×

القصص

الآية ١٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنصَرَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُۥ ۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ ﴿١٨﴾

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]. ﴿أَصْبَحَ﴾ أي: موسى، ومعنى (أصبح) أي: دخل في الصباح؛ يعني: باتَ ليلتَه، ولكنَّه في صباحها أصبح خائفًا يترقَّب. وقوله: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾، (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه سبق ذكرها. وقوله: ﴿خَائِفًا﴾ هذا خبر (أصبح)، (أصبح) من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، فـ﴿خَائِفًا﴾ خبرُ (أصبح). وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ هذا خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿خَائِفًا﴾؛ خائفًا حال كونه يترقَّب. أو: أصبح خائفًا أصبح يترقَّب. فعلى الإعراب الثاني -أنَّها خبر- يكون هذا من باب تعدُّد الخبر مع الاختلاف؛ لأنه يجوز تعدُّد الخبر سواءٌ تعدَّد بلفظ المفرد أو تعدَّد بلفظ الجملة أو تعدَّد بلفظ المفرد والجملة. وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يقول المؤلف: (ينتظر ما يناله من جهة القتيل)؛ لأن هذا القتل إجرام، فكلُّ إنسان يَقتل شخصًا في بلدٍ، يُعتبر هؤلاء الشيعة -شيعة موسى عليه الصلاة والسلام- يُعتبرون مستضعفين، لا بدَّ أن يخاف. وهذا الخوف من طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادة، فالخوف نوعان: خوف عبادةٍ يقتضي التقرُّبَ إلى الْمَخُوف والتزامَ طاعته وما أشبه ذلك، وخوفٌ طبيعيٌّ مما يُخاف منه. فالثاني لا بأس به لأنه من طبيعة البشر، لكنَّه يكون مذمومًا إذا أدَّى إلى تَرْك واجبٍ أو فِعْل محرَّم: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]. قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص ١٨]. قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ (إذا) فجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائِفٌ يترقَّب، فاجأه أنَّ صاحبه الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس، اليومَ يستصرخه. والاستصراخ معناه طلب الإنقاذ من الشِّدة (...). فهنا عندنا (استغاث) و(استنصر) و(استصرخ)، أيُّها أبلغ؟ (...) الاستصراخ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾. و(الاستنصار) ظاهر الآية الكريمة أنَّه بمعنى الاستغاثة؛ لأنه قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾، فظاهره أنَّ الاستغاثة والاستنصار بمعنًى واحد، ولكنها في الحقيقة (الاستنصار) أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر الإنسان لينصرك وإن لم تكن في شِدَّة، والاستغاثة أخصُّ، إلا أن الآية الكريمة تدلُّ على أنَّ استغاثته من باب الاستنصار. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قال: (يستغيث به على قبطيٍّ آخَر). ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، ﴿قَالَ لَهُ﴾ لمن؟ للإسرائيلي الذي استنصره، وزعم بعض المفسرين أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى القبطي، وأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام عاقَب القبطيَّ وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ولكن هذا بعيدٌ من السياق، والصواب أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى الإسرائيلي الذي استنصره. (﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الغواية؛ لِمَا فعلْتَه أمس واليوم). (غَوِيٌّ) على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)، أو على أنها صفة مشبَّهة، والغَوِيُّ ضدُّ المرشد، وهو الذي يتصرَّف على وجه الإساءة؛ قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦]، والرُّشد معناه معروف أنَّه إحسان التصرُّف، وعلى هذا فيكون الغيُّ سوء التصرُّف. فمعنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ أي: ذو غواية، وهي سوء التصرُّف، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنُها، ووجْه ذلك -وجْه سوءِ تصرُّفك- أن أمس القريب كان يتخاصم مع قبطيٍّ، واليوم الثاني الذي يليه كان يتخاصم أيضًا مع قبطيٍّ آخَر. * طالب: صاحب مشاكل. * الشيخ: نعم، صاحب مشاكل، فلهذا قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، يمكن لو بقي لليوم الثالث والرابع كل يوم يجيب فتنة، يسوي مشكلة، فلهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. (﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ [القصص ١٩] زائدة) يعني أنَّ كلمة ﴿أَنْ﴾ زائدة، وهي زيادةٌ لفظية إعرابية، وليست زيادةً معنوية؛ لأنها تفيد التوكيد، وجميع الحروف الزائدة في القرآن لفظًا هي أصليةٌ معنًى؛ لأنها تفيد معنى التوكيد. وتَطَّرِد زيادة (أنْ) بعد (لَمَّا)، وكذلك قبل (لو)، كما في قول الشاعر: وَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ∗∗∗ ...................... ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ [الجن ١٦]، على أنَّ ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ تقدَّم أنها تكون مخفَّفة من الثقيلة؛ يعني: وأنَّهم لو استقاموا. هنا يقول: (﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ زائدة ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ لِموسى والمستغيثِ به ﴿قَالَ﴾ المستغيث). ﴿لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ... قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، كيف عرف أنَّه يريد والإرادة عملٌ قلبيٌّ؟ تهيَّأ وأراد أن يفعل، وهو لا بدَّ أنه استند في هذا العلم، استند إلى أمرٍ ظاهر، وإلا فالإرادة محلُّها القلب. وقوله: ﴿أَرَادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ أيش معنى البطش؟ هو الأخذ بقوة. أراد أن يبطش به (﴿﴿قَالَ﴾ ﴾ المستغيث ظانًّا أنَّه يبطش به لما قال له ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ﴾ [القصص: ١٩]). قوله: (﴿قَالَ﴾ المستغيث)، جعل الفاعل في ﴿قَالَ﴾ المستغيث، وهذا يُبعده أمران: أمرٌ معنويٌّ، وأمرٌ لفظيٌّ. أمَّا الأمر اللفظي؛ فإنَّ ﴿قَالَ﴾ ضميرها يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور ما هو؟ القبطي؛ ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾. والثاني أنه ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ والله يقول: ﴿