تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٠﴾
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾.
* مِن فوائد هذه الآية: تمامُ قدرة الله في إرسالِ هذه العقوبات، فإنَّها كلها عقوبات تدُلّ على القدرة.
* ومنْها: إبطَال قول هؤلاء الملحدين، حينما تأتي مثل هذه الآيات في الوقت الحاضر يقولون: هذه مِن الكوارث الطبيعية، تأتي الزلازل اللي هي الرجفة ويقولون: هذه مسألة طبيعية، وتأتي الفيضانات العظيمة التي تُدَمِّر ويقولون: هذه كوارث طبيعية، ما يعتَبِرُون بها، ويرون أنَّها نوع من العقوبات التي جرَت على الأمم السابقة، وكذلك الرياح الشديدة، وهذا مِن موت القلوب -والعياذ بالله- أنَّ الإنسان يُعرَض عن التأمُّل والتدبر في هذه الآيات ويضِيفها إلى أمور طبيعية، وكأنها -على زعمهم- كأنَّ الطبيعة هي التي تخلُق وتفعَل بدون الله.
* ومن فوائد الآية: إثباتُ حكمَةِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ سواءٌ قلنا: إنَّ الباء للسببية أو لِلمقابلة.
* ومنها: إثباتُ الأسباب، وكل مَا جاءك في القرآن مِن لام للتعليل أو باء للسببية فإنها تدُلّ على إثبات الأسباب والحِكَم.
* ومنها: الردُّ على الجبرية الذين يُنكِرُون الأسباب ومَن وافقهم مِن الأشعرية، فإنَّنا نحنُ أهل السنة والجماعة نُؤْمِن بالأسباب، لكننا لا نقول: إنَّ هذه الأسباب مؤثرة بنفسها، ولكن بخلْقِ الله سبحانه وتعالى فيها التأثير.
* ومنها: أنَّ الجزاء مِن جنس العمل، هذا على أيِّ الاحتمالين في الباء؟ البَدَلِيَّة والمقَابَلَة، الجزاءُ مِن جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، واعلموا أنَّ الجزاء من جنس العمل في الجزاءات الشرعية، وفي الجزاءات الكونية؛ الجزاءات الشرعية مثل الحدود؛ الحدود: العقوبات المقَدَّرة مِن قبل الشرع، كلُّها في الواقع عقوبات، فقَطْع اليد بالسرقة لا شك أنَّه موافِق للحكمة؛ لأنَّ اليد بها يأخذ، وقطع الأيدي والأرجل مِن خلاف في قُطَّاع الطريق مُوافق للحكمة؛ لأن قُطاع الطريق يعتَدُون على الناس بأيْديهم وأرجلِهم، ورجم الزاني بالحجارة دون قتلِه بالسيف موافقٌ للحكمة أيضًا، وهكذا كُل العقوبات الشرعية والكونية فإنَّها موافِقَة للحكمة، ويدل على هذا قولُه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ وصيحة وخسْف وغرق، هذه الأنواع الأربعة مِن العقوبات ذكرُها له حكمة؛ لأن قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ هذا إهلاكٌ جاءَ من فوق، ﴿مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ مِن تحت، ﴿مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هذا إهلاك بالقَوْل والصَّوْت.
وقوله: ﴿مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ إهْلاك بالماء؛ لأجل أن يتبين للناس أنَّ العقوبات لا تأتي من نوعٍ واحد، تأتي مِن أنواع متعددة بحسب حال المعاقَب.
* ومنها: بيانُ كمالِ عدلِ الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، وهذه الصفة أظُنُّها مِن الصفات السلبية أو الثبوتية؟
* طالب: سلبية.
* الشيخ: سلْبِيَّة، وقد مر علينا عدَّةَ مرات: أنَّ الصفات السلبية لا تكون مدحًا إلا إذا تَضَمَّنَت ثبوتًا، فمُجَرَّد النفي ما هو بمدْح حتى يتضمن ثبوتًا، إذا نفى الله الظلمَ عن نفسه ليس معناه أنَّه لا يظلم فقط، بل لِكَمَالِ عدلِه لا يظلِم، وليس المعنى أنَّه غير قادر على الظلم، بل هو قادِر سبحانه وتعالى على أن يظلِم، لكنَّه لكمالِ عدله لا يظلِم، ولو كان غيرَ قادر على الظلم لم يكن نفيُ الظلم عنه مدحًا، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: ولهذا قالوا في قول الشاعر:
قُبَيِّلَـــــــــــــــةٌ لَايَغْــــــــــــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــــــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُــــــونَ النَّاسَ حَبَّــــــــةَخَـــــرْدَلِ
نفْي الظلم عن هؤلاء الجماعة هو مدْح ولَّا ذم؟
* طلبة: ذم.
* الشيخ: في هذا الباب ذمّ؛ يعني: لأنَّهم لعجزِهم لا يظلِمُون، وكذلك قول الشاعر:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا
يعني: ما هُم مِن الشر في شيء، ولا يفعَلُون الشر، ولا فيهم شر أبدًا، بل أبلغ مِن هذا أنهم
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّـــــوءِإِحْسَــــانَا
إذا ظلَمَهم أحد قابَلُوه بالمغْفِرة والسماح، وكذلك أيضًا إذا أساءَ إليهم أحسَنوا، هذا ظاهرُه أنَّه مدح، قال: جزاهم الله خيرًا، لكنه في الحقيقة ذمٌّ مِن أبلَغ الذم؛ لأنَّه يحتقِرُهم، ويقول: إنهم ما يستطيعون أن يثأَرُوا لأنفسهم أو ينتصِرُوا لأنفسِهم، بل إذا أُسِيءَ إليهم قابلوا بالإحسان خوفًا من إساءة أعظم، وإذا ظلموا غفَرُوا؛ ولهذا قال نفس الشاعر:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَارَكِبُــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــانًاورُكْبَــــــــــانَا
وتمنَّى أن الله يعطِيه بدلِهم.
فالمهِم أنَّ مُجَرَّد إثبات النفي لا يَدُلّ على الكمال حتى يتضَمَّنَ مدحًا وثبوتًا.
* ومن فوائد الآية: أنَّ الإنسان هو الظالِم لنفْسِه بفعل المعاصي؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، إذن فأنت حرامٌ عليك فعل المعاصي؛ لأنه ظلمٌ لنفسك، وأمَّا الله تعالى فلا يظلِم، عندنا نفي الصفات مِن حيث العموم؛ قد يتضَمَّن الكمال، وقد يتضَمَّن النقص، وقد يكون لِعدَم القَابِلِيَّة، فالذي لله مِن أَيّهم؛ أيُّ الثلاثة؟
* طالب: الكمال.
* الشيخ: الكمال، قد يكون للكمال، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، وقد يكون نفي النقص لأيش؟
* طالب: لعدم القابلية.
* الشيخ: لِعدم القابلية، مثل أن تقول: إنَّ هذا الجدار لا يتعب، وهذا الجدار ما يظلِم، لماذا؟ لِعدم القابلية، فهل هذا مدحٌ له؟ لا؛ لأنَّه أصلًا ما يقبَل هذا الوصف حتى ينفى عنه، وقد يكون النفي للعجز، مثلما ذكَرنْا في أمثلة البَيْتَيْن:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا
ولا يكون لِلَّهِ مِن هذه الأقسام الثلاثة إلا القسْم الأول، وهو ما تضَمَّن كمالًا ومدحًا؛ ولهذا يقول أهل العلم: إنَّ الله تعالى إذا نفَى عن نفسِه صفَةً فإنَّ المراد بها أمران؛ نفيُ تلك الصفة، والثاني: إثباتُ كمَالِ ضِدِّهَا.
* طالب: شيخ، القول بأن نفي الظلم عن الله؛ لأنه هو المتصرِّف في الملك؟
* الشيخ: لا، هذا غلط، هذا قول الجبرية، هذا ليس بصحِيح، هؤلاء يقولون: إن الظلم محَال على الله لذاتِه، لا لِعَدَم إرادَةِ الله له، وذلك أنهم يقولون: إنَّ الظلم أن يتصرّف الإنسان في مُلْك غيره، والله تعالى إذا تصرَّف في ملكِه فليس بظالِم، فيجُوز على زعمِهم، وليس بظُلْم أن يعاقِب المطِيع الذي أمضَى ليلَه ونهارَه في طاعة الله، فيعاقِبَه عقوبة الكافر، وعندهم أنَّ هذا ليس بظلم؛ لأنه يقال: الله ما تصرَّف إلَّا في ملكِه، وعلى هذا قال السفاريني رحِمه الله:
وَجَـــــــــــازَ لِلْمَـــــــــوْلَىيُعَـــــــذِّبُ الْــــــــوَرَى ∗∗∗ مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُـــــرْمٍ جَـــرَى؎فَكُـــــــلُّ مَـــــا مِنْــــــهُ تَعَـــــــــالَىيَجْمُـــــــــــــــلُ ∗∗∗ لِأَنَّــــــــــــــهُ عَــــــــنْ فِعْلِـــــــــهِلَا يُسْــــــــــأَلُ
(...) بالله سبحانه وتعالى، وأنَّ صفات الله سبحانه وتعالى تنقسِم إلى قسمَيْن: ثبوتية وسلْبِيَّة؛ فالثُّبُوتِيَّة ما أثْبَتَه الله لنفسِه، ولا تكون إلا صفة كمال، والسلبِيَّة ما نفَاه الله عن نفسِه، ولا تكون إلَّا صفَة نقْص، والصفات السلبية تدور على شيئين: أحدُهما النقص، والثاني مشابَهَة المخلوقين، ولو قلنا: إنَّ مشابهة المخلوقين نقص، وحصَرْنا هذين الشيئين في شيءٍ واحد لم يكن ذلك بعيدًا؛ فإنَّ مشابهة الناقص تعتبر نقصًا.
* ويستفادُ مِن الآية؛ مِن آخرها في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أنَّ العاصيَ ظالِمٌ لنفسِه، ووجهُ ذلك: أنَّ النفس عندك أمانَة، فكما أنَّك ممنوع من نقصِها نقصًا حسيًّا فأنت ممنُوعٌ مِن نقصِها نقصًا معنويًّا؛ بمعنى أن الإنسان لو أرادَ أن يقطع يدَه أو أُصْبُعَه أو يسيء إلى بدنِه كان ذلك محرَّمًا؛ ولهذا مَن قتل نفسه بشَيْءٍ عُذِّبَ به في جهنم خالدًا مخلدًا[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فجَعَل النبي عليه الصلاة والسلام قاتِل النفس كقاتِل الغير في التَّخْلِيد في النار والتَّعذيب بما قتَلَ به.
وعلى هذا نقول: كلُّ مَن عصَى الله فإنَّه ظالم لنفسِه، ومِن هنا نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وأنَّ العدول عن ملَّةِ إبراهيم سفَهٌ؛ لأنَّه ظُلْم للنفس مِن حيث لا يشْعَر الإنسَان.