تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾
وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء القوم مشركون بالله؛ لقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾.
* وفيه دليل على أن الشمس معبودة من قديم الزمان؛ لأن هؤلاء في زمن سليمان، وما زال إلى الآن يوجد من يعبد الشمس، ومن يعبد النار، ومن يعبد القمر، بل ومن يعبد البقر.
* وفيه دليل على أن الخلق مفطورون على إنكار الشرك؛ لأن الهدهد أنكر عليهم شركهم، مع أن الهدهد ليس من العقلاء، لكن جميع الحيوانات بل والمخلوقات غير الحيوانات مفطورة على توحيد الله عز وجل ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤].
* فيستفاد من هذه فائدة: أن المشركين شر البرية كما قال الله عز وجل، يعني: إذا كانت البهائم والجمادات تسبح الله وتعرف حقه وبنو آدم هؤلاء يشركون به؛ صاروا شر الخليقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦].
* وفيه دليل على أن الإنسان يُذمّ على فعله أو يُمدح على فعله؛ لأن الهدهد ساق ذلك على سبيل الذم، والغرض من ذكر هذه الفائدة: الوصول إلى أن فعل الإنسان باختياره؛ إذ لو كان مجبرًا عليه لم يصح أن يكون محلًّا للذم أو للمدح؛ لأن الذي يُجبر على العمل ما يُمدح عليه إن كان خيرًا، ولا يُذمّ عليه إن كان سوءًا، ولكنه هو فعله، فهو إذن.
* وفيه دليل على إبطال قول من؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله؛ لأنه إذا كان مجبرًا لم يكن أهلًا للثناء بالخير أو بالشر.
* وفي هذا دليل على أن الأعمال السيئة من تزيين الشيطان؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤] فأضاف الله التزيين إليه، وهنا أضافه إلى الشيطان، وفي آية ثالثة: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة ٣٧] مبني للمجهول، لكن هذه ما تعارض الآيات الأخرى.
* طالب: التزيين المباشر من الشيطان، لكنه بتقدير الله عز وجل.
* الشيخ: يضاف إلى الله تقديرًا وإلى الشيطان مباشرة.
إذا قال قائل: إن الأعمال السيئة تُزين للناس في رمضان وقد ثبت في الحديث أن الشياطين تُصفّد فيه وتُغل، ومع ذلك نرى أن كثيرًا من الخلق يزين لهم سوء الأعمال في رمضان..
على أن سبيل الله سبحانه وتعالى واحد؛ لقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وسبيل الشر، بل سبل الشر متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
ولهذا قال العلماء: الإسلام مِلّة، والكفر مِلَل: يهودية، نصرانية، وثنية، مجوسية، إلى آخره، ملل؛ يعني سبلًا متعددة، وأما الحق فسبيله واحد.
فإذا قال قائل: كيف تقولون ذلك؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، كيف الجمع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ولهذا أُضيفت إلى السلام ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ما قال السبل: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ﴾ إذا قُيِّدت فهي على حسب ما قُيِّدت به؛ يعني يصلح أن تقول: سبل الخير، ويكون المراد بذلك الفروع الموصلة إلى الخير، فالإسلام كما أنه كله سبيل واحدة، فهو كذلك أيضًا ذو شُعب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، فهو ذو شُعب، فهذا معنى قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، ثم إنه مما يزيل الإشكال أنه أضيفت إلى السلام، فعُلم أن المراد بذلك فروع الخير.
* وفيه دليل على أن من صُدّ عن السبيل -والعياذ بالله- فإنه لا يهتدي إذا زُيّن للإنسان سوء عمله فصد بذلك عن السبيل، فإنه يقل أن يهتدي؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يسجدون لله، وهذا هو البلاء أن الإنسان يرى القبيح حسنًا، فهذا لا يكاد يقلع، لكن من كان يرى القبيح قبيحًا فإنه يمكنه أن يُقلع، ولذلك تجدون الآن مثل هؤلاء الذين يتعاملون بالحيل؛ الحيل الربوية وغير الربوية من المحرمات ما يكاد أن يقلعوا عنها؛ لأنهم يرون أنهم على حق؛ ولذلك لا يقلعون، لكن من فعل القبيح وهو يعتقده قبيحًا فإنه يوشك أن يُقلع عنه، ولهذا قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٢٤].
﴿