×

النمل

الآية ٤٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ ﴿٤٣﴾

وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الجملة: أن الإنسان لا بد أن يُشْغِل نفسه، أو لا؟ فلا بد أن تكون النفس مشغولة إما بحق وإما بباطل، فهذه المرأة اشتغلت بالباطل عن الحق، وقد قيل من الحِكَم: إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل. وقيل أيضًا: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا صحيح، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُمْ حَارِثٌ، وَكُلُّكُمْ هَمَّامٌ»[[قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث ص ١١٧: ليس بحديث، ويقرب منه: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ».]] فلا بد للإنسان أن يهمَّ ويعملَ، لكن إما بخير أو بغيره. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * وفي هذا دليل على: أن البيئة لها تأثير؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ فهؤلاء القوم أَثَّروا عليها فصارت كافرة تعبد مع الله غيره. * وفيه: التحذير من مصاحبة الأشرار؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ حتى لو كانوا من أقاربك فلا ينبغي أن تصاحبهم، وإذا كان لهم حق عليك بالقرابة فأعطهم حقهم الذي لهم، ولكن لا تكن مخالطًا لهم ومصاحبًا لهم؛ لأن النبي ﷺ قال فيما يروى عنه: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» وهو حديث حسن «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٠٢٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» وهذا شيء واقع يشهد له التاريخ السابق والحديث. * الطالب: البيئة عذر للإنسان؟ * الشيخ: ما تعتبر عذرًا، الواجب على الإنسان أن يفارق هذه البيئة؛ ولهذا وجبت الهجرة على من استطاع أن يهاجر، ولكن الرسول لما يقول: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» يُخْبِر، والخبر لا يلزم منه الجواز، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد.]] وهذا خَبَر، هل معناه أنه يجوز أن نفعل؟ وأخبر قال: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ»[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم بنحوه.]] فهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم؟ لا، فما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يقع لا يلزم منه الجواز. ﴿