تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿٤٩﴾
قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ إلى آخره.
* طالب: التشاؤم هو يعتبر شركًا أصغر ولّا أكبر؟
* الشيخ: لا، أصغر، ما لم يعتقد أنه مؤثر بنفسه فيكون أكبر، وأظن ذكرنا هذه القاعدة مرات: كل من أثبت سببًا؟
* الطالب: غير شرعي.
* الشيخ: غير شرعي.
* الطالب: أو قدري.
* الشيخ: أو قدري؛ يعني ما يقتضيه الشرع ولا القدر فهو مشرك، لكنه شرك أصغر ما يؤدي إلى الأكبر، فأما ما اقتضاه الشرع أو اقتضاه القدر، ما اقتضاه الشرع بأن يُعلم من طريق الشرع أن هذا سبب لهذا، كقراءة الفاتحة على مريض سبب للشفاء، شرعًا ولّا قدرًا؟
* الطالب: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا؛ يعني: جاء بها الشرع، التجارب التي تجرى على بعض النباتات وبعض الأدوية فيُعرف تأثيرها، هذا سبب؟
* الطالب: قدري.
* الشيخ: قدري، جاء به القدر.
الأشياء اللي ما دل عليها الشرع ولا القدر هذه ما يجوز أنك تقول: إنها أسباب، مثل إنسان علَّق خيط برقبته وقال: هذا لدفع العين، اللي يعلق الخيط خلاص ما عاد تجيه العين، هذا ما هو سبب، ليس بصحيح، أين الشرع الذي دل عليه؟ وأين القدر الذي دل عليه؟ وكم من إنسان يُصاب بالعين وعليه هذا الخيط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما يصير.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لا، يعتقد أنه سبب للنفع، أن النافع الله لكن هذا من أسباب النفع، إي، لكن لو اعتقد أنه ينفع بنفسه وليس سببًا محضًا صار متخذًا مع الله إلهًا.
* طالب: يا شيخ (...) أكبر ولا أصغر؟
* الشيخ: لا، هذا ما هو داخل في مسألة الأسباب هذه.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا من جهة أخرى غير.. نحن الآن نتكلم عن الأسباب، من جعل سببًا من المسبَّبات المعيَّنة بدون شرع ولا قدر فهو مشرك، وأما مسألة التشريع فالتشريع حكم بغير ما أنزل الله، أي إنسان يشرِّع ما لم يشرعه الله ويعتقد أنه ما شرعه الله وأنه أصلح مما شرع الله، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة، سواءً حكم به أم لم يحكم، أم خلا الناس يحكمون به.
ولهذا يجب أن نفرِّق بين من لم يحكم بما أنزل الله تشريعًا، وبين من لم يحكم بما أنزل الله فعلًا، اللي يحكم بغير ما أنزل الله فعلًا لا تشريعًا هذا قد يكفر وقد يفسق وقد يظلم، والذي يحكم بغير ما أنزل الله تشريعًا، بمعنى: أن يجعله هو الشرع شرع مبدَّل بدل شرع منزَّل، هو يرى أن هذا الشرع المبدَّل أصلح للعالم من الشرع المنزَّل، فهذا كافر، ولا ينقسم فعله إلى ظلم وفسق وكفر، بل هو كفر محض، فهمتم؟
فالحكَّام الآن الذين يقنِّنون للناس قوانين يقولون: يجب تمشون عليها؛ لأنها أصلح لكم مما سبق، هؤلاء كفار حتى وإن لم تنزل بهم نازلة واحدة من هذه القوانين فيحكمون بها فهم كفار، أو ما فهمتم؟
يعني: إنسان مثلًا رئيس دولة شرع نظامًا يعرف أن هذا النظام مخالف للشرع لكن يعتقد أنه أفضل من الشرع وأصلح للخلق، هو ما حكم به ولكن سنَّه وخلا للناس يحكمون به، نقول: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة.
* طالب: يحل الخروج عليه.
* الشيخ: يجب الخروج عليه، إلا إذا كان قد يكون متأولً بعد، قد يقول: لا، هذا ما يخالف الشرع؛ لأن مثلًا عندنا بعض العلماء -الله يهدينا وإياهم- يفتحون للحكَّام أبوابًا، حتى إنه مما يموهون عليهم يقولون: مسائل الدنيا ما للشرع فيها دخل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة وأنس بن مالك.]] في مسألة التلقيح، فيموهون على الحكَّام، يقولون مثلًا: تجوز البنوك؛ لأن هذه من النظام الاقتصادي الحديث، ما للشرع فيه دخل، تجوز صناديق هذه التأمينات ولا فيها شيء؛ لأن هذه من الأمور الاقتصادية التي يرجع فيها إلى ما يقتضيه العصر، ما للشرع فيها (...).
غالب الحكَّام قد يجهلون هذا الأمر، فيظنون أن هذا صحيح فيلتبس عليهم، لكن إذا علمنا وفهَّمناهم وبيَّنا لهم الحق وقلنا: «أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» فيما يتعلق بالعمل والصناعة، الصنعة يعرف كيف يصنع القدر لكن قد لا يعرفه الرسول ﷺ، الحرَّاث يعرف كيف يبذر ولكن الرسول قد لا يعلم ذلك، لكن أحكام شؤون دنيانا من الأعلم بها؟
* طالب: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إي، الشرع، ففرق بين الأفعال وبين الأحكام، أنا الآن مثلًا أعرف أن هذا الشيء محرَّم من الصناعة أو من الزراعة أو ما أشبه ذلك، لكن هل أعرف كيف أصنعه؟ أعرف أن صناعة السيارات أنها من الأمور الطيبة المطلوبة لما فيها من المصلحة، لكن هل أعرف كيف أصنع سيارة؟
أقول للكافر المشرك الملحد الشيوعي الخبيث: أنت أعلم بشؤون دنياك، صحيح ولَّا لا؟ لكن ما هو بأعلم مني بحكم هذا الشيء، واضح؟
فقول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؛ يعني: أنتم أعلم هل هذا التقليح ينفع أو لا ينفع؛ لأنكم مجرِّبون وفاهمون، لكن أنا أعطيكم حكمًا شرعيًّا بأن كل ما كان صالحًا للخلق وفيه مصلحة للخلق فهو من الأمور المطلوبة شرعًا؛ لأن أصل الشرائع ما نزلت إلا لإصلاح الخلق.
* طالب: ما ورد عن النبي ﷺ في مسائل الطب، ويش (...)؛ لأنا لو قلنا: النبي ﷺ ليس طبيبًا؟
* الشيخ: لا، قلنا: لا، لكنه بالوحي يدرك هذا الشيء؛ لأنه هو إما أن يكون أدركه بالتجارب، فإذا أدركه بالتجارب وأخبر به علم، وإن لم يكن أدركه بالوحي، فمثلًا: ذكر أن الشفاء في ثلاث؛ العسل معروف بالوحي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٦٩]، الكي والحجامة يحتمل عندي أنا، وعند غيري أيضًا يحتمل أنه تلقى ذلك من الوحي، ونحن لا نعلم بهذا، يحتمل أنه علمه من التجارب وثبت عنده.
ومع ذلك أيضًا نقول: ما دام الرسول ﷺ أثبته، فإنا نثبته؛ لأنه ثبت بقول الرسول، وكذلك التجارب تشهد له.
* طالب: إذن الأصل أن نتلقى عنه ولا نقول: إن هذا ما هو من جانب (...) إلا ما ثبت في مثل التلقيح.
* الشيخ: لا، مثل التلقيح وغيره، (...) مثلًا صناعة الأبواب والبنايات والأشياء هذه لا يعلمها الرسول عليه الصلاة والسلام، إن كان قد مارسها؛ ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام لو كان عنده في مكة نخل ومارس هذا الشيء أو مارسه (...) به، ما يدري عنه الرسول.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يدري عنه؛ لأنه أتى إلى المدينة أول ما أتى قال: والله ما أظن هذا التلقيح ينفع شيئًا، حتى ما قال: لا تلقِّحون، لكن الصحابة لتعبهم من التلقيح لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فرحوا وقالوا: إذن ما نلقِّح، اتركوا ها التلقيح.
* طالب: (...) التلقيح هذا هل فيه مثال آخر (...)؟
* الشيخ: ما نعرف، ولكن نحن نعرف الآن أن قول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» في الأمور التي تحصل بالممارسة والرسول ما علم عنها.
* الطالب: طيب، (...) يحصل بالممارسة؟
* الشيخ: يحصل بالممارسة، والرسول أخبر بأشياء تلقاها من الوحي، وأشياء يحتمل من الوحي أو من التجارب وأخبر بها.
* الطالب: إذن الأشياء التي تثبت في الطب بالممارسة ما كان (...) عنها؟
* الشيخ: (...)؟
* الطالب: يعني قد يكون النبي ﷺ..
* الشيخ: قد لا يكون علم بها وهي الآن نافعة.
عندنا مثلًا إبر البنسلين ما كان الرسول يعرفها.
* الطالب: لا، أنا أقصد (...) ذكرت، الأمور الطبية التي (...)، يمكن بعضها بالممارسة مثل ما ذكرت.
* الشيخ: ما أخبر به الرسول قد يكون بالممارسة، وقد يكون بغير الممارسة، مثلًا: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧) من حديث سعيد بن زيد.]]، هل هذا وحي أو لا؟
* الطالب: الأصل أنه وحي.
* الشيخ: هذه بالذات قد تكون وحيًا؛ لأنها خفية، لكن مسألة الحجامة ومسألة الكي هذا أمر معلوم معروف عند الناس، فقد يغلِّب الإنسان أن الرسول علم ذلك بالتجارب، وقد يقول الإنسان: هذا وحي من الله عز وجل أوحاه إليه.
* طالب: المعلوم بالتجارب قطعي النفع؟
* الشيخ: إذا حكم به الرسول، مع أن الرسول -لاحظ- يقول: «إِنْ كَانَ الشِّفَاءُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٥٦٨٠) بلفظ: «الشفاء في ثلاثة»، وذكر الحديث من حديث ابن عباس.]]، ما جزم؛ لأنه قد لا يشفى الإنسان بهذه الثلاث.
* طالب: إذن كلامه الأول ما هو عن تجارب (...)؟
* الشيخ: ولهذا أخلف الأمر؛ لأن ما عنده وحي ولا تجارب عليه الصلاة والسلام.
* الطالب: إذن بس قاله رأي.
* الشيخ: هذا رأي منه، هو قال: «أُرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا»، لكن مثل ما قلت لك: أن الصحابة لما سمعوا هذا الكلام فرحوا به، قالوا: إذن كُفِينا المؤونة، ما دام هذا ظن النبي ﷺ وتركوه، وفسد النخل.
* طالب: إي بس قد يشكل على بعض الناس، يقول: كما أنه ليس مؤبرًا فليس أيضًا طبيبًا (...) الأخبار التي وردت؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، الرسول ما جزم، ما قال: ليس فيه شيء، أو جزم ما يفيد، ثم هذا أمر -الحمد لله- معلوم لكل مؤمن ويستطيع أن يدافع لمن أراد شبهة في هذا الأمر، فيقول: إن الرسول ما جزم.
والشيء الثاني: لو جزم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، فإنما جزم به على سبيل الظن، والإنسان قد يجزم بالشيء على سبيل الظن، وقد أقر النبي عليه الصلاة والسلام من جزم، بل من أقسم على سبيل الظن.
* طالب: يا شيخ (...) الأطباء العصريين يعملون على (...) مثلًا يقولون: هل يرد الحديث بسبب ما ظهر من أنواع (...)؟
* الشيخ: نقول: هذا ما هو بصحيح؛ أولًا: أنهم هم الآن يؤمنون (...)، لكن تختلف الوسيلة الآن، (...) والكي بالكهرباء وما أشبه ذلك، هذه معروفة الآن ومستعملة ويؤمنون بها، وكما قال الرسول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]]، ما هو بالرمي بالقوة الآن، الرمي بالآلات الموجودة، والكي أيضًا بالآلات الموجودة، ليس بلازم أن يكون، وهم أيضًا الآن في بعض الأشياء يلجؤون إلى الطب العربي، أنا أذكر أن (...) دائمًا يقول بأن المريض يروح يتطبب طبًا عربيًّا، ويُشفى بإذن الله.
* الطالب: يعني ما تأثر بالمسلمين لكن لو جاء مريضًا (...) يعني..؟
* الشيخ: في الحقيقة قد ينكرون الوسيلة أو الآلة التي حصل بها الكي أو فعل بعض الذين يكوون بالحديد.
أنا أذكر مثلًا بعض النساء يُؤتى بالطفل إليها (...) في رأسه ثم (...) كية، وتجعل في ظهره كل خرزة من الظهر عليها خمسة.
* طالب: واحدة واحدة.
* الشيخ: إي، فهم الأطباء يعني يدرون بهذا الشيء وينكرونه؛ لئلا يحصل مثل هذه الحالات (...)، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه الأشياء ما هو بيقول: حتمًا لا بد منها، قد يكون يقوم مقامها ما هو أولى منها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، بس ما هو معنى (...) صحيح؛ لأن هو نفسه فعل كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه[[أخرجه مسلم (٢٢٠٨ / ٧٥) من جديث جابر.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: يقدمون (...) يوم الأحد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يُقرأ (...). إذا كان لغير عذر يُعاقب الإنسان.
* الطالب: (...).
* الشيخ: محمد إسماعيل عنده حديث (...).
* الطالب: شفتها (...)، بس ما لقيت كلام (...).
* الشيخ: (...) هذا، أنت (...).
* الطالب: ما يخالف، أجيبه.
* الشيخ: (...).
* الطالب: بس، يعني (...).
* الشيخ: إي، إذا ما لقيت ويش (...)، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
* الطالب: لقيت ابن حبان والحاكم، الأسانيد.
* الشيخ: إي.
* الطالب: بس، فتشت على كلام العلماء حوله ما لقيت إلا موافقة الذهبي للحاكم.
* الشيخ: المهم بارك الله فيك، اكتب (...) ما نبغي أكثر من هذا.
إذا أدرك الإمام بعد قراءة الفاتحة فهل تجب عليه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كلام شيخ الإسلام؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) المهذَّب شرح المهذَّب؛ لأن الشافعية يرون وجوب القراءة مطلقًا.
* الطالب: بحثت.
* الشيخ: شرح المهذَّب بحثت؟
* الطالب: لا، بحثت في كتب الشافعية.
* الشيخ: لا، هو الكتاب الجامع لهم مثل المغني عندنا شرح المهذب.
* * *
قال: ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: هؤلاء التسعة بعضهم لبعض، ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احلفوا ﴿بِاللَّهِ﴾ يعني: طلب بعضهم من بعض أن يتعاهدوا على هذا الأمر؛ يتحالفوا على أن يبيّتوا صالحًا وأهله، ومعنى البيات: إنزال العقوبة بهم ليلًا.
فهنا حلفوا -والعياذ بالله- هذا الحلف الفاجر على أن يبيّتوا صالحًا وأهله؛ ولهذا قال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل ٤٩]، اللام في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعة في جواب القسم، والنون للتوكيد، فهم أكدوا هذا الفعل باليمين واللام والنون.
يقول المؤلف: (بالنون والتاء وضم التاء الثانية)، كذا عندكم؟
بالنون (...) ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، وبالتاء الثانية إذا جعلناها بالتاء لزم ضم التاء الثانية ﴿لَتُبَيِّتُنَّهُ﴾ ، وأما ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنها تبقى مفتوحة.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: من آمن به؛ أي: نقتلهم ليلًا، هذا تفسير البيات، والمراد بالأهل: أتباعه، كما قال المؤلف، ولكن قد ينازع في هذا، ويقال: إن المراد به أهله الخاصون؛ يعني: أهل بيته؛ لأنهم هم الذين يسكنون في الغالب معه في البيت، فإن الغالب أن الإنسان في الليل لا يكون معه في بيته إلا أهله الخاصون به.
ثم بعد ذلك أن يبيّته، ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ (بالنون والتاء وضم اللام الثانية)، ضم اللام الثانية متى؟ إذا صارت (...) ﴿لَتَقُولُنَّ﴾ ، أما بالنون فهي بفتح اللام ﴿لَنَقُولَنَّ﴾؛ يعني: ثم بعد أن نبيّته ونقتله إذا قام وليه للأخذ بثأره نقول له.
(﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه) ومن ولي الدم؟ ولي الدم عندنا في الخلافة الإسلامية هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، وقول البعض: بل العصبة هم أولياء الدم؛ لأنهم الذين يؤدون العقل عنه، وأما ذوي الفرض فليس من أولياء الدم، والصواب: العموم؛ أن أولياء الدم هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، حتى الزوجة والأم هن من أوليائه.
(﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حضرنا، ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ بضم الميم وفتحها) ﴿مُهْلَكَ﴾ و﴿مَهْلَكَ﴾ ، ولم يتعرض المؤلف للقراءة الثالثة وهي: ﴿مَهْلِكَ﴾، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام، فتح الميم واللام ﴿مَهْلَكَ﴾ ، ضم الميم وفتح اللام، وهاتان الأخيرتان هما اللتان ذكرهما المؤلف: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ ، ﴿مَهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ يقول: (أي: إهلاكهم أو هلاكهم) على القراءتين.
﴿مُهْلَكَ﴾ أي: إهلاك؛ لأن ﴿مُهْلَكَ﴾ من (أَهْلَكَ) الرباعي، و﴿مَهْلَكَ﴾ من (هَلَكَ) الثلاثي؛ فلذلك نقول: إذا كان الفعل ثلاثيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن (مَفْعَل)؛ (هَلَكَ مَهْلَك)، (قَامَ مَقَام).
وإذا كان رباعيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن اسم المفعول، فتقول: (مُهْلَك) من (أَهْلَك)، وتقول: (مُقَام) من (أَقَام).
قام فينا مقام فلان، مثل ما قال أبو حيان في ابن تيمية:
قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِِرْعَتِنَا ∗∗∗ مَقَــامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَــتْمُضَـــرُ
قام مَقَام، لكن عندما تقول: أقام في هذا المكان مُقام فلان، بضم الميم، ما تقول: مَقام، مفهوم؟
وهذه قاعدة معروفة في النحو: أنه المصدر الميمي إذا كان من رباعي فهو على وزن اسم المفعول، وإذا كان من ثلاثي فهو على وزن (مَفْعَل) أو (مَفْعِل) مثل ﴿مَهْلِكَ﴾.
﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (فلا ندري من قتلهم)، وهذا الإنكار صحيح ولَّا كذب؟
* طلبة: كذب.
* الشيخ: ما داموا هم الذين قتلوه، فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هذا كذب، لكن فيه تورية؛ لأنهم يقولون: ما شهدنا بل فعلنا، والشاهد لم يفعل؛ ولهذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
وجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هي من جملة قولهم الذين يدافعون به عن أنفسهم أو هو تقرير لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يعني: وأنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يحتمل الأمرين.
﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يقولونه للولي؛ ليؤكدوا النفي؟ ما شهدنا وإننا لم نكذب عليكم، إننا لصادقون أنا ما شهدنا، هذا وجه. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ واطمئنوا أيها الإخوة، فإننا -يقول بعضهم لبعض- فإننا لصادقون بأننا لم نشهد؟
يحتمل هذا وهذا، إنما المفسّرون ذكروا احتمالين: أحدهما: أن يقولوه في جملة دفاعهم عن أنفسهم لولي صالح، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (...)، ﴿مَا شَهِدْنَا﴾، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فلم نخبركم بالكذب.
أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قلنا هذا فإننا صادقون؛ لأننا ما شهدنا مهلك، ولكننا أهلكنا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بلى، لكن الحقيقة أن الفاعل غير الشاهد، وأنه (...) تورية (...) مثلًا، تورية ولَّا معلوم أن من فعل فقد شهد، بل أبلغ.
* طالب: ومن قتل النبي فالذين آمنوا (...) يكفي عليهم أنهم (...) لما هو أعظم؟
* الشيخ: لا، هم يهونون أمرهم بعضهم على بعض حتى لا يكون في أنفسهم شيء، ولّا هو معلوم أن الذي يقتل يشهد، لكن لتهوين الأمر على بعضهم يوطّن بعضهم بعضًا.
والحاصل: أن هؤلاء -العياذ بالله- أرادوا هذا الفعل المنكر، وهو مكر؛ لأنه إتيان لصالح وأهله من حيث لا يشعرون، فإن الليل موضع السكون والهدوء، فإذا أحد اعتدى على أحد صار ذلك غدرًا ومكرًا.
ولهذا حتى في حرب الكفار اختلف العلماء: هل يجوز تبييت الكفار أو لا يجوز؟ فمن العلماء من منع التبييت قال: ما يمكن أن يقتل الكفار وهم غارون نائمون، ومنهم من أجاز ذلك، والمسألة تحتاج إلى تحرير بحث في هذا الشيء.
والحاصل أنا نقول: إن هذا من الغدر والمكر؛ أن يأتي هؤلاء إلى صالحٍ وأهله في الليل فيبيتوهم؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل ٥٠] ومكروا في ذلك مكرًا، ﴿مَكْرًا﴾ منكّر، وأحيانًا يكون من فائدة التنكير: التعظيم؛ أي: مكروا مكرًا عظيمًا.
والمكر فسّره بعضهم بأنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، فيحصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بخصمه؛ لأن الأسباب الظاهرة ما تسمى مكرًا، وإنما هي أسباب خفية.
قال الله عز وجل في مقابلة ذلك: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ أي: أعظم من مكرهم، مكرًا أعظم من مكرهم.
قال المؤلف: (أي: جازيناهم بتعجيل عقوبتهم) ففسّر المكر بالمجازاة، والصحيح: أن المكر أشد من المجازاة؛ لأنها مجازاة من حيث مأمن المجازي، لكن أراد المؤلف -رحمه الله- أن يدفع بذلك صفة المكر عن الله سبحانه وتعالى ففسّره بالمجازاة.
والصواب عند أهل السنة والجماعة: أن المكر لا يجوز أن يحرّف إلى معنى المجازاة مطلقًا، وأنه لا يمتنع وصف الله تبارك وتعالى به في محله، فالمكر في محله يعتبر مدحًا ولَّا لا؟ يعتبر مدحًا، وفي غير محله يعتبر ذمًا، فالمكر بهؤلاء الماكرين مدح، يعتبر مدحًا عظيمًا.
ولهذا الصحيح في هذه المسألة الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يوصف بالمكر لا على الإطلاق، فلا يقال: إن الله ماكر؛ لأنه على الإطلاق يتضمن صفة الذم، وإنما يقال: ماكرٌ بمن يمكر به أو بمن يستحق المكر، وحينئذٍ يكون صفة مدح.
والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: صفاتٌ حسنى بكل حال، فهذه ثابتةٌ لله على وجه الإطلاق، كالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، وما أشبه ذلك.
والثاني: صفات نقصٍ على كل حال أو صفات سوءٍ على كل حال، فهذه يُنزّه الله عنها على كل حال، مثل: الظلم، واللغوب، والجهل، والعمى، والموت، والمرض، والجوع، والعطش، وما أشبه ذلك، هذه ينزّه الله عنها على كل حال، والولادة، والوزير، والشريك، وما إلى ذلك، هذه ينزّه الله عنها في كل حال.
والثالث: صفاتٌ ذات وجهين؛ تكون مدحًا في حال، وتكون ذمًا في حال، فهذه لا يوصف الله بها بإطلاق، ولا تنفى عنه على الإطلاق، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء، والسخرية، وأمثالها، هذه لا يوصف الله بها على كل حال، ولا تنفى عنه في كل حال، بل يوصف بها حيث تكون كمالًا، وتنفى عنه حيث تكون نقصًا.
قال الله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٧٩]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠].
﴿