×
العنكبوتالآية ٣٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ ﴿٣٩﴾

وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت ٣٩]. * فيه ذَمّ هؤلاء الثلاثة الأشخاص؛ قارون وفرعون وهامان. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ سبب الطغيان قد يكون المال، وقد يكُون الجاه والرِّئاسة، ففي قارُون سببُ طغيانِه المال، وفي فرعون وهامان الجاهُ والرِّئَاسة، وهذَان السببان هما سبَبُ استكْبَار الإنسان عن طاعة الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدِها: إثباتُ رسالَة موسى ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَات﴾. * ومن فوائدها: أنَّ موسى رسُول إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، فرعون هُو مِن بني إسرائيل؟ * طالب: لا. * الشيخ: مِن أين؟ * طالب: من الأقباط. * الشيخ: من الأقباط، كيف نجمع بين هذا وبين قول رسول الله ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]]، وقومُ موسى هم بنو إسرائيل، وموسى أُرْسِل إلى فرعون وإِلى بني إسرائيل؟ * طالب: هم كانوا موجودين في مصر في مملكة فرعون اللي هم بني إسرائيل، ثم إنه كان يستعبدهم، وكان يمنعهم من الخروج، فكان من المقتضى هو يذهب إليه أولًا حتى يخرجوا معه ويعبدوا الله عز وجل كما أراد، وهو يمنعهم فرعون، فكان لا بد.. * الشيخ: يعني: أنَّ دخول بني إسرائيل في مملكة فرعون تقتَضِي الحكمة أنه يُرسَل إليهما جميعًا؟ * طالب: يعني ليس كذلك، هو كان يمنعهم فرعون، ويستعبدهم في الأرض. * الشيخ: إي نعم، ومنع أيضًا موسى مِن أن يأخذ بني إسرائيل معه. * طالب: نعم، فكان لا بد أن يوجه إليه؛ ليحررهم من هذا الاستعباد. * الشيخ: نعم. * طالب: أن النبي يبعث إلى قومه، فمن دخل فيه من غيرهم (...). * الشيخ: طيب، إذن يكون فرعون تابعًا لِبني إسرائيل، مع أنَّ أصْل الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون، فكيف مثلًا يكُون الذي له الأصل هو التابع؟ إذن نرجع إلى ما قال. * طالب: سواء عاد كانوا مثلًا قومه تابعين أو تبعًا عن غيرهم. * الشيخ: يعني إذن نرجع إلى هذا نقول: معناه: أنَّه ما يمكِن إصلاح بني إسرائيل حتى يصْلح مَن له السيطرة عليهم، هذا مرادُك؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. * الشيخ: المهم الآن أنّنا كلنا متفقون على أنَّ الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، بل هي إلى فرعون أصلًا. * طالب: (...) يقول: أرسل معنا بني إسرائيل، رسول الله إليهم. * الشيخ: دعاه إلى الله، بل إنَّ الآيات: أرسلنا موسى إلى فرعون، كلها تدل على أن أصل الرسالة إلى فرعون. * طالب: يجوز، يقال: إن الله سبحانه وتعالى حكمته تقتضي أن يرسل إلى أقوام الأنبياء؛ لأنَّ فيهم حمِيَّة إليه وركونًا إليه ونُصرة له، وهنا في فرعون له أيضًا حميَّة وميل إليه، باعتباره هو اللي رباه، وباعتباره نشأ في كنفه، فشارَك بني إسرائيل في هذه الصفة. * الشيخ: أنا عندي -والله أعلم- أنَّ الجواب مِن أحد وجهين: الوجه الأول: أنَّ قوله: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]] ليس أولَ عُمومٍ يُخَصَّص، يمكن أن نقول: هذا باعتبار الأكثر والأعمّ، ونقول: إن موسى دلَّ الدليل على أنَّه بُعِث إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، وهذا جواب ما فيه تكلف؛ هذا الجواب ليس فيه تكلف. ويمكن أن نقول: إنَّ الرسالة إلى فرعون؛ لأنَّه ما يمكن لبني إسرائيل أن يستَقِلُّوا، وأن يقوموا بواجِب الرسالة واتِّبَاع موسى إلا إذا اهْتَدى فرعون؛ ولذلك ما كان لهم دولَة وسُلْطة إلا بعد أن أهلكَ الله فرعَوْن، فيكون هذا: قُصِدَ فرعون أولًا؛ لأنَّه لا يمكن الوُصول إلى بني إسرائيل واستقْلَال الدعوة فيهم إلا بعد أن يُسْلِم هذا الرجل أو يتلف كما هو الواقع، فتكون رسالته هنا مِن باب الوسائل إلى المقصود يكون موسى عليه الصلاة والسلام أُرسِل إلى بني إسرائيل، لكن لا يمكن تحقيق الرسالة في بني إسرائيل حتى يهتَدِي هذا الرجل أو يقضِيَ الله عليه، والذي حصَل أنَّ الله قضَى عليه بعد ما حصل مِن الآيات والبينات، إلى آخره. * طالب: والأقباط الآخرون غير فرعون ما وجهت لهم الدعوة؟ * الشيخ: الظاهر أنَّ الأقبَاط اللي في مصر، بل كُل اللي تحت ولَاية فرعون داخِلُون في هذا؛ لأنَّه بالضرورة إذا آمن فرعون فسَيُؤْمِنُون؛ لأنَّ السيطرة له عليهم. * طالب: ما نقول بأنه القوم أعم من (...) أن قبيلة موسى من بني إسرائيل وقومه الناس (...)؟ * الشيخ: إذا قلنا: إنَّ المراد بالقوم مَن بُعِث فيهم صار معناه: لو بُعِث النبي إلى جميع الناس صارُوا قومه، فبَطَل دلالةُ آخر الحديث، ومَرَّ علينا في قصة شعيب أنَّه أيضًا أُرسِل إلى أصحاب الأيكة، وليسُوا مِن قومه، بدليل أنه ما قال: أخاهم. فالجواب: الأول وهو أن نقول: إنَّ هذا العموم قد خُصِّص، دلَّتْ الأدلة على أن بعض الرسل أُرسِل إلى قومِه وإلى غيرِهم ممن هو تبع، لا يوجد رسول أُرسل إلى الناس عامَّة إلَّا محمدًا ﷺ. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * مِن فوائد الآية: أنَّ الرُّسل يُؤَيَّدُون بالآيات البينة؛ لقولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وثبتَ عن الرسول ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) عن أبي هريرة.]]. * من فوائدِها أيضًا: إثباتُ الرحمة والحكمة في آياتِ الأنبياء، أليس كذلك؟ لأن الآيات التي مع الرسل رحمة بالخلق وحِكْمَة، رحمة؛ لأجْل أن تكون سببًا لاهتِدَائِهم، وحكمة؛ لإقامَة الحجة عليهم، حتى لا يقول قائل: إنَّ هذا الرسول ما أتانا بآية فهو كاذب، فإذن إثبات الآيات للأنبياء فيها متضَمِّنَةٌ للرحمة والحكمة، الرحمة كيف نقول: إعطاء الأنبياء الآيات يتضَمَّن الرحمة؟ * طالب: ما يمكن يتعبدوا إلَّا عن طريق الرسل. * الشيخ: كيف؟ * طالب: إذا أرسل الله الرسل. * الشيخ: إي نعم، قلنا: إن الآيات التي أوتيها الأنبياء تتضمن إثباتَ رحمة الله وحكمتِه. * طالب: (...) لئلا يضلوا (...). * الشيخ: لأن الآيات وسيلة إلى اهتدائهم، إذا رأَوا الآيات اهتدَوْا، حِكْمة، كيف ذلك؟ * طالب: (...) ما يقول: ما جاء نصره؟ * الشيخ: لا، ما هو هذا، ما نسأل عن حكمة إرسال الرسل، حكْمَة إيتَاء الرسل الآيات. * طالب: حيث تقام عليهم الحجة. * الشيخ: على مَن؟ * طالب: على الناس.. * الشيخ: فيقال لهم: أنتم كذَّبتم من قامَت الآيات على صدْقِهم. قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.. * ومِن فوائد الآية: أنَّ بشاعة كفْر هؤلاء الثلاثة؛ قارون وفرعون وهامان، وذلك بالاستِكْبَار عن الحق والإعْرَاض عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. * ومِن فوائدِها: كمالُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى حيث لا يفُوتُه أحد مِن خلقه؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، مع عظمتِهم وكبرِيَائِهم وأموالِهم ما يسبِقُون الله، وهذا تحقيقُ قولِه ﷺ في أذكار الصلاة: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ /١٣٧) عن المغيرة بن شعبة. ]]، فإن الإنسان مهما عظُم وكثُر لا ينفَعُه عظمَتُه وكثْرَتُه. وقوله: ﴿