×

العنكبوت

الآيات ٣٧–٣٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ﴿٣٧﴾

وَعَادًا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ ﴿٣٨﴾

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ [العنكبوت ٣٧]. * مِن فوائد هذه الآية: بيان ما يعانيه الرسل عليهم الصلاة والسلام من أقوامِهم؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوه﴾، ولا ريبَ أنَّ تكذيب الإنسان الذي على حقٍّ أنَّه يبلُغُ في نفسه كل مبْلَغ، إنسان معه الحق والآيات وجاء لمصلَحَةِ الخلق، ثم يكذِّبُونه، هذا أمر ليس بالهين على النفس. * من فوائد الآية أيضًا: تسلِيَةُ الدعاة إلى الله عز وجل إذا عُورِضوا في دعوتِهم، كيف ذلك؟ كيف هذه التسلية؟ أنَّ الرسل كُذِّبوا، فهم مِن باب أولى؛ ولهذا يُسَلِّي الله النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هذا ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير﴾ [آل عمران ١٨٤]، ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]، فالداعية إلى الله لا ينبغِي أن يأنَف مِن أن يُكَذَّب، فإنَّ هذا هو طريقُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعُهم سيكونون مثلَهم. * مِن فوائِد الآية: التعْجِيل بالعُقُوبة للمُكَذِّب، هذا متَى؟ إذا قلنا: إن الفاء في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أيش؟ عاطفة، أمَّا إذا قلنا: إنها سببية فلا تدُلّ؛ لأن المسبَّب قد يتأخّر عن السبب. * ومِنها؛ من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في عقوبَة المكذبين لِرُسُلِهم. * ومنها: أنَّ العقوبة ليست جَوْرًا ولا ظُلْمًا؛ لأنّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، ولا يظلِمُ أحدًا، فلولا أنَّ هؤلاء يعاقَبُون بحقٍّ ما عاقبَهم الله. * ومنها: قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ وكم هم؛ عددهم؟ قوْم؛ قبيلة كبيرة أبادَهم الله تعالى في لحظَة، وهذا دليل على قدرتِه، وأنَّه إذا أراد شيئًا فإنَّما يقول له: كن، فيكون. * ومنها: أنَّ الملاجئ لا تنفَعُ مِن الله، تُؤْخذ مِن قوله: ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ الدار ملجَأ للإنسان، يلجأُ بها مِن عدوه، لكنَّها بالنسبة إلى الله لا تمنع ولا تنفع؛ فلهذا قال: ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٣٨]. * مِن فوائد هذه الآية؛ أوَّلًا: أنَّه ينبغِي الاعْتِبَار بأحوال مَن مضى، مِن أين تؤخذ؟ ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: فاعتبِرُوا واتّعِظُوا. * ومنها: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ عادًا مِن أقوى عباد الله حتى إنَّهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ [فصلت ١٥]، ومع ذلك أهلكَهم الله بألطَف الأشياء، ما هي؟ * طالب: الريح. * الشيخ: بالريح، الريح اللي هي مِن ألطف الأشياء أهلكَهم الله بها، فدلَّ هذا على كَمَال قدرةِ الله سبحانه وتعالى، وأنَّه مهما بلغ الناسُ مِن القوة فليسَت قوتُهم بشيء بالنسبة إلى قوة الله. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الشيطان قد يُسَلطُ على بني آدم؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومِن فوائدها: التحذِير من تزْيِين الأعمال، وأظُن كلّنا نفهَم أنَّ قوله: ﴿زَيَّنَ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أنَّها تدل على أنَّ هذه الأعمال أصلُها قبيح، لكنَّها زُيِّنَت، فيَجِب الحذر مِن تزيين الشيطان. إذا قال قائلٌ: ما هو الضابط لتزيين الشيطان، قد أهوَى هذا العمل ويزين في نفسي فأفعله، فلا أدري هل هو مِن تزيين الشيطان أو مِن تزيين الله عز وجل، فما هو الضابِط؟ الضابط: إذا كان هذا العملُ خلاف شريعةِ الله فهو مِن تزيين الشيطان، وإن كان موافقًا لِشريعة الله فهو مِن هداية الله وليس مِن تزْيِين الشيطان. * ومنها: إثباتُ الشياطِين وتأثيرها على بني آدم؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومنها: الردّ على الجبرِيَّة في نسبَة الأعمال إليهم، فإذا نُسِبَ إليهم فمعنى ذلك أنَّهم فاعلون حقيقة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الأعمال السيئة قد تكُونُ سببًا لِضَلَالِ العبد؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ﴾، ولا ريبَ أنَّ الأعمال السيئة سببٌ لضلال العبد، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]، والأعمال السيئة يجُرُّ بعضها بعضًا حتى يعمَى الإنسان -والعياذ بالله- عن الحق بسبب معصيته. * ومِن فوائد الآية: بشاعَةُ الصَّدِّ عن السبيل مع البصيرة، مِن أين تؤخذ؟ مِن قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِين﴾، فإنَّ الجملة هنا حالية على تقدير (قد)؛ يعني: فصدَّهُم وقد كانوا مستبصرين، والمستبصر كان بصَدَدِ ألا يصُدّ، لكن -والعياذ بالله- قُوَّة السبب وضَعْف المانع هو الذي أوجَبَ لهم أن يصُدُّوا عن سبيل الله. * ومِن فوائد الآية: استعمال أو اعتبار دلالة الألفاظ بِمَا يفهَمُه المخاطب؛ أعني أنَّ (أل) في قوله: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهْد، أي العهود؟ العهد الذهني. * ففيه دليل على أن المخاطب قد يُحَال على ما يفهمُه في ذهنِه من دلالَة الخطاب، وهو كذلك. فلو قال قائل: هذه الآية فيها إبهام عن السبيل، ما ندري أي سبيل؟ قلنا: لا إبهام فيها، ما دام هناك شيءٌ معهود للمخاطَب فإنَّه ليس فيها إبهام. ثم قال: ﴿