّأَمُّل إذا خُتِمَت الآيات بما يكون مُخالفًا لِظَاهِر الحال؛ يعني فلا ترُدَّها إذا وجدت آية مختومة بخِلَاف ما يقتضيه ظاهر الحال أو السياق، فتأمَّل فيها فإنَّ الخطأ منك ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]، مقتضى ظاهر السياق أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن عَدَل عنه، لا تقل إن هذا خلل أبدًا، الخلل منك أنت فإن هذا كلام الله عز وجل ما فيه خلل، فآياته الكونية ليس فيها خلل، وآياته الشرعية كذلك، فيجب أن تتَأَمَّل وتتوقف، هنا في الآية التي معنا، قد يتبادَر للإنسان أن تخُتَم بالعلم، ولكن عند التأمل يكون ختمُها بالعزة والحكمة أولى. ثم قال تعالى: ﴿