×

العنكبوت

الآية ٢٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٣﴾

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٢٣]. * من فوائد هذه الآية: أن الكفار لا يدخلون الجنة، تؤخذ من قوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات الآيات لله عز وجل الكونية والشرعية ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد، حيث أظهر لهم من الآيات ما يؤمنون على مثله، أليس كذلك؟ هذه من نعمة الله؛ أن الله تعالى أرى عباده من آياته ما يؤمنون على مثله، ولهذا كلما ظهر للإنسان من آيات الله شيء كان أكبر لنعمة الله عليه وأشد في رسوخ إيمانه، ومن ذلك الكرامات التي حصلت لبعض أولياء الله؛ فإنها تزيد في إيمانهم وتؤيد ما كانوا عليه من الحق، قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكثرت الكرامات في زمن التابعين دون الصحابة؛ لأن عند الصحابة من الإيمان ما ليس عند التابعين، فليسوا في حاجة إلى كرامات تقوي إيمانهم كحاجة التابعين، ذكر هذا في كتاب الفرقان، وهذا حق؛ فإنك إذا تأملت الكرامات التي ذكرت وجدتها في التابعين أكثر. فالمهم أن إظهار الآيات للإنسان سواءٌ كانت شرعية أم قدرية أنها من نعمة الله عليه؛ لأنها تزيد في إيمانه ورسوخه في القلب. * ومن فوائد الآية: إثبات رؤية الله، منين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾؛ فإن أهل السنة والجماعة استدلوا بذلك على إثبات الرؤية؛ لأن الملاقاة إذا لم يكن مانع لا بد فيها من الرؤية، ولا مانع يمنع. وهذه المسألة فيها خلاف كثير بين أهل السنة وأهل البدع، والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة إثبات أيش؟ إثبات رؤية الله تعالى بالعين وأنه في الآخرة يرى، أما في الجنة فيراه المؤمنون ولا يراه غيرهم؛ لأنهم ليسوا فيها. وأما في عرصات القيامة فالصحيح أنه يراه المؤمنون ويراه المنافقون، لكن المنافقين يرونه ليس رؤية تنعيم، بل هي حقيقة رؤية تنديم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يظهر لهذه الأمة وفيها منافقون فيكشف لهم عن ساقه تبارك وتعالى ويأمرهم بالسجود، فمن كان يسجد لله سجد، ومن كان لا يسجد إلا رياءً وسمعةً يعجز، ما يسجد، لكن المؤمنون يرونه رؤية تكريم، وهؤلاء رؤية تنديم؛ لأنه إذا حُجب عنهم بعد ذلك أو إذا حُجبوا عنه بعد ذلك صار أشد وقعًا في نفوسهم، مثلما أن المنافقين أيضًا يُعطَون نورًا يوم القيامة ثم يُحجَب عنهم، هذا يكون أشد من الذين لم يعطوا نورًا من الأصل، وهذه الرؤية إذا قال قائل: كيف تقرونها وتؤمنون بها مع أن الله جل وعلا يقول لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] ويقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]؟ فالجواب: أما قوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فإنه جوابٌ على قول موسى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣] وهو يريد الآن، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣]، فدل هذا على أن نفي الرؤية متى؟ في ذلك الوقت، وهذا حق؛ أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا نعم؛ لعجز الإنسان عن تحمل ذلك، وقد ضرب الله لرسوله موسى ﷺ مثلًا بالجبل وعجز الجبل لما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخر موسى صعقًا. أما قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فهي إلى الدلالة على ثبوت الرؤية أقرب من الدلالة على نفي الرؤية؛ لأن الله جل ذكره لم يقل: لا يُرى، بل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الأخص -لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية- نفي الأخص لا يدل على نفي الأعم، هذه قاعدة معروفة عند أهل العلم: أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فهنا نحن نقول: إن هذا يدل على أنه يُرى؛ لأنه لو لم يكن يرى لقال: لا تراه الأبصار، فلما قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلم أنه يرى لكن لا يدرك، ونحن نقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ حتى في الآخرة، فإنه لا يمكن الإحاطة بالله عز وجل لكنه يرى، وضرب المثل لا بأس به لكن مع الفرق، ألسنا نرى الشمس ولا ندركها، نراها ولا ندركها، بل إننا نرى أصغر شيء أصغر حيوان (...) تراه بالعين، ومع ذلك لا تدركه، تدرك ما فيه مما خلق الله عز وجل في جوفه أو في جلده؟ ما تدركه. فالحاصل أنه لا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية، بل هو دليلٌ على ثبوت الرؤية، ولهذا استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على ثبوت الرؤية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. * طالب: شيخ، الكفار يرون الله يوم القيامة؟ * الشيخ: لا، الكفار ما يرونه؛ لأنه يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. * الطالب: وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] (...).. * الشيخ: هذه الملاقاة بالنسبة للكافر دل الدليل على أنه لا يراه، بالنسبة للكافر. * ومن فوائد الآية: وجوب الإيمان بلقاء الله؛ لأن الله تعالى عاقب الذين لا يؤمنون بذلك باليأس من رحمته. * ومن فوائدها: ثبوت الرحمة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، طيب الإضافة هنا إن قلنا: إن المراد بالرحمة الجنة، فهي من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا وتكريمًا، وإذا قلنا: إنها صفة الله فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. * ومن فوائد الآية: إثبات العقوبة للكافرين، وأنها عقوبة شديدة؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والآيات في هذا كثيرة جدًّا، فلا حاجة إلى كثرة الكلام فيها؛ لأنها واضحة الحمد لله. * طالب: (...) رد على القدرية ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت ٢٢] حيث يكون معناه أن.. * الشيخ: نعم، فيها رد على القدرية، قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإنه لا دخل لمشيئة الله فيه؛ لأننا إذا قلنا بذلك فإنه يلزم أن يُعجِزوا الله، وقد نقول: إن هذا فيه ضعف -هذا الخطاب- لأنهم هم يقرون بأن الله قادرٌ عليهم، على إهلاكهم إذا خالفوا، وعلى استئصالهم بالعذاب. ذكرنا فيما سبق أن المضاف إلى الله تعالى نوعان، ما أدري تذكرونه؟ المضاف إلى الله نوعان ما يذكره منكم أحد؟ * طالب: قلنا: إن المضاف إلى الله (...). * الشيخ: طيب الأعيان. * الطالب: الأعيان إضافة الخالق للمخلوق كبيت الله وناقة الله. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: ذكرنا أن المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: إما أعيان أو أوصاف، والأعيان إما أن تكون إضافتها إلى الله على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، فالأول اللي يضاف إلى الله على سبيل العموم هذا يراد به أن الله سبحانه وتعالى خالق لهذا الشيء؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، فإن هذا يشمل كل ما في السماوات والأرض، وإما أن يكون خاصًّا يراد به التشريف والتكريم، مثل ناقة الله، وبيت الله، نعم، ومساجد الله وما أشبه ذلك، أما إذا كان المضاف إلى الله وصفًا لا يقوم بغيره فإنه من صفات الله، مثل كلام الله، وقدرة الله، وعزة الله، وما أشبه ذلك، وبهذا استدل أهل السنة على أن القرآن مخلوق ولّا غير مخلوق؟ * طلبة: غير مخلوق. * الشيخ: غير مخلوق؛ لأن القرآن وصف يقوم بالمتكلم، كلام يقوم بالمتكلم به، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف بها، طيب يبقى عندنا أن الله سبحانه وتعالى أضاف روح آدم وروح عيسى إليه، فمن أي الأقسام؟ * طالب: تشريف المخلوق إلى الخالق. * الشيخ: المخلوق إلى الخالق، طيب إحنا قلنا: أعيان. * طالب: (...) فيه أعيان الروح (...) إذا خرجت من الجسد تبعها البصر. * الشيخ: الروح عين، ما هي صفة؛ لأنها تقبض وتلف في الكفن كما جاء في الحديث[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، ويصعد بها إلى الله، فهي عين، لكنها عين غير معلومة، ما لها نظير، ما مثل الأعيان الجسمية اللي احنا نشاهد، هي عينٌ لا نظير لها فيما نشاهده، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]. * طالب: عبد الله وأمة الله يأتي مثلًا في الخاص والعام؟ * الشيخ: يأتي في الخاص والعام، فإذا قلنا مثلًا: عبد الله بالعبودية العامة فهو للعموم، وإذا قلنا: عباد الرحمن مثلًا فهو للخصوص. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أي من الأرواح التي خلقها؛ لأن الأرواح مخلوقة لله عز وجل، وليست معناها أني جعلت جزءًا مني فيه هذا ما أحد يقوله إلا الحلوليّة من النصارى وأشباههم. قال الله تعالى: ﴿