فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ قرأنا هذا ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، (أو) هذي هل هي للتخيير أو للشك أو للتنويع؟ للتنويع، هي للتنويع ليست للتخيير؛ لأن الله قال في سورة الأنبياء: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ [الأنبياء ٦٨]، ولهذا لعلك تذكر أن ﴿جَوَابَ﴾ قلنا في إعرابها: إنها خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾ و﴿أَنْ قَالُوا﴾ هي اسم كان، (...) طيب قلنا: (أو) هنا للشك، ما يمكن؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى ما يقع فيه الشك؛ لكمال علمه سبحانه وتعالى، للتخيير أيضًا، خلاف ظاهر القرآن في سورة الأنبياء، للتنويع صح، أي أن بعضهم قال: حرقوه وبعضهم قال: اقتلوه، وكان الرأي على التحريق ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾.
فإذا قال قائل: أليس الإحراق يحصل به القتل؟
قلنا: بلى، لكن يقصد به التعذيب أكثر، فهم -والعياذ بالله- لحنقهم وشدة ما في صدورهم على إبراهيم رأوا أنه يعذب بالنار عليه الصلاة والسلام ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، والله حكيم جل وعلا، شوف تجري الأمور على مراده وحكمته، لعلهم لو قتلوه ما حصلت هذه الآية العظيمة، وهي أن تكون النار بردًا وسلامًا عليه، ولكن الله عز وجل حكيم، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ الآية فيها حذف، التقدير: فحرّقوه فأنجاه الله من النار، فحرّقوه فأنجاه الله، أي خلصه منها ﴿مِنَ النَّارِ﴾ (التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردا وسلامًا).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: حقيقة نعم، لكن ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ﴾ تمنع هذا، الواقع أنهم جمعوا الحطب وألقوه في النار على أنهم حرقوه، طيب نقول: فأنجاه الله من النار التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا بأمره؛ لأن الله قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، قال أهل العلم: لو أن الله جل وعلا قال: ﴿بَرْدًا﴾ فقط لكانت ثلجًا عليه، ولكنه قال: ﴿وَسَلَامًا﴾؛ لأجل أن يسلم.
وفيه أن البرد يقتل كما أن الحر يقتل، ولولا أن البرد يقتل ما احتيج إلى قوله: ﴿وَسَلَامًا﴾.
طيب (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي إنجائه منها ﴿لَآيَاتٍ﴾ ) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ معلوم أن (إن) تنصب المبتدأ وترفع الخبر، أين اسمها؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾، واللام للتوكيد، و(آيات) كيف نقول: (إن) تنصب وهي مكسورة الآن؟ لكنها..
* طالب: (...).
* الشيخ:
........................... ∗∗∗ يُكْسَرُ فِي الْجَرِّ وَفِي النَّصْبِ مَعَا
قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ (آيات) جمع آية، وهي العلامة، والمقام هنا آيات كونية ولَّا شرعية؟
كونية، وجمعها فبين المؤلف الجمع قال: (هي عدم تأثيرها فيه مع عظمها وإخمادها وإنشاء روض مكانها في زمن يسير)، هكذا بين المؤلف الآيات اللي هي:
أولًا: أنها لم تؤثر مع عظمها؛ لأنهم جمعوا حطبًا عظيمًا وأضرموا نارًا عظيمة، حتى إنه ذُكر أنهم ما استطاعوا أن يقربوها وأنهم ألقوه بالمنجنيق، حذف، رمي من بعد، نعم، والله أعلم، إنما على كل حال هي نار عظيمة بلا شك.
(إخمادها) يعني كونها تخمد وتهدأ من اللهب في لحظة هذا من آيات الله عز وجل.
الثالث: أنها يقول: كانت روضة لكن يكفي أنها برد وسلام، أنها كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم.
وعندي أن الآيات أكثر مما قال المؤلف:
فإن من الآيات إبطال كيد هؤلاء.
ومنها: صبر إبراهيم وتحمله؛ لأن حقيقة الأمر أن هذا شيء ما يقوى عليه إلا أمثال إبراهيم من أولي العزم.
ومنها: أيضًا انقلاب هذه الحرارة إلى برودة.
ومنها: انقلاب كونها سببًا للهلاك إلى أن كانت سلامًا عليه.
* طالب: (...) لم تخمد، بل كانت بردًا وسلامًا عليه، فهي لهب ومع ذلك برد، حتى طفئت بعد ذلك وهم يرون أنه قد هلك؟
* الشيخ: إي نعم، الله أعلم ما نعرف إنها خمدت أو أنها بقيت، وهو الظاهر أيضًا، الظاهر من القرآن أنها بقيت؛ لأنه قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فالله تعالى ما أمرها أن تخمد، بل قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، وعلى هذا فيكون في كلام المؤلف نظر، ويكون الصواب أنها بقيت على ما هي عليه ولكنها كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم.
* طالب: يعني هذا أظهر في الإعجاز؟
* الشيخ: قلنا: بقاؤها أظهر في الإعجاز.
* طالب: القول بأنها من بره لها لهب (...)؟
* الشيخ: لها لهب؟
* الطالب: من بره يعني.
* الشيخ: إي من رآها رآها تلتهب ولّا (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: تبقى الآية على حالها.
* الطالب: لأنه فيها فائدة؟
* الشيخ: ما فيها (...) إسرائيليات، لكن الواجب الأخذ بظاهر القرآن.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٢٤] (يصدقون بتوحيد الله وقدرته لأنهم المنتفعون بها) هذه الآيات قيدها الله بأنها ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ احترازًا من القوم الذين لا يؤمنون، وإن كانت الآيات أمامهم لا ينتفعون بها فليست لهم آيات، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١] هل تعلمون في الكلام شيئًا أعظم آية من كلام الله؟ لا، ما نعلم، وهو الواقع، ومع ذلك من ليس بمؤمن إذا تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين، كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥]، ولذلك إذا رأيت من نفسك أنك لا تتأثر بالقرآن فاتهم نفسك، اتهمها؛ لأن الله تعالى ما قال عن أحد: لا ينتفع بالقرآن إلا عن المكذبين الذين لا يرون في القرآن شيئًا، يعني يأخذ بلبهم وروعهم، وهذه المسألة مسألة نسأل الله لنا ولكم النجاة منها؛ لأن كثيرًا من الناس يقرءون هذا القرآن ولكنه لا يهز مشاعرهم، وهذا خطير جدًّا على الإنسان، يجب أن الإنسان يتهم نفسه بهذا الأمر حتى يُعدِّل ما مال منه، ويقوم المعوج.
وعلى هذا نقول: إن الآيات الكونية والشرعية ما ينتفع بها إلا المؤمن، غير المؤمن لا ينتفع -والعياذ بالله-؛ لأنها تمر عليه وكأنها إن كانت آيات كونية كأنها أمر عادي، أو بمقتضى الطبيعة، فالزلازل التي تصيب الناس ويش يقولون؟ يقولون: هذه براكين عادية، نعم ما هي شيء، وها الرياح العاصفة العظيمة التي تدمر المحاصيل والأشجار، وكذلك ما يحصل من الأمطار المغرقة، كل هذه يقولون: إنها ظواهر طبيعية، ما كأنها عقوبة من الله عز وجل. إذن انتفعوا بها ولَّا لا؟ لا، حتى الآن بدأ الناس في الكسوف، يقولون: هذه أسباب ظاهرة، ونسأل الله السلامة، ينشرونها قبل أن تقع لأجل أن تأتي إلى الناس وهم قد اطمأنوا إليها واستقرت في نفوسهم، فلا ترعبهم ولا تخوفهم، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ»[[أخرجه أبو داود (١١٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦٣٣٨) من حديث قبيصة الهلالي واللفظ له.]]، وهؤلاء جعلوها كأنها هلال عيد، حتى إن بعضهم خاطبنا بذلك قال: إحنا نخبر الناس لأجل يتهيئون نعم ويترقبون لذلك حتى يأتي الكسوف وهم مستعدون كأنه هلال عيد بيخرج عشان يخرجون إلى المصلى، وهذا غلط. أنا أذكر ويمكن بعضكم المتقدم في السن يذكر الناس إذا جاء الكسوف ويش يحصل عندهم من الخوف والانزعاج والفزع كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام به، الفزع إلى المساجد والبكاء، أما الآن -نسأل الله العافية- كما ترون يمكن بعض الناس يكون عنده الكسوف يشاهده وعنده آلة لهو تغني وما أشبه ذلك. فالمهم أن هذه الآيات ما ينتفع بها إلا المؤمن.
* * *
(﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت ٢٥] تعبدونها، و(ما) مصدرية ﴿مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ﴾ خبر إن، وعلى قراءة النصب مفعول له، و(ما) كافة، المعنى: تواددتم على عبادتها). المؤلف رحمه الله بيّن لنا الآن أن قوله: ﴿مَوَدَّةَ﴾ فيها قراءتان سبعيتان ولَّا لا؟ سبعيتان: قراءة الرفع إحنا الآن بنعرب الآية قبلما نتكلم عن معناها، قراءة الرفع: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ﴾ على قراءة الرفع المؤلف أعرب (ما) مصدرية، لا كافة ولا موصولة، مصدرية، والتقدير على رأيه: إن اتخاذكم من دون الله أوثانا مودةُ بينكم، فيكون المصدر المنسبك من (ما) اسم (إن)، ويكون (مودةُ) خبر (إن)، و(اتخذتم أوثانا)، نحن (...) نكمل إعراب (إن) وما يتعلق بها، وعلى قراءة النصب يقول: إنها مفعول له، ويش مفعول له؟
* طالب: مفعول لأجله.
* الشيخ: يعني يسمونه مفعولًا لأجله، يعني: إنما اتخذتم من دون الله أوثانًا لأجل المودة بينكم، نعم، ولكن على هذه القراءة (ما) كافة، فتكون داخلة على (إن)، و(ما) الكافة إذا دخلت على (إن) تفيد الحصر، يعني: ما اتخذتم الأوثان إلا لأجل المودة بينكم، تصورتم الآن المعنى؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: على الرأي الأول نقول: (ما) -على رأي المؤلف طبعًا- (ما) مصدرية و(اتخذتم) فعل مؤَوّل إلى مصدر، والتقدير: إن اتخاذكم من دون الله أوثانًا مودةُ بينِكم، خبر (إن). على قراءة النصب نقول: (إنما) أداة حصر، و(مودة) مفعول لأجله، يعني اتخذتموه لأجل المودة، نعم، هذا ما قاله المؤلف.
وقيل: إن (ما) اسمٌ موصول على قراءة الرفع، إن (ما) اسم موصول، وإن العائد محذوف، والتقدير: إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودةُ بينِكم، وعلى هذا التقدير يكون مفعول (اتخذ) محذوفًا؛ مفعولها الأول، ومفعولها الثاني (أوثانًا)، وعلى هذا فنقول: (إن) أداة توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، و(ما) اسمها بمعنى الذي و(اتخذتم) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: اتخذتموه، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ لـ(اتَّخَذ)؛ لأن اتخذ تنصب مفعولين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥].
* طالب: واضح (...).
* الشيخ: إي نعم واضح، يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا هو المودة بينكم، نعم، وهذا أيضًا التقدير اللي ذكرنا أن اسم موصول تصلح حتى على قراءة النصب: إن الذي اتخذتموه أوثانًا لأجل المودة بينكم لا ينفعكم، ويكون الخبر على قراءة النصب محذوفًا، التقدير: لا ينفعكم.
طيب نرجع الآن إلى (اتخذ) تنصب مفعولين على تقدير (ما) موصولة، أين مفعولها الأول؟ محذوف، اتخذتموه اللي هو العائد على (ما)، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ. وعلى القول بأن (ما) مصدرية أو كافة نقول: إن المفعول الثاني أيضًا محذوف، والتقدير: آلهة؛ كقوله تعالى: ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف ٢٨] المعنى: اتخذوا هذه الأوثان آلهة مودة بينهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) مفعولًا ثانيًا، لا الظاهر أنها حال من أوثان؛ لأنها قدمت عليها.
* طالب: مودة (...)؟
* الشيخ: لا، ما تصلح؛ لأنها واضحة أنها للتعليل، يعني اتخذوه للمودة؛ لأنهم اجتمعوا على هذا لأجل ألا يتفرقوا فقالوا: إننا ننتصر للآلهة بطلب المودة بيننا حتى تجمعنا هذه الآلهة على المودة.
* * *
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ إلى آخره.
* من فوائدها: بيان طغيان قومه، حيث يدلهم على الحق، ويكون هذا جوابهم.
* ومن فوائدها: أنهم اختلفوا ماذا يصنعون به، ثم قرروا أنهم يحرقونه، وذلك بناء على الجمع بين هذه الآية وبين آية الأنبياء ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٦٨].
* ومن فوائدها: تمام قدرة الله عز وجل، حيث كانت هذه النار المحرقة بردًا وسلامًا عليه، فإن هذا من آيات الله الدالة على قدرته.
* ومنها: أن كل من قام لله فإن الله تعالى ينجيه بمفازته، يعني ينجيه في موضع هلاكه، قال الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يقدِّر من الأمور لإنجاء أوليائه ما لا يخطر بالبال، فإن مَن يخطر بباله أن هذه النار العظيمة تكون بردًا وسلامًا، ولكن الله سبحانه وتعالى يقدر لأوليائه من أسباب النجاة ما لا يخطر لهم على البال.
* ومن فوائد هذه الآية: معرفة الجماد لله؛ لأن الجمادات تعرف ربها فتمتثل لأمره؛ لأن الله قال لهذه النار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء ٦٩].(...) لا ينتفع بها إلا المؤمنون، من أين تؤخذ؟ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٢٤] واضح؟ ولا ينافي هذا ما جاء في عدة آيات ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤] و﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد ٣]، وما أشبه ذلك؛ لأن العقل والتفكر ونحوهما من مقتضيات الإيمان، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أكثر عقلًا وتفكرًا، والتفكر أيضًا يدعو إلى الإيمان، فهما متلازمان.
* طالب: هل ثبت في هذا بالنسبة إلى النجاة من النار لأحد من الصحابة (...).
* الشيخ: نعم، هم ذكروا أنه ثبت، ذكر هذا ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، وقال: إنه ما من آية لنبي سابق إلا كانت آية للنبي عليه الصلاة والسلام أو أعظم، لكن منها ما جرى للرسول عليه الصلاة والسلام نفسه ومنها ما جرى لأمته، وما جرى لأمته فإنه من آياته؛ لأنه يشهد بصحة الطريقة التي هم عليها، فيكون ذلك من آيات النبي عليه الصلاة والسلام.
* طالب: فيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت ٢٤] حيث نسب الفعل إليه.
* الشيخ: ماذا تقولون؟ يمكن نأخذ من هذا رد على الجبرية؟
* طالب: (...) في مهب الريح، ما له أي مشيئة ولا أي فعل؟
* الشيخ: إي، بس هم يقولون: إنه يقتل، أن الإنسان يقتل ويفعل ويقوم لكنه مجبر عليه، إلا أن يقال مثلًا: إن كونه مخير بعضهم بعض، هل يدل على هذا؟
فيها أيضًا بعد الفائدة الثانية (...)، وهي أن الأسباب لا تفعل فعلها إلا بإرادة الله، وهذه مهمة، فالأسباب مهما قويت ما تفعل الفعل إلا بإذن الله، بمعنى أن الله تعالى قد يمنع من تأثيرها، فالنار سبب للإحراق بلا شك، وهنا سُلبت هذه السببية ولم تؤثر.
طيب ﴿قَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت ٢٥] يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا لا يجمعكم عليه إلا المودة، ولهذا قال المؤلف: (المعنى تواددتم على عبادتها)؛ لأنه والعياذ بالله أهل الشر يتوادون على فعل الشر كما أن أهل الخير يتناصرون أيضًا على فعل الخير، فكذلك أهل الشر.
وقوله: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ هنا يجوز في كلمة (بين) أن يضاف إليها ما قبلها، ويجوز أن يقطع عن الإضافة، فيجوز مثلًا في غير القرآن: (مودةً بينَكم)، ويجوز: (مودةَ بينِكم) وهي هنا على هذا الوجه.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلقة بما قبلها، يعني أنها مودة في الحياة الدنيا فقط، فهؤلاء المشركون يتوادون في الشرك في الدنيا فقط، تجدهم متناصرين متعاونين، لكن ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يعني ينكره؛ كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] وهذا لا شك إنه إنكار وكفر بعضهم ببعض.
﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٧، ٦٨]، ومجادلة الأتباع للمتبوعين في عدة آيات من القرآن ليست في آية البقرة فقط، فيه: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [الأعراف ٧٦]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٣] وما أشبه ذلك.
* طالب: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨].
* الشيخ: و﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ فالحاصل أن هذه المودة بين المشركين في الدنيا فقط، أما يوم القيامة فإن كل واحد منهم يتبرأ من الآخر وينكره ويلعنه أيضًا، وهذا لا شك أنه من أشد ما يكون العقوبات، لكن المتقون خُلَّتهم باقية إلى يوم القيامة ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، وأما هؤلاء فإن المودة فيما بينهم تزول بالموت.
قال: (﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ بتبرؤ القادة من الأتباع ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ بلعن الأتباع للقادة)، والآية عامة، أنه يتبرأ القادة من الأتباع، والأتباع من القادة، وكذلك أيضًا يلعن بعضهم بعضًا.
قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: ﴿مَأْوَاكُمُ﴾ (مصيركم جميعًا)، فالمأوى بمعنى المصير؛ لأنه من أوى يأوي إذا سار إلى الشيء واتجه إليه.
﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ وهذه النار قد أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين، وهي الآن موجودة، ورآها النبي ﷺ ليلة أسري به، وهي نار لا يستطيع الإنسان أن يدرك في الدنيا ما فيها من العذاب؛ فإنها فُضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أقول: إن هذه النار فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أضف إليها الجزء المتمم للسبعين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «عَلَى نَارِكُمْ هَذِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) من حديث أبي هريرة بنحوه.]] أو «عَلَى نَارِ الدُّنْيَا»، ونار الدنيا كما تعرفون فيها نار شديدة الحرارة، وفيها نار متوسطة، وفيها نار باردة بالنسبة لغيرها، ومع ذلك فإنها تقاس بأعلى نار في الدنيا فتُفضل عليها بتسعة وستين جزءًا.
(﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين عنها) ﴿مَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه فيها (من) الزائدة للتوكيد؛ لأن ﴿نَاصِرِينَ﴾ أصلها مبتدأ، وخبره قوله: ﴿لَكُمْ﴾، يعني لا أحد ينصركم فيمنعكم من دخول النار، هذا كلام من؟
* طالب: كلام الله.
* الشيخ: لا، هذا كلام إبراهيم؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥] هذا من كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
* * *
قال الله تعالى: (﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ صدَّق بإبراهيم ﴿لُوطٌ﴾ وهو ابن أخيه هاران ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم) إلى آخره.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، ولكنه ليس مطلق التصديق، بل هو تصديقٌ بطُمأنينة؛ لأن مادة آمن هي مادة الأمن، يعني فيها الهمزة والميم والنون، وعلى هذا فليس الإيمان مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقرون بأيش؟ أو متضمن للطمأنينة في الشيء، وهو يتعدى باللام كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه ٧١]، وكذلك ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] وعدة آيات من هذا، ويتعدى أيضًا بالباء، وهو كثير ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة ٢٨٥] ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠] وما أشبه ذلك، فهل هذا من باب الترادف، أي أن اللام بمعنى الباء والباء بمعنى اللام؟ أو أن هناك فرقًا بينهما؟
يمكن أن نقول: إنه من باب الترادف وإن كل واحدة منهما، أي من اللام والباء تأتي محل الأخرى لكثرة استعمال هذه وهذه، ويمكن أن نقول بالتغاير وأن اللام تدل على استسلام، وأما الباء فتدل على طمأنينة القلب، فاللام للاستسلام ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت ٢٦] فيُضمن معنى انقاد، وأما الباء فإنها تدل على طمأنينة القلب، فآمن به: اطمأن به، والله سبحانه وتعالى فرق بينهما في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة ٦١] في آية واحدة ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فالظاهر والله أعلم من مواردها في القرآن الكريم أنهما ليستا مترادفتين وأن بينهما فرقًا، فما يجب فيه الطمأنينة، أو ما كان فيه معنى الطمأنينة فهو بالباء، وما كان مضمنًا لمعنى الانقياد ولو ظاهرًا فإنه يأتي باللام، سحرة فرعون قال لهم فرعون مرة: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه ٧١] وقال مرة أخرى: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف ١٢٣]، فهل القولان معناهما واحد؟ لا؛ بناء على ما قلنا ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي صدقتم به بطمأنينة واطمأنت قلوبكم بصدقه، و﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه ٧١] تابعتموه واستسلمتم له، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه ٧١] فتُنَزل كل آية على معنى، هنا قال: ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦] نحن نعلم أن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن لإبراهيم وبه، آمن له وبه فهو آمن به بقلبه واطمأن إلى صدقه، وكذلك انقاد له، فتضمن هنا الإيمان معنى الانقياد ومعنى الطمأنينة.
* طالب: هنا يقال: إذا اجتمعا افترقا في المعنى، وإذا أفرد أحدهما دل على ما دل عليه الآخر؟
* الشيخ: ما يظهر هذا، هذا ما يظهر؛ لأن في الحقيقة كلما تتبعت اللام وجدتها في أمر ليس يقتضي الطمأنينة كمالًا، ما تأتي آمنت لله أبدًا.
* طالب: قال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه ٧١] نفس منطوق الآية الأخرى قال له..
* الشيخ: إي، فيكون معناه أنه قرر أنهم اطمأنوا به وانقادوا له، إذا أخذنا مجموع الآيتين صار معناه أنه قرر بأنهم معترفون به وبصدقه وانقادوا له أيضًا بسحره، ولهذا ما جاء (آمنت لله)، (آمنت لله) ما جاء، لكن (أسلمت لله) جاء في القرآن العظيم.
قال: ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، وقول المؤلف: (صدّق بإبراهيم) يدل على أنه يرى أن اللام بمعنى الباء.
فإذا قلنا: المؤلف رحمه الله يرى أن ﴿آمَنَ لَهُ﴾ بمعنى آمن به، شوف ويش قال؟ (صدّق) تفسير (آمن)، (بإبراهيم) تفسير (له)، (﴿لُوطٌ﴾ وهو ابن أخيه هاران) يعني أن إبراهيم له أخٌ اسمه هاران بن آزر، وهاران له ابنٌ اسمه لوط.
(﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ من قومي ﴿إِلَى رَبِّي﴾ أي إلى حيث أمرني ربي وهجر قومه، وهاجر من سواد العراق إلى الشام).
قوله: ﴿وَقَالَ﴾ المؤلف يقول: إن الضمير يعود إلى إبراهيم، وعلى هذا ففي التلاوة تقف على ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ تقف ولا تقل: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾؛ لأنك لو وصلت لأوهمت أن القول من لوط، وقال بعض العلماء: إن الضمير يعود على لوط بناء على ظاهر السياق وإن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن وهاجر، فجمع بين الإيمان والهجرة.
وقوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ هنا مفاعل في اللغة العربية ترد بمعنى اشترك فيه اثنان فصاعدًا، كما يقال: مقاتل، وترد على معنى ليس فيه إلا طرفٌ واحد كما يقال: مسافر، فهمتم؟ كلمة مهاجر من أيهما؟ مما هو مشترك بين طرفين أو مما هو خاص بطرف واحد؟
* طالب: خاص.
* الشيخ: يعني هاجر بمعنى هجر، أو هاجر معناه أنه هجرهم وهجروه؟ ولّا فيه احتمال أن المعنى مهاجر أني هجرتهم وهجروني بمفارقتي، ويحتمل أنه من باب ما فيه طرف واحد فقط كمسافر.
* طالب: (...) للسياق يعين من كلام إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت ٢٧]..
* الشيخ: هنا بنلحقها بعدين إن شاء الله..
* الطالب: (...) هنا عزاها إلى ربه (...)؟
* الشيخ: إنها من طرف واحد؟ يمكن أنها تؤيدها الظاهر.
وقوله: (من قومي ﴿إِلَى رَبِّي﴾ ) قال المؤلف: (إلى حيث أمرني) يعني إلى الجهة التي أمرني الله سبحانه وتعالى أن أسافر إليها، هذا ما فسره به، والغريب أن بعض المفسرين قال: إن المؤلف قال: (إلى حيث أمرني) فرارًا من إثبات الجهة لله، فرارًا من إثبات الجهة؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿إِلَى رَبِّي﴾ لكان متجهًا إلى الله ذاته، نعم وهم يرون أن الله تعالى ليس في جهة، وهذا رأي من؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: إي نعم، رأي الأشاعرة وكذلك معطلة الجهمية؛ فإن الجهمية انقسموا في مسألة الجهة إلى قسمين: قسم حلولية يرون أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان، وهؤلاء القدماء منهم، وقسمٌ آخر أهل تعطيل محض يرون أن الله سبحانه وتعالى ليس في مكان وليس في جهة، فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا محايد، نسأل الله العافية، هذه الجهة يتوصل بها من ينكرون علو الله عز وجل بذاته، يقولون: لأنك إذا قلت: إن الله عالٍ بذاته على عرشه لزم من ذلك أن يكون في جهة، وإذا كان في جهة لزم أن يكون متحيزًا، والمتحيز محدود، سبحان الله، ما أدري جاءتهم هذه المقدمات والنتائج، نحن نقول لهم: مسألة الجهة ما ننكرها في المعنى، لكننا ننكر جهة تحصر الله عز وجل أو تحيط به؛ لأن الله تعالى محيطٌ بكل شيء، لكننا نثبت بأن له جهة هي العلو، فالجهات ثلاث: جهة سفل، وجهة علو محيطة بالله، وجهة علو لا تحيط به، أيهما المثبت؟ جهة العلو التي لا تحيط به، أما جهة السفل فممتنعة، وأما جهة علو تحيط به فممتنعة أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس فوقه شيء.
إذن كيف نؤول ﴿إِلَى رَبِّي﴾ على القول الصحيح؟ الراجح ﴿إِلَى رَبِّي﴾ أي إلى ديني؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠] أي من ينصر دينه، والإنسان المهاجر إلى دين الله يلتمس المكان الذي يقيم فيه دينه، ولهذا يقول العلماء في الهجرة: إنها الانتقال منين؟
* طلبة: من بلد الشرك إلى الإيمان.
* الشيخ: من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، حيث يقيم دين الله عز وجل.
وقوله: ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: (إلى) للغاية، وفيها الإشارة إلى حسن نيته وقصده، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] قال المؤلف: (وهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام) ويش هو سواد العراق؟ العراق نفسها أرض العراق، وسمي سوادًا لكثرة نخيله وأشجاره، وقوله: (إلى الشام) معروف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم هذا ما اتحد تمامًا؛ لأن سواد العراق..
* الطالب: هو العراق.
* الشيخ: لكن فيه السواد، سواد العراق.
قال: (﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه) هكذا يجري المؤلف رحمه الله في تفسير هذين الاسمين، يقول: (﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه)، وهذا فيه شيء من القصور، فهو سبحانه وتعالى عزيزٌ بذاته وبصفاته، وعزته ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع:
أما عزة الامتناع فمعناها أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى نقص في جميع صفاته وأفعاله، وأما عزة القدر فهي المنزلة والجلال والعظمة، وأما عزة القهر فهي القوة والسلطان.
إذن لا أحد يغلبه، كذا ولَّا لا؟ فهو الغالب، ولهذا فسرها كثيرٌ من العلماء بأنه الغالب، وكذلك لا أحد يناله بسوء، وكذلك لا يناله نقص في صفاته. فلذلك تكون العزة ثلاثة أنواع وهي؟
* طالب: قهر وقدر وامتناع.
* الشيخ: أيش؟
* طالب: عزة قهر وعزة قدرة..
* الشيخ: قدر.
* الطالب: قدر وعزة وامتناع.
* الشيخ: امتناع طيب، وأصل هذه المادة تدل على القوة، أصل عين زاي تدل على القوة، ومنه قولهم للأرض الصلبة: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة، وقوله: (﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه) فيه قصور؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تختص بصنعه في خلقه، بل هي في صنعه وشرعه، فهو حكيم فيما صنع، حكيم فيما شرع، والحكيم ليست أيضًا من الحكمة فقط؛ لأن الحكيم من الحكمة، بمعنى المتقن، لكنها من الحكمة، ومن الحكم أيضًا، وفعيل كما عرفتم في اسم الفاعل تأتي بمعنى الفاعل للمبالغة، أو لا؟ أليس كذلك؟
من أمثلة المبالغة: فعّال أو مِفعال أو فعول، ثم قال بعدها: فعيل وفَعِل خمسة، فهي إذن فعيل من حكم فهو حاكم، لكن صارت بمعنى حكيم للمبالغة أو لكونه صفة مشبهة، فهي إذن من الحكم، وحكم الله عز وجل ينقسم إلى قسمين، وهما الكوني والشرعي، فحكم الله تعالى نوعان: كوني وشرعي، مثال الكوني قول أخي يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] هذا أيش؟ هذا كوني، ولهذا ما قال: ليحكم علي، قال: ليحكم لي، يعني يقدر لي، والحكم الشرعي مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، وأما ﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١] فتتناول الأمرين، أين وجدت ﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١] في أي سورة؟
* طالب: في أول سورة المائدة.
* الشيخ: في أول سورة المائدة نعم، إذن نقول يا إخوانا: الحكيم مأخوذة من الحكم والحكمة، والحكم هو القضاء، وهو نوعان: كوني وشرعي، مثال الكوني ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، ومثال الشرعي ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، ومثال ما جمع بين الأمرين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١] طيب، الحكمة تكون في الشرع وتكون في القدر، وهي مشتقة منين؟ من الإحكام، بمعنى الإتقان، تكون في الشرع، بمعنى أن جميع ما شرعه الله عز وجل فهو موافق للحكمة، وتكون في القدر بمعنى أن كل ما قدره الله فهو لحكمة، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] الفساد من حيث هو فساد وجوده حكمة ولَّا لا؟ لا، من حيث هو فساد لا ليس بحكمة؛ لأن الله تعالى لا يحب الفساد، فليس بحكمة، لكن للغاية التي يكون هو حكمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ هذه الحكمة.
فإذن كون أمور الخير حكمة ظاهر جدًّا للجميع أو لا؟ يعني وجود ما فيه الخير للعباد حكمته ظاهرة، وجود ما فيه الشر للعباد هذا ما يمكن يقع من الله عز وجل إلا لحكمة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب.]] ما قال: ليس منك، فهو لا ينسب إلى الله، لكن كل ما وقع فهو من الله من خير ومن شر هو الذي قدره، لكن الشر لا يقدره الله عز وجل إلا لمصلحة أعظم منه، وإذا كان لمصلحة أعظم منه صار حكمة ولَّا لا؟ يكون حكمة، تجد الإنسان الذي هو أرحم الخلق بابنه يأتي به إلى الطبيب ليشق جلده، فيسيل دمه، هذا شرّ؛ لأنه يؤلم الصبي لكنه لمصلحته، فالعاقبة حميدة، ويأتي به إلى الطبيب ويقول: احم هذه الحديدة على النار واكوه بها، والكي شر في حد ذاته لكن غايته حميدة، وكذلك في الختان يأتي به إلى الخاتن ويقول: خذ اقطع جلدة من ذكر ولدي نعم، موضع حساس وبيقطع من جلده، لكن العاقبة حميدة.
المهم نقول: الشر قد يكون خيرًا باعتبار ما يؤول إليه، وإن كان هو في حد ذاته شرًّا، طيب المهم يا إخوان الحكيم صار معناه اشتق منين؟ من الحكم والحكمة أو الإحكام، والإحكام بمعنى الحكمة، والحكمة تكون في الشرع وتكون في القدر، القدر كل ما قدره الله فهو لحكمة، سواء كان خيرًا أم شرًّا، أيضًا الشرع كل ما شرعه الله فهو لحكمة، شرع الله عز وجل في الزاني المحصن أن يرجم بأيش؟ بالحجارة، لو قتل بالسيف أهون ولَّا لا؟ أهون، لكن كونه يرجم بالحجارة ويشهر به ويعلن هذا لحكمة عظيمة، وهي ردع غيره عن مواقعة هذا المحظور، ثم من أجل أن هذا البدن الذي تلذذ كله بالشيء المحرم ينبغي أن يناله ألم من العقوبة نعم.
* طالب: على تقدير: إني مهاجر إلى ربي: إلى دين ربي، أقول: أليس دين ربه موجودًا في كل بقعة؟ هل يذهب إلى أناس يدعون الله.
* الشيخ: لا، ما هو موجود في كل بقعة، لو كان موجودًا في كل بقعة ما خرج من مكانه هذا؛ لأن قومه هؤلاء كذبوه وأنكروه وأرادوا أن يحرقوه.
* طالب: يعني هاجر به، لا هاجر إلى دينه.
* الشيخ: إلى دينه، إلى مكان فيه دين الله، ولذلك مثلًا المدينة صارت دار هجرة لما أُقيم فيها الدين.
* الطالب: يعني هاجر إلى قوم يعبدون الله.
* الشيخ: إي نعم، إلى دين الله الذي..
* طالب: (...) ما في الأرض مؤمن إلا أنا..
* الشيخ: نعم، هذه قالها وين هو فيه؟ في مصر، ما هو في الشام، قالها في مصر وهو صحيح، وقوله: في الأرض، الصحيح أنه ليس المراد بعامة الأرض، الصحيح أن المراد أرض مصر.
* طالب: زوجة إبراهيم (...)؟
* الشيخ: إي، مؤمنة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* * *
قال: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ [العنكبوت ٢٧] بعد إسماعيل ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ) الهبة معناها الإعطاء بدون ثواب أو بدون عوض، وكل ما تفضل الله به على عباده فهو بدون عوض تفضل منه، (﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ بعد إسحاق) وإنما جعل الله يعقوب هبة لإبراهيم لأنه ابن ابنه، وسيأتي لنا إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا دليل على أن الجد أبٌ؛ لأن الله جعل ابن الابن هبة لجده.
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ذرية من؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم، وهنا خالف القاعدة الضمير، فعاد إلى المذكور الأول، والغالب أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، لكنه قد يخرج عن هذه القاعدة بحسب السياق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج ٧٨]، (هو) يعود على من؟ على الله، لا على إبراهيم، مع أن إبراهيم أقرب مذكور.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ قدم الجار والمجرور، وهو الظرف، على المظروف، وهي النبوة والكتاب؛ إشارة إلى الحصر، ولهذا قال أهل العلم: ما من نبي بعد إبراهيم إلا وهو من ذرية إبراهيم. ويُكنى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأبي الأنبياء.
(﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ فكل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته ﴿وَالْكِتَابَ﴾ بمعنى الكتب) فهو مفردٌ يراد به الجنس (أي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان)، التوراة نزلت على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والفرقان على محمد ﷺ.
(﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ وهو الثناء الحسن في كل أهل الأديان ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ) ﴿آتَيْنَاهُ﴾ أعطيناه، فهي تنصب مفعولين، أحدهما الهاء في ﴿آتَيْنَاهُ﴾، والثاني: ﴿أَجْرَهُ﴾.
وقوله: ﴿أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الأجر هو العوض، عوض الشيء يسمى أجرًا، ومنه الأجرة عوضًا للعامل عن عمله.
وقوله: ﴿أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ما هو أجره في الدنيا؟
هل نقول: إنه ما قال المؤلف الثناء الحسن في كل الأديان؛ أو ما هو أعم من ذلك؟ الصواب أنه ما هو أعم من ذلك؛ من قرة عينه بأولاده وانتشارهم وكثرتهم، وكذلك الثناء الحسن؛ كل الأديان ينتمون إليه ويريدون أن يكون منهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ كما ادعت اليهود ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ كما ادعت النصارى ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران ٦٧]، ثم حكم الله تعالى بين الطوائف فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨].
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ اللام في قوله: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ للتوكيد، فالجملة مؤكدة بـ (إن) واللام.
وقوله: (﴿الصَّالِحِينَ﴾ أي الذين لهم الدرجات العلى)، والمراد هنا أعلى أنواع الصالحين، وهم الأنبياء أو الرسل؛ لأن إبراهيم ﷺ من أولي العزم الخمسة، وهم محمد ﷺ، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وموسى وعيسى ونوح.
وقوله: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إذا جاءت (الصالحون) وحدها شملت كل الأجناس الأربعة، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، والله أعلم.
* طالب: شيخ (...).
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه أبلغ (...).
* * *
* الشيخ: أولًا: أن الأصنام لا تنفع عابديها.
* ومن فوائدها أيضًا: أن غاية ما يحصل لهم من هذه الأصنام الموادة بينهم في هذه الحياة الدنيا على الباطل.
* ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الباطل قد يقع بينهم مودة لحماية باطلهم والانتصار على الحق، ولكن هذا لا يدوم.
* من فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اجتمعوا على الباطل إذا كان يوم القيامة فإن بعضهم يتبرأ من بعض ويلعن بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾، وسمي يوم القيامة ذكرناه سابقًا، ونسيت أن أذكره في مجالسنا الأخيرة، فقد سمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة:
* أولًا: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين.
* وثانيًا: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
* وثالثًا: أنه يقام فيه العدل ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧].
* طالب: الأشهاد يا شيخ (...).
* الشيخ: الأشهاد الذين يشهدون على الرسل بأنهم بلغوا، وعلى الأمم بأنهم بُلّغت، وكذلك الجوارح تشهد على الإنسان بما عمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾، وهل هي موجودة الآن ولَّا لا؟
* طالب: موجودة.
* الشيخ: موجودة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] فهي موجودة الآن.
* ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المشركين لا يجدون من يمنعهم من عذاب الله؛ لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ فلا أحد يمنعهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة.
هل يؤخذ من الآية أن المتقين في يوم القيامة تبقى مودتهم ولّا ما يؤخذ؟ ربما يؤخذ بما يسمى قياس العكس الذي أثبته النبي ﷺ؛ لأن القياس قياسان: قياس مماثلة وموافقة وقياس عكس؛ قياس العكس أثبته الرسول ﷺ في قوله لما قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» يعنى الإنسان إذا جامع زوجته فهو صدقة، «قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ» الجواب: نعم يكون عليه وزر «فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. هذا يسمى قياس العكس، ممكن أن نقول: إذا كان هؤلاء المشركون يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة ويلعن بعضهم بعضًا فالمتقون الموحدون المخلصون على عكس ذلك، وأنا أريد هل تؤخذ من هذه الآية لست أريد إثبات الحكم نفسه، فإن الحكم ثابت في آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧].
ثم قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ طيب فيها مناقشة، ما ناقشناكم بالحقيقة، أخذنا الفوائد ونسينا نناقش، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾: (يوم) هذه ظرف، وما هو العامل فيها؟
* طالب: العامل فيها الفعل (يكفر).
* الشيخ: (يكفر)، والثاني؟ ما هو بتنازعها عاملان؟
* طالب: يكفر ويلعن.
* الشيخ: يكفر ويلعن، نعم.
وقوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ إعرابها مأوى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إعرابها ما أبغي (...) ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾.
* الطالب: (...).
طالب: لا يجوز أن تكون خبرًا.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأنه لا بد لها من مسوغ؛ في كونها خبرًا.
* الشيخ: هو العادة أنه يخبر..
* الطالب: تقديم الخبر هنا لا مسوغ له.
* الشيخ: لا، المسوغ أنه يكون الحصر.
* طالب: الحصر لو كان جَارًّا ومجرُورًا، أو ظرفًا.
* الشيخ: لا مطلقًا، لا، تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر هذه قاعدة عندهم.
* طالب: يا شيخ، هل من دواعي تقديم الخبر هذه المسألة؟
* الشيخ: عامَّة، عند البلاغيين عامَّة، تقْدِيم ما حقه التأخير.
* طالب:
وَنَحْوُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِي وَطَـــرْ ∗∗∗ مُلتـــــــــــزَمٌ فِيـــــــهِ تَقَـــــــــدُّمُالخَبَـــــــــــرْ
* الشيخ: وجوب التقديم غير مسألة جواز التقديم؛ يعني هنا نقول: (النارُ مأواكم) يصلح في غير القرآن، إنَّما قُلْنَا: بِجَوَاز أن يكون مأَوْاكم خبرًا مُقَدَّمًا؛ لأنّ الأصل أن يخبَر عن الأعيان، لا بالأعيان، تقول: زيد قائم. فتخبِر عن زيد بأنَّه قائم، فهنا نُخْبِر عن النار بأنَّها مأوى، هذا الأصل.
الأصل أنَّه يُخْبَر عن الأعيان، لا بالأعيان، والنار عيْن فيجُوز فيها الوجهان لا شكّ، وغدا هذا يكون حلًّا وَسَطًا.
لا نقول: إنه لا يجوز أن تكون ﴿مَأْوَاكُمُ﴾ مبتدأ، ولا نقول: إنه لا يجوز أن تكون خبرًا.
* طالب: ليست ظرفًا (...).
* الشيخ: ما هو بلازم، أصل تقديم الخبر وإن لم يكن ظرفًا جائز، تقول: قائمٌ زيد، ما فيه مانع.
* طالب: الإخبار عن الأعيان بالظَّرْف مثلًا هل هو ممنوع؟
* الشيخ: لا، لا، هذه مسألة ثانية، إنَّما التقديم والتأخير، سواء هذا ولَّا هذا، تقول: قائمٌ زيدٌ (قائم) خبر مقدم، و(زيد) مبتدأ مُؤخَر، ما فِيه مانع.
قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، ويش تقول، لِمَاذَا عُدّي بـ(اللام) هنا؟ وهل يُعَدَّى بغير (اللام)؟ من يعرف؟
* طالب: نعم، عدى بـ(الفاء)، (اللام) طبعًا من التصديق والاستسلام.
* الشيخ: والاتِّبَاع.
* الطالب: و(الباء) للتصديق.
* الشيخ: والطُّمَأْنِينَة بالشيء، وهل يمكن أن نقول: إنَّ الحرفين يتناوبان؟
* طالب: لا يمكن.
* الشيخ: ليش؟
* طالب: لا بد أن تقول: آمنت بالله (...).
* الشيخ: ما تقول آمنت لله، طيب في غيرِ الله هل يجوز: آمنْتُ به ولَه.
* طالب: يجوز.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* طالب: الدليل قوله تعالى في قصة فِرْعون (...): ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف ١٢٣]، هذه فِي سورة الأعراف، وفي سُورة الشعراء: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الشعراء ٤٩].
* الشيخ: آمنتم له، وآمنتم به، لكن لَمَّا كان الإيمان بالله ما هو مُجَرَّد اتباع لا بد يكون رضا وطمأنينة، ما صَحَّ أن نقول: آمنت لله، طيب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة ٦١]، جمَعَ بينهم ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، لوط ما منزِلَتُه مِن إبراهيم؟ منزلة لوط من إبراهيم؟
* طالب: يقول المؤلف: إنَّه (ابن أخيه).
* الشيخ: أنَّه ابن أخيه، عزَوْتَه للمؤلف؛ لأنك غير مقتنع به؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: وأيش تراه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، المعروف أنَّه ابن أخيه، هذا المعروف، وبناءً على هذا المعروف يُشْكِل قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ [العنكبوت ٢٧] فإن لوطًا نبِي، والجواب؟
* طالب: يقال: إن كون النبوة في ذريته من بعده..
* الشيخ: من بعد أيش؟
* الطالب: من بعد موت إبراهيم.
* الشيخ: أو من بعد مُهَاجَرِه.
* طالب: أو من بعد مُهَاجَره.
* الشيخ: من بعد مُهَاجَره؛ لأن لوطا آمَن قبل أن يُهاجر إبراهِيم، فيصير ﴿جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ بعد أن هاجر.
وهذا أقرب من قولِ بعضهم: إن هذا مسْتَثْنى، فيصير ﴿جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ ما عدا لوطًا؛ فإنَّه ليس من ذريته.
* طالب: آية الأنعام، جعل لوطًا من ظاهر السياق يحتمل أنه من نوح، أو من إبراهيم، قال به بعض المفسرين، ما يشمل هذا؟
* الشيخ: على ما قال المؤرخون: إنه ابن أخيه؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: والله هنا حل الإشكال، لكن نحن نقول بناءً على هذا القول، أمَّا إذا ثبت أنه مِن ذرية إبراهيم فلا إشْكَال، ولكنه ليس مِن ذريته؛ لأن إبراهيم معروف أنَّه ما له إلا إسماعيل وإسحاق، هذا معروف.
* طالب: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا﴾ [الأنعام ٨٤].
* الشيخ: يعقوب هذا ابن ابنه.
* طالب: معروف، ﴿كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ٨٤].
* الشيخ: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٨٤ - ٨٦]، هذه الآية ظاهرها -مثلما قال إبراهيم- أنَّه مِن ذرية إبراهيم، لكن المعروف ما دام أنه موجود في عهده أن إبراهيم ما له إلا إسماعيل وإسحاق، هذا المعروف، إسماعيل هو الأوَّل، وإسحاق هو الثاني فيكون على هذا قوله: لوط مِن ذرية نوح، وليس مِن ذرية إبراهيم.
* طالب: ما قال المؤرخ من بعد إبراهيم.
* الشيخ: لا، الذرية معروفة أنها النسل.
* طالب: (...) بس أقول الإشكال هذا ما يقال: إن ذرية إبراهيم (...).
* الشيخ: في الآية اللي معنا هو هذا، لكنَّنا نقول: إن لوطًا ليس مِن ذريته، إذا كان ليس من ذريته فيكون ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ لكن لوط كان قبل أن يُهَاجِر، وقبل أن تكون النبوة في ذريته.
* مِن فوائد الآية: -نبدأ الآن ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ - من فوائد الآية أنَّ لوطًا عليه الصلاة والسلام كان مِن أتباع إبراهيم مع أنه نبِيّ؛ لقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ مع أنه نبي.
* ومِن فوائدها: فضيلَة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمهاجَرة؛ فإنَّ الهجرة مِن أفضَل الأعمَال؛ لأنَّ الإنسان يَدَعُ فيها المألُوف مِن الأهل، والوطن بل مِن الوطن لِيُقِيم دين الله.
* ومِن فوائدها: الإشَارة إلى الإخلاص؛ في قوله: ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾.
* ومِن فوائدها: إثباتُ اسمين من أسماء الله: وهما العزيز، والحكيم، وإثباتُ ما تضَمَّنَاه مِن الصِّفَة؛ لأنَّ كلّ اسم مِن أسماء الله فهو متضَمِّن لِصَفَة، وليس كلُّ صِفَة متضمنة لاسم؛ يعني: كل اسم هو متضمن لصفة، ولا عكس.
بمعنى: أنَّه لا يُشْتَقُّ مِن الصفات أسماءٌ لله، لكن أسماء الله كلّها متضمنة للصفات، فمثلًا مِن صفات الله سبحانه وتعالى المكْر بمن يستَحِقُّ المكْر، فلا نسمِّيه بالماكر.
ومنها من أسمائه أنه ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤]، ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ هذا صفة فلا نسميه المنتقم كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان ظاهِر كلام ابن القيم في البدائع إثباتُ اسم المنتقم، وقال: إنه من الأسماء المزدوجة؛ التي ما تُذكر مفردة، ما يُقال: المنتقم فقط، بل يقال: العفو المنتقم.
إذن إثبات ما تضمنه اسم العزيز مِن الصفة ما هي؟
العِزَّة؛ وهي كما قال أهل العلم: ثلاثة أقسام.
والحكيم ما هي الصفة التي تضمنها؟
الحِكْمَة، والحُكْم، وقد سبق شرحه.
* طالب: (...) اسم الجبار.
* الشيخ: الجبار في القرآن.
* طالب: بس (...) المنتقم الجبار.
* الشيخ: لا المنتقم العفو، نعم، مع أنه ما فيه اسم المنتقم أبدًا، ما صح.
* طالب: نقول: رد على الجبرية، ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ نسب الإيمان إلى لوط.
* الشيخ: إي نعم، أنت ما شاء الله ترد على الجبرية والقدرية.
* فيه أيضًا: الرد على القول بالجبر؛ لقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾، وفي قوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ أيضًا، فإنَّ الهجرة مِن الأفعال، وهو نسبَها إلى نفسِه، والحمد لله الردّ على الجبرية واضِح، المشكلة عندنا الآن في مسألة القدرية هي التي عند كثِير مِن أهلِ الجهل، قد يمِيلُون إلى مذهب القدرية؛ لأنَّهم يرون أنَّ الإنسان مستقل بعمل، بحرية فربما ينكِرون القدر، الجبرية ما يحتاج إلى الانتماء إلى مذهبهم أو الاحتجاج به إلَّا أهل المعاصي والكَسَل، يحتَجُّون بمذهب الجبرية ، أهل المعاصي أكثرهم، لكن أهل الصَّنَائع والحِرَف وما أشبه ذلك هم إلى القدرية أمْيَل.
لكن أهل الحق الذين يأخذون بكل دليل لا يوافقون هؤلاء، ولا هؤلاء.
* طالب: (...) القدرية عند الطاعات (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم.
* ومِن فوائدها: إثباتُ الحكْمَةِ، حكمة الله عز وجل، إثبات حكمة الله؛ مأخُوذة مِن ﴿الْحَكِيمُ﴾.
والإيمان بالحكمة يستلْزِم التسليم التام للقَضَاء والقدَر، ولِلشرع أيضًا.
إذا آمنت بحكمة الله لزم من هذا الاستسلام التام للقضاء والقدر، أيش بعد؟ وللشرع؛ لأنَّك إذا عَلِمت أن ما هنا شيء يفعله الله عز وجل أو يشرعه الله إلا لِحكمة؛ فإنَّك لا شك ترضَى بهذا وتقْتَنِع.
ولهذا أحيانًا يقول لك القائل: ما الحكمة من وجوب كذا، ما الحكمة مِن تحريم كذا؟ ويش نقول؟
نقول: الحكمة؛ لأنَّه شَرْعُ الله، ولهذا عائشة «لما قيل لها: ما بال الحائض تقضِي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟» ويش اللي استدَلَّت به؟ قالت: «كان يصِيبنا ذلك، فنُؤْمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمَر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له من حديث عائشة.]]، فهذه مِن الحكمة.
* طالب: بالنسبة للأنبياء، هل يجوز عليهم قبل النبوة ما يخالف الإيمان؛ قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ دل على..
* الشيخ: إي، لا ما يدل على..؛ لأن بعض المفسرين قال: آمن له مع إيمانِه مِن قبل، و(اللام) هذه تدل على الاتباع.
والأنبياء قبل النُبُوَّة معصُومون مما يخلُّ بالشرف والمروءة، كالزنا واللواط والسرقة، وما أشبه ذلك.
وأمَّا عن الشرك فلا أعلم أنَّهم وقَعُوا فيه أبدًا، وإن كانوا يعيشون في بيئَةٍ مشركة، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما عبدَ الأصنام أبدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: وأيش أول الآية؟
* طالب: أول الآية أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف ٨٨، ٨٩]، ما أدري ما نقدر نجزم بهذا، تحتاج إلى مراجعة إن شاء الله.
* * *
نبدَأ الدرس الجديد الآن ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت ٢٧].
* يُستفَاد مِن الآية هذه: أن الذرية التي يمُنُّ الله بها على العبد أنَّها مِن مِنَحِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾.
* ومِن فوائدها: أنَّ ابنَ الابنِ ابنٌ؛ لأنَّ يعقوب ابن ابن إبراهيم وجعلَه الله تعالى موهوبًا لإبراهيم، ويدل لذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحسن بن علي بن أبي طالب: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»[[أخرجه البخاري (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة. ]]، والعلَماء أجمَعوا في باب الميراث: أنَّ ابْن الابن بمنزلَة الابن عند فقْدِه.
هل يؤخذ من ذلك: أنَّ أبَ الأبِ أبٌ؟
لأن هذا هو قياس الطرد.
وقلنا: إذا كان ابنُ الابن ابنًا لزِمَ أن يكون أبُ الأبِ أبًا.
ولهذا يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال في زيد بن ثابت، ماذا قال له؟ «أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ يجعل ابنَ الابن ابنًا، ولا يجعل أبَ الأبِ أبًا»[[ما رواه الأكابر عن الأصاغر لأبي بكر الباغندي (١٤) من حديث ابن عباس. ]]، وهذا هو الصحيح، أنَّه إذا كان ابنُ الابن ابنًا فإنَّ أب الأب أب هذا هو الصحيح، فيكون -على هذا- فيه دليل على سقوط الإخوة بالجد في باب الميراث.
* ومِن فوائد الآية، بل مُنَاقشة فيها، لِمَاذا ذكر الله تعالى أن يعقُوب موهوبٌ لإبراهيم؟
قال المفسرون: لأنه ولد في حياتِه، وأقرَّ الله عينه به وهو حيّ؛ كما قال الله تعالى عن امرأته: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود ٧١]، وهبنا له إسحاق ويعقوب.
* ومن فوائد الآية: فضيلة إبراهيم، وبركته؛ مِن قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت ٢٧]، وهذا هو النسل المبارك أن يكون في ذُرِّية الإنسان مَن يعطِيه الله سبحانه وتعالى النبوة والكتاب.
النبوة بعد محمد ﷺ متعذِّرَة مستحِيلة لكن الكتاب ممكِن، اللي هو العِلْم، نعم العلم ربما يجعَل الله سبحانه وتعالى في ذرية الإنسان بركَة في العلْم ونشرِه، ومن ذلك قصة عبد الله بن أبي طلحة حيث «دعَا النبي عليه الصلاة والسلام أن يُبَارِك الله لأبي طلحة في ليلته مع أهله»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠١)، ومسلم (٢١٤٤ / ١٠٧) من حديث أنس.]]، يقولون: إنه صار لعبد الله هذا عشرة مِن الأولاد كلهم يحفظُون القرآن.
وحفظ القرآن عند السلف ما هو بالأمر الهين، ليس كما هو عندنا الآن، الإنسان يحفظ القرآن، ولكنه لا يظهر عليه أثرُه، عند السلف إذا حفظ الإنسان القرآن ظهَر عليه أثرُه بالسَّمْت، والآداب، والأخلاق، والأعمال الصالحة.
* ومِن فوائد هذه الآية..
* طالب: (...) الأربعة.
* الشيخ: لا، لا، عامّ، هذا اللي إحنا فهمنا، أقول هذه الكتب المفهومة قد يكون هناك كتب على رسل ما بُيِّنَت لنا.
* من فوائد الآية: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾، وأنَّه قد يُعَجَّل للإنسان، إثبات الجزاء هذه واحدة، والثانية هو أنَّه قد يعجَّل للإنسان، تعجيل الجزاء للإنسان في الحقيقة لا يُعَدّ حرمانًا له مِن أجرِ الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وتعجِيل الثواب للإنسان في الدنيا مِن نعمَة الله على العبد؛ لأنَّ الإنسان يرَى أثرَ عمله، فينشَط على العمل، فيُعْتَبَر هذا مِن نعمة الله على العبد أن يُرِيَه أثرَ عمله سواءٌ كانت هذه الإراءة في أشياء خارجِيَّة، أو في أشياء في نفْس الإنسان، وفي باطنِه، مِن ذلك مثلًا، مِن ثواب الأعمال الصالحة؛ أن يجِد الإنسان في قلبِه السرور، والنور، والارتياح إلى العمل الصالح هذه لا شك أنَّها مِن الثواب العاجل.
ومنها من الأشياء الخارجية: أن تُرَى له مَرَائِي سارة؛ كما أخبر النبي ﷺ بأنَّ «ذَلِكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أحرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر.]] «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الرَّجُلُ أَوْ تُرَى لَهُ»[[أخرجه الترمذي (٢٢٧٣) من حديث أبي الدرداء. ]]، قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنها من عاجل بشرى المؤمن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤].
إذن * يستفاد مِن هذه الآية: تعجيل الثواب في الدنيا.
* وينبني على هذه الفائدة فائدة أخرى: أنَّ تعجِيل الثواب في الدنيا مِن نعمة الله على العبد؛ لما فيه مِن تنشيط الإنسان على العمل، واستمراره فيه.
* ومِن فوائد الآية: أنَّ وصْفَ الصلاح، وهو أعمُّ مِن وصف النبوة يجُوز أن يُوصَفَ به النبي؛ يعني: أنَّه يجوز الوصف بالمعنى الأعم دون الأخَصّ؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، والأنبياء في ليلة المعراج يقولون للرسول ﷺ: «مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]].
* ومِن فوائِد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، مؤُكدًا بـ(إنَّ)، و(اللام)؛ ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
* طالب: (...) أن الأولاد الأصل نعمة على العبد (...).
* الشيخ: مِن أين تؤخذ؟ مِن قولِه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ إحنا ذكرْنا أنَّها مِنْحَة، وعَطِيَّة مِن الله لكن في الحقيقة هذه المنحة قد تكون مِحنَة، إذا أضاعَ الإنسان حقَّ اللهِ فيهم فإنَّهم يكونون محنةً عليه، إنَّما إذا قام الإنسان بما يجب لله في أولاده فهم مِنْحَة بلا ريب.
* طالب: حتى لو ما اهتدوا؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنَّه يُؤْجَر على تربيتِهم، وتوجِيههم، ثم إن صلحوا، والغالب -والله أعلم- أنَّهم يصلَحون، ولو في المستقبل.
* طالب: في حديث أن امرأة كانت تكشّف، وقالت للرسول ﷺ: ادع الله لي..
* الشيخ: إي نعم، التي كانت تُصْرع، فقال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ، وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِن شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦ / ٥٤)، وأحمد (٣٢٤٠) واللفظ له من حديث ابن عباس.]] ما فيه إشكال.
* الطالب: لأنها يعني..
* الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام فَهِم من هذه المرأة أنَّ عندها نوعًا من الجزع؛ فلهذا وطَّنَها على أن تصبر، والصبْر درجة عالِية ما تُنَال بمجرَّد أني صبَرْت، فهذا هو السبب أنَّ الرسول قال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ، وَلَكِ الْجَنَّةُ».