تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالُوا۟ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَـٰٓئِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴿٤٧﴾
الشيخ: الجواب: لما حثهم على الاستغفار وبيَّن لهم نتائجه الطيبة كان جوابهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل ٤٧] أعوذ بالله، هذا الجواب؛ يعني: أنت ما أتيت لنا بفائدة، بل صرت شؤمًا علينا أنت وأتباعك، وهذا حال الذين يتطيرون بأهل الخير، والله تبارك وتعالى قد يفتن الناس؛ فقد يقع مثلًا في مجيء الخير أو معه قد يقع بعض الآفات أو بعض الأشياء المكروهة لدى الناس؛ ليكون ذلك فتنة وابتلاء.
ربما مثلًا يحل رجل من أهل العلم والعبادة في بيت ثم يحترق هذا البيت؛ ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وامتحانًا، أهل الشر يفرحون ويفرهون، يقولون: يا الله! شوفوا أسباب الطوع، احترق البيت لما جاء هذا الرجل، والله تعالى قد يفتن الناس، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥].
هؤلاء يقولون: إنه بمجيء صالح ومعصية قومه عاقبهم الله تبارك وتعالى بالقحط والجدب وغور المياه، فقالوا: أنت يا صالح ومن معك ما جئتمونا بخير، ما جئتمونا إلا بالقحط والجدب وغور المياه، فتطيروا به.
و﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أصله: تطيَّرنا؛ أُدغمت التاء في الطاء، وهذا الإدغام على خلاف القاعدة؛ إذ إن الإدغام بين ساكن ومتحرك وهذا بين متحركين، فأدغمت التاء في الطاء، ولما أدغمت التاء في الطاء صار الحرف الأول منهما ساكنًا، ولاحظوا أنه أيضًا بعد الإدغام قُلِبَت التاء طاءً، والساكن ما يمكن الابتداء به، فاجتُلِبَت الهمزة لتسهيل النطق به؛ ولهذا قال المؤلف: (وَاجْتُلِبَتْ همزة الوصل) من أجل؟ لتسهيل النطق بالساكن.
ومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمنا؛ من الشؤم، والشؤم معناه: توقع الشر من مشاهَدٍ أو مسموع أو زمن أو حال؛ ولهذا قالوا: إن التطيُّر مأخوذ من الطير.
وكانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور؛ يبعثونها، وعندهم قواعد لهذا التشاؤم: إذا ذهبت يمينًا يتفاءلون، أو يسارًا يتشاءمون، أو أمامًا يعيدون، أظن الباعث مرة ثانية، وخلفًا يتشاءمون أكثر، فعندهم لهذا قواعد؛ فلذلك سُمِّي هذا التشاؤم تطيرًا، مأخوذ منين؟ من الطير؛ لأن غالب تشاؤم العرب بها.
فهم يقولون: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا، وكان مجيئك شؤمًا علينا أنت وأتباعك.
إذن ما هو التطير؟ هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا التطير، التطير هو: التشاؤم شنو؟
* طلبة: بمرئي.
* الشيخ: بمرئيٍ أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا هو التشاؤم.
بمرئي؛ يرى الإنسان شيئًا فيتشاءم، افرض أنه مثلًا أراد أن يسافر فقابله إنسان يكرهه، هو يكره هذا الرجل قال: خلاص رجعنا، هذا ويش لونه؟
* طالب: بمرئي.
* الشيخ: بمرئي.
أو همَّ أن يسافر، فلما خرج سمع رجلًا يقول: مات فلان بن فلان، قال: خلاص رجعنا، هذا تشاؤم؟
* طلبة: بمسموع.
* الشيخ: بمسموع.
أو زمان؛ يتشاءم بيوم من الأيام، يوم الأربعاء، يوم الخميس، أو شهر من الشهور، كشهر شوال، العرب يتشاءمون بشهر شوال في الزواجات، يقولون: من يتزوج في شهر شوال ما يوفّق.
(...) هذا الزواجات في شهر شوال كثيرة، لكن عائشة أبطلت ذلك بالواقع، قالت: «إن الرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها في شوال، وبنى بها في شوال، فأيُّكن كان أحظى عند رسول الله ﷺ»[[أخرجه مسلم (١٤٢٣ / ٧٣) من حديث عائشة. ]]، إذن ينبغي أن نتدارك إن أردنا أن نعمل التشاؤم والتفاؤل، فإننا؟
* طالب: نتفاءل.
* الشيخ: نتفاءل بشهر شوال، ولكن مع ذلك لا نتفاءل بالزمان ولا نتطير به، الخير والشر بيد الله سبحانه وتعالى.
ومنهم من يتشاءم بالمكان، تجده مثلًا يجيء يجلس في هذا المكان (...)، يقول: خلاص، قمنا، هذا ما يمكن نجلس فيه.
أو يتشاءم بالحال؛ حال الشخص مثلًا، التشاؤم بالحال أيضًا هذا تطير ما يجوز، قد مثلًا يعمل إنسان عملًا ويعاكسه في أول أمره، أو مثلًا يهم أن يفعل شيئًا غدًا ولا صار غد وله معه بعض التعب والعجز، فيتشاءم ويعدل بسبب هذه الأحوال التي تعرض له، فنقول: كل هذا لا يجوز، أنت إذا عزمت فتوكل على الله، «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»[[أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
الإنسان مثل ما قال القرطبي وكذلك غيره من أهل العلم: اللي يعلِّق تصرفاته بمثل هذه الأمور، فهو من أجهل الناس، ثم إنه ما يمكن ينصلح حاله إذا ينظر إلى هذه الأشياء.
ولكن لاحظوا أن الفأل الذي يعين على فعل الخير لا يدخل في هذا الأمر، الفأل «كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل ولكنه يكره الطِّيَرَة»[[أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٦) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن الطِّيَرَة فيها تعلُّق الإنسان بغير الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الأمور، وفيها أيضًا منع للإنسان عما يريده من الخير.
لكن التفاؤل فيه التشجيع على الخير، لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَإِنَّهُ قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]]، إذا صحت هذه الكلمة في الحديث، فالحاصل أن التفاؤل غير التشاؤم.
واعلم أن التشاؤم غير الشُّؤم؛ فإن الشؤم قد يكون في بعض الأشياء، مثل ما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون في المرأة، ويكون في الدار، ويكون في الدابة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا شيء مشاهد؛ أن الإنسان قد ينزل بعض الدور وما يتشاءم، لكن يكون فيها شؤم، تكون دائمًا خراب مثلًا، ودائمًا تحتاج إلى أعمال متتابعة، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد.
كذلك بعض السيارات، ما عندنا دواب الآن في غالب الناس، بعض الأحيان هذه السيارة يشتريها الإنسان ويحبها وتتعبه، كل يوم يخرب منها شيء، ثم يبيعها ويشتري ثانية ويرتاح لها.
ومثلها أيضًا بعض الأحيان يشتري الإنسان قلمًا -حتى في الأشياء الصغيرة- يبدأ كل يوم يتعبه؛ يجف المداد، وتلقى الريشة أيضًا ما تستقيم معه، ومرة يضيع منه ويتعبه، ويشتري قلمًا آخر ويبقى عنده مدة ما (...)، لكن هذا ليس تشاؤمًا ولكنه شؤم.
كذلك بعض النساء؛ يتزوج الإنسان امرأة وتتعبه ليلًا ونهارًا، في حياته العامة والخاصة، ومع أهله وأقاربه، ويتزوج أخرى فتكون راحة لنفسيته وقرة عينه.
فالحاصل: أن هذه الأشياء أمرها واقع، ولكن الرسول ما قال: التشاؤم، قال: «الشُّؤْم»، وفرق بين هذا وبين هذا؛ يعني معنى ذلك: أن هذه الأشياء يجد الناس فيها أحيانًا بركة وراحة، وأحيانًا يجدون فيها قلقًا وتعبًا.
* طالب: التشاؤم (...)؟
* الشيخ: لا، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إذا كان هذا يتعلق بشيء، بعامل مثلًا ولا شيء، وأما بس مجرد أنه يشوف واحد بالسوق اسمه يزيد ولَّا اسمه صالح ولَّا اسمه راشد، لا، مو هذا، لكن الشيء اللي بما معه معاملة فأنا قد أتفاءل.
سهيل بن عمرو له معاملة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، فتفاءل، وهذا يكون من باب فتح الأمور باليسر.
* طالب: ثم يكون بغير هذا الشيء؛ يعني يتفاءل إنسان (...)؟
* الشيخ: ما يخالف، ولكن الإنسان أول الأمر ما يتفاءل، كما هو عادة الناس الآن، أكثر العوام ما يدرون عن المسائل هذه، ويصير فيه خير في معاملة الشخص (...) الشخص الآخر لو أنه يزيد أو صالح مثل شؤم البلد.
* طالب: حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]] (...)؟
* الشيخ: لا، يدل على أن مثلها إنما كان (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يعني معناه: ذاك الشؤم في زمان أو في مكان أو ما أشبه ذلك يتشاءم، وأنا أيضًا ذكرت لكم الفرق بين الشؤم والتشاؤم: التشاؤم من فعله، والشؤم من فعل غيره، وهذا واضح أنه قد يكون يجعل الله في هذا الشيء خيرًا وبركة للإنسان، وفي هذا الشيء شؤمًا وبلاء.
* طالب: قال النبي ﷺ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» ثم ذكرها، وقال: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة بن الجعد.]]، ألا تتعارض «مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ»؟
* الشيخ: إي، لكن هل معقود بنواصيها الخير مطلقًا أو في حال الجهاد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا؛ لأنه ذكر بعدها مثال الذي يربطها للجهاد في سبيل الله، «أنها مَا تَسْتَنُّ، وَلَا تَعْلُو شَرَفًا، وَلَا تَأْتِي رَوْضَةً، وَلَا تَشْرَبُ مَاءً، إِلَّا كَانَتْ لَهُ أَجْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: إي، لكن بخصوص السبب ما (...).
* الشيخ: لا، نرى أن الحديث هنا وإن كان.. لكن السبب يقتضي ذلك، وإلا الصحيح العبرة بعموم اللفظ، لكنه ما دام أن السبب صالح لإحالة الحكم عليه، فيجب أن يقيد به، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا اللفظ عام مع أنه هو نفسه يصوم، إذن يخصص بالسبب الذي ورد فيه وهو أنه إذا كان الصيام يؤدي إلى مثل هذه الحال فليس من البر.
* طالب: ذكر في الحديث أنها قد تكون شؤمًا للإنسان يربطها خيلاء؟
* الشيخ: إي نعم، تكون وزرًا.
* طالب: والحديث (...)؟
* الشيخ: ما أدري، ما أعرف هذا الحديث، ولكن الظاهر لي -والله أعلم- أن الرسول وجد قرينة غير الاسم؛ ولهذا استدعى أن يسأل عن اسمه، كأنه واجد في حال هذا الرجل مثلًا، مع أنه ما أدري.
* طالب: ذكره ابن القيم في أحكام المولود.
* الشيخ: إي، ما أعرف.
* الطالب: الاسم لأول مرة، الثاني اسم شهاب، والثالث اللي (...).
* الشيخ: ما أعرف عن هذا الحديث، قد ينظر في سنده.
* طالب: العلماء يقولون: يحب الفأل على العموم، كما في عدة أحاديث.
* الشيخ: إي، لكن هذا فيه تشاؤم، التفاؤل لا بأس، لو كانت مثلًا (...) ما فيها إشكال؛ ولهذا قال: «سَهُلَ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]] إن صحت الكلمة هذه، لكن المشكلة الأول، ما لها تأثير، إلا إذا كان ذلك من طريق الوحي مثلًا، أما التأثير فلا يخاف؛ ولهذا الواقع يشهد بأنه لا حقيقة لذلك، تجد هذا اسمه عبد الله وهو عبد للشيطان، وتجد هذا اسمه شرورة وتجده من أخير الناس، ماله تأثير، إلا على الشيء يكون مثلًا بطريق الوحي، هذا شيء ممكن، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما ابن أبي طلحة سماه عبد الله، ولما دعا له بالبركة، بارك الله له، فكان من أولاده عشرة يحفظون القرآن[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠١)، ومسلم (٢١٤٤ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ينبغي أن يقارن في الأسماء ما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يراعى ما أرشد إليه، «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، يعني: عبد الله وعبد الرحمن أفضل من صالح ومن راشد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما أدري، كون الإنسان يسمي اسمًا ليتفاءل به ما أدري، الرسول قال: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا نَجَاحًا»[[أخرجه مسلم (٢١٣٧ / ١٢)، والجعديات (٢٧٠٠) واللفظ له، من حديث سمرة بن جندب.]].
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذه أبعد وأبعد، كونك إذا سميت بأسماء رجال من الصالحين يكون مثلهم، هذه أبعد، إلا إذا كان إنسان على سبيل المحبة لهم، ممكن يكون على سبيل المحبة، مثل ما يفعلون الآن، بعض الناس يسمون بأسماء الزعماء اللي يحبون، ولا يصيرون مثلهم بعد.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ هذا جواب الرسل، وهذا الجواب تجدونه أيضًا أجاب به بنو إسرائيل لمن؟ لموسى، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف ١٣١]، وكذلك أصحاب القرية الثلاثة تطيَّروا بالرسل الذين أُرسلوا إليهم.
على كل حال هذا جواب أهل الشر؛ أنهم يجعلون الأسباب التي هي من أفعالهم ونتيجة لأفعالهم بأسباب هؤلاء المصلحين، والحقيقة أنها وقعت جزاء على أفعال الكفار.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (أي: تشاءمنا، ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: المؤمنين حيث قُحِطوا المطر وجاعوا)، قُحِطوا بمعنى: مُنِعوا المطر.
(﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ شؤمكم، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أتاكم به، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ) ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: وليس منا، وطائركم بمعنى: شؤمكم، والمراد: ما أصابكم مما تشاءمتم به -وهو القحط والجوع- عند من؟ عند الله، وليس منِّي أنا، وإذا كان عند الله سبحانه وتعالى -هذا من أبلغ الجواب- فإن الله تعالى حكيم، ما يُنزِّل هذا الشيء إلا في منزلته، وبأسبابه التي يُستحق بها، فكأنه يقول: ما دام عند الله فالله تعالى حكيم، ما أنزله إلا في موطنه وموضعه هذا الشؤم.
ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ هذا الاستطراد ليس لإبطال الأول، ولكنه للانتقال؛ إضراب انتقالي، وتعرفون أن الإضراب يكون على نوعين: إضرابا إبطاليًّا يكون الحكم لما بعد (بل) ويبطل ما قبلها.
والثاني: إضراب انتقالي، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] انتقال من شيء إلى شيء، هنا الإضراب إبطالي ولَّا انتقالي؟
* طالب: انتقالي.
* الشيخ: انتقالي؛ لأنه عند الله يفتنهم سبحانه وتعالى بما حصل، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ووجه الفتنة؛ أولًا: أنهم نسبوا هذا إلى صالح ومن معه، وهذه فتنة عظيمة، فتنة ضلَّ بها هؤلاء.
ثانيًا -من وجه الفتنة-: أنه أصابهم مع مجيء صالح إليهم، فظنوا أو ادعوا أن أسباب ذلك صالح ومن معه، ففُتِنوا بذلك فابتعدوا عن الحق.
ومثل ما قلت لكم أنا قبل قليل بالتمثيل: أن يحدث مكروه عند وجود رجل صالح، فيُنْسَب هذا المكروه إلى هذا الرجل الصالح ومجيء هذا الرجل الصالح، فيكون في هذا حكمة.
والله سبحانه وتعالى حكيم جل وعلا يفتن الإنسان ويختبره بأنواع المفاتن؛ تارة بالمصائب، وتارة بالنِّعم، وتارة بالأمور التي توجب الاشتباه ليمتحنه بذلك؛ ولهذا الدنيا كلها محنة، ما دام الإنسان دائرًا بين أمرين: إما شر، وإما خير، ولَّا لا؟ كل حياتك هكذا؛ شر ولَّا خير، وكلاهما يقول الله فيه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥].
إذن معناه: انتبه يا إنسان، انتبه، الفضل؛ ليبلوني أأشكر أم أكفر؟ المصائب؛ ليبلوني أأصبر أم أجزع؟ الشبهات العلمية التي ترد على قلب الإنسان؛ ليبلوه هل يثبت أو يزيغ؟ فالمسائل كلها في الحقيقة فتنة واختبار من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يجب على العاقل أن يكون حذرًا دائمًا.
ولست أدعوكم في قولي هذا إلى سوء الظن بالله عز وجل، ولكني أدعوكم إلى النظر في الأمور؛ ليكون تصرُّفكم على وجه سليم.
ولكن مع ذلك أقول: إنه إذا تجاوز الإنسان هذه الفتنة حصل له الثبات والاستقرار؛ لأنه يطمئن قلبه، ويرسخ في هذه الأمور، ولا يزيغ -بإذن الله- بعد ذلك، لكن قد يُفتن المرء فلينظر؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تفتنون بأي شيء يكون؟
* طالب: بالخير الذي جاءه.
* الشيخ: بالخير والشر، ووجه الفتنة في هؤلاء: أن البلاء الذي أصابهم بسبب دعوة صالح إلى عبادة الله، فكفروا فعُوقِبوا، فهذه من الفتن؛ لأنهم قالوا: أنت أسبابها، وفي الحقيقة أن أسبابها هم أنفسهم، ففُتِنوا بذلك، قال: (يختبرون بالخير والشر).
(﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مدينة ثمود، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: رجال).
المؤلف قال: (أي: رجال) والرهط -صحيح- هم الرجال، لكنهم قالوا: إن الرهط ما بين الثلاثة إلى العشرة، وبعضهم قال: ما بين السبعة إلى العشرة.
فعلى هذا: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ يصير تسعةُ تسعة؟ لا؛ ولهذا فسر المؤلف الرهط بالرجال لا بمعناه الخاص؛ لأجل أن تستقيم الإضافة؛ إذ الشيء لا يُضاف إلى نفسه إلا على تأويل.
وقال بعضهم: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن الإضافة هنا بيانية؛ أي: أن (رهط) تفسير لـ(تسعة)، كأنه قال: تسعةٌ رهطٌ.
والمعنى على كل حال هو أن هذه المدينة -مدينة صالح أو مدينة ثمود- كان فيها رجال تسعة، وكانت التسعة هذه مجالًا للتفاؤل والتشاؤم؛ أحد يتشاءم من العدد تسعة، يقول: لأن تسعة جاءت بالإفساد في الأرض، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وأحد يتفاءل بها، الرافضة يتشاءمون بالعشرة ويتفاءلون بالتسعة، العشرة مَن؟ المبشرون بالجنة، لكن هم يخرجون علي بن أبي طالب منهم ولا أدري من يحطون بداله، لكنهم يتشاءمون بالعشرة، عدوُّهم من العدد: العشرة، وصديقهم: التسعة؛ لأنهم يقولون: هم آل البيت الذين وضع عليهم الرسول الكساء، فقال لهم شيخ الإسلام: يجب إذا كنتم تتفاءلون أو تتشاءمون بالعدد أنكم تتشاءمون؟
* طالب: بالعشرة.
* الشيخ: لا، تتشاءمون بالتسع؛ لأن هو اللي قال: ﴿