تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿٤٨﴾
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨]، أما العشرة فإن الغالب أنها خير.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: عشر ذي الحجة، وعشر رمضان، والعشرة المبشرون بالجنة، وأمثلة كثيرة ما تحضرني الآن، وأنا أقول: إن كلام شيخ الإسلام هذا للتنزُّل مع الخصم، وإلا هو رحمه الله ما يتفاءل لا بهذا ولا بهذا، العدد عدد، ما فيه أثر لشيء.
﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأي شيء؟ بالمعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، وكلما ذكر الله تبارك وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعصية؛ الشرك فما دونه، لماذا؟ لأنه لا شك أن عمل المعاصي نفسه فساد، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: ثم هو سبب للفساد؛ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠].
فالمعاصي هي نفسها فساد، وهي سبب للفساد أيضًا؛ فلذلك كل ما ذكر الله سبحانه وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، منها: قرضهم الدنانير والدراهم، كيف قرضهم؟ يقطعونها، يخربونها، يقصُّون من الدراهم والدنانير، ولكن هذا إسرائيلي.
* طالب: أين الدليل؟
* الشيخ: إسرائيلي، ما في دليل، ولا هو أيضًا أكبر المعاصي، هذا صحيح أنه غش لكن ما هو أكبر المعاصي.
على كل حال أهم شيء أنهم أنكروا الرسالة وكفروا بالخالق، هذه من أعظم المعاصي التي يفسدون بها في الأرض.
وقال: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يفسدون ولا يصلحون؛ يعني معناه: أن فسادهم هذا -والعياذ بالله- شامل، ما فيه صلاح أبدًا، وهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وفيه فائدة عظيمة: وهو أنه قد يجتمع الفلاح والفساد في آنٍ واحد، كما أن الإنسان يكون مؤمنًا ويكون فاسقًا، يكون فيه إيمان وفيه كفر، فيه فسوق وطاعة، فيه فساد وصلاح، ولّا لا؟ فالأمور؛ إما خير محض وصلاح محض، وإما شر محض وفساد محض، وإما خليط من الأمرين.
هؤلاء القوم يفسدون ولا يصلحون -والعياذ بالله- ما يصلحون بالطاعة أبدًا، وهذا دليل على أنهم ليس فيهم خير محض، ليس فيهم خير أبدًا لا قليل ولا كثير، لكن فيهم أناس خيُّرون، من؟ الذين آمنوا بصالح واتبعوه، لكن هؤلاء الرهط التسعة يفسدون ولا يصلحون، دائمًا ما همّهم إلا الفساد في الأرض بالمعاصي، وإلقاء الفتن بين الناس، ومحاولة قتل المصلحين؛ ولهذا: ﴿