×

النمل

الآية ٤٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٤٤﴾

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ إلى آخره. * فيه دليل على: عظمة ملك سليمان وتسخير الله له، ففي ذلك الوقت حسب علمنا ليس هناك أفران تَصْهَر الزجاج ويفعل بها الإنسان كما يشاء، ولكن لا شك أن الزجاج موجود، قد يكون مستخرجًا من البحر تستخرجه الشياطين، وقد يكون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهذا قال الله عن الشياطين: إنهم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣] ﴿جِفَانٍ﴾ جمع جفنة وهي الصحفة. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ ﴿الْجَوَاب﴾ ما هي؟ * طالب: الجابية. * الشيخ: جمع جابية وهي البِركة، يعني كبيرة. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ يعني: ما تُنْقَل لكبرها وعِظمها. فالحاصل أنا نقول: إن هذا فيه دليل على عظمة ملك سليمان؛ حيث سُخِّر له الجن والإنس يعملون له ما يشاء. * وفيه دليل على: جواز اختبار المرء كما سبق. وهذه القصة فيها عدة اختبارات؛ لقوله: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليرى هل تهاب فلا تدخل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز، أم ماذا تصنع؟ فالمرأة لذكائها دخلت ولكن مع التحفظ والاحتراز كشفت عن ساقيها، أي: رفعت ثوبها حتى بان الساقان. * وفي هذا دليل على: أن المرأة من قديم الزمان زينتها التَّسَتُّر؛ لأن قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ دليل على أن الأصل أنها مستورة، وهو كذلك، بخلاف الرجل، فإن «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ» أو قال: «نِصْفُ سَاقِهِ»[[أخرجه النسائي في الكبرى (٩٦٢٦) من حديث أبي هريرة بنحوه.]]، نسيت اللفظ، الآن أصبح الأمر بالعكس عند كثير من المسلمين مع الأسف، فأصبح الرجال ثيابهم مسبلة، والنساء ثيابهن قصيرة، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله عليها الخلق. * وفي هذا دليل على: أن الرؤية قد تكذب، وأن ما يدرك بالحواس ليس على الأمر الواقع مئة بالمئة، لقوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ فإن هذا كما هو الواقع صرح ممرد من قوارير وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تحسبه لجة، فدل هذا على أن ما يُدرك بالحواس قد يقع فيه الخطأ، أليس كذلك؟ قد يرى الإنسان الشيء المتحرك ساكنًا والساكن متحركًا، والأبيض أسود، والرجل امرأة، بل قد يتخيل له في بصره شيء وليس له حقيقة، وكذلك بالنسبة للسمع، وبهذا نعلم أن الشهادات وروايات الأخبار وغيرها كلها يمكن أن يقع فيها الخطأ وليست معصومة مئة بالمئة، ولكن لا شك أنه كلما تواردت الأخبار وتكاثرت فإنه يدل على أن الأمر متأكد، ولكن نفي احتمال الخطأ مهما بلغ الرائي أو السامع من القوة والأمانة، فإن الخطأ عرضة فيما رأى أو فيما سمع، بل في الملمس الآن، قد تلمس الشيء فتظنه ليِّنًا أو أملس وبالعكس، الرجل الفلاح يلمس الشيء الخشن فيظنه أملس، والناعم يلمس الخشن البسيط جدًّا فيجده كالشوك. فالحاصل أن المسألة حتى في الأمور الحسيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالك بالأمور العقلية؟ من باب أولى وأعظم، وبه نعرف ضعف الإنسان، وأنه بحاجة ماسَّة إلى علم الشرع والوحي، مهما بلغ فإنه بحاجة إلى هذا الأمر. * طالب: (...) الحواس من القطعيات؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) يصبح خطأ؟ * الشيخ: لا، ما هو به، هذا شك، هو من القطعيات، لكنها باعتبار الفكر واعتبار العقل صحيح في مثل هذا إنما الوهم قد يقع فيها. * وفيه أيضًا في قوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: دليل على أنه ينبغي تأكيد الكلام في موضعه، ما قال: هذا صرح، قال: إنه صرح، و(إِنَّ) للتوكيد، والتوكيد هنا في محله؛ لأنها هي وإن لم تكن منكرة لكن حالها حال المنكر؛ حيث ظنته لُجَّة وكشفت عن ساقيها. * وفي هذا دليل؛ في قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن الله تبارك وتعالى قد يَهَب المرء ما يوجب له أن يسلم، بل قد يُيَسِّر له الأسباب التي توجب إسلامه بكل سهولة، هذه المرأة حسب القصة ما وجدنا أنها دُعِيت وأُكِّد عليها وبُيِّن لها الخطأ إلا في قوله في أول القصة: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن لما شاهدت ما شاهدت من عظمة ملك سليمان وقوته عرفت أنه لا بد أن تسلم، فهكذا إذا يسَّر الله تعالى للعبد ما به الهداية فإنه يكون الأمر عليه يسيرًا، وإذا لم تُيَسَّر له أصبح كل مانع يمنعه من الاهتداء، وإن لم يكن مانعًا قويًا. * وفي هذا دليل على: أن المرأة آمنت بسليمان، لم تُسْلِم إسلامًا مطلقًا؛ لأنه قال: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدل هذا على أنها آمنت به، لأن (مع) للمصاحبة، فكانت من أصحابه المؤمنين به. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأخير هذ ا؟ (...)لم تؤمن إيمانًا مطلقًا؛ يعني ما قالت: إني أسلمت لله فقط، بل صرَّحت بأنها تابعة لسليمان. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أقول هذا؛ لقولها: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني مثلًا ما آمنت بنبيٍّ آخر أو بشريعة أخرى، آمنت بشريعة سليمان فكانت من قومه مع أنها كانت في سبأ في اليمن وسليمان في الشام. وفي هذا دليل في قوله: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن المعاصي ظلم للنفس، وسبق وجه ذلك، وأن الإنسان مؤتمن على نفسه من حيث السلوك والسير، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في ماله، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في بدنه؛ ولهذا نُهي عن إضاعة المال، ونهي عن قتل النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، وأُمِر بالدواء: «تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء.]]، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحر والوقاية من البرد، كل هذا من أجل حفظ النفس التي هي أمانة عنده، فالإنسان ليس حرًّا يتصرف كما يشاء في بدنه أو كما يشاء في سلوكه أو كما يشاء في ماله، لا، هو مقيَّد. * الطالب: (...) هي الأمارة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: وهنا نُسب الفاعل. * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان فيه نفسان، وقيل: ثلاثة أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوَّامة، والصواب: أن اللوامة من صفات الثنتين، ولكن فيه أمارة وهي التي تأمر بالشر وتنهى عن الخير، وفيه مطمئنة وهي التي تأمر بالخير، إذا ظلمت نفسي التي يقوله المطمئن. * وفي هذه الآية: إثبات عموم ربوبية الله؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولا أحد له الربوبية العامة الشاملة سوى الله عز وجل، الإنسان قد يكون ربًّا لبيته، وقد يكون ربًّا لدابته، وقد يكون ربًّا لمملوكه، كما في الحديث الصحيح: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. وتقدم لنا في التفسير أن ما ذكره المؤلف من هذه الإسرائيليات أنه لا يجب التصديق به، بل ما كان منها مخالفًا للقرآن أو لا يليق بحال النبي فإنه يجب تكذيبه، وما كان منها ليس مخالفًا ولا منافيًا لما يليق بالنبي فإنه لا يصدَّق ولا يكذَّب. * الطالب: ولا يُكْتَب؟ * الشيخ: نعم؟ ولا يُكْتَب، ولا ينبغي أن يكتب في التفسير؛ لأنه إذا حسب في التفسير معناه أنه صُدِّق حيث جُعِلَ تفسيرًا لكلام الله. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [النمل ٤٥]. * طالب: بالنسبة لبلقيس كيف أسلمت بهذه السرعة عندما رأت ماله؟ * الشيخ: رأت عظمة سليمان وجنوده؛ وهي تذكر كتابه الذي قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ تذكر أن هذا الرجل لا بد إما أن تسلم وإما أن يقضي عليك. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ولكنها أسلمت. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نرى هذا مشهورًا، لكن ما نختاره، الظاهر أنه من الأشياء التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، لكنه لا بأس، لاشتهارها ما في مانع.