تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَّا يَسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾
ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ۩ ﴿٢٦﴾
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل ٢٥] على تفسير المؤلف يجب أن يوصل قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ لأنها متعلّقة بالجهة مفعول؛ لأن التقدير: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده؛ لقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل ٢٥]؛ إذ لا أحد يستطيع ذلك إلا الله، ما أحد يستطيع أن يخرج المخبوء في السماوات وفي الأرض إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فيجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه الرب وحده فيكون المعبود وحده كذلك.
* وبالآية دليل: - ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ - دليل على سعة علم الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
واستدل به الشافعي على ثبوت القدر، ثبوت العلم لله بأفعال العبد دليل على تقديره لها، ولهذا قال الشافعي في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا.
وهذا صحيح؛ لأننا نقول: إذا كنتم تقرون بأن الله عالم بأفعال الخلق فهل وقعت هذه الأفعال على حسب علمه أو على خلاف علمه؟ على حسب علمه؛ لأنكم تقرون أنه يعلمه.
إذن فقد وقعت على حسب علمه، فإذا كانت وقعت على حسب علمه لزم أن تكون بتقديره، وإلا لكان يمكن أن تقع على خلاف علمه إذا كانت من تقدير العبد واستقلال العبد فإنه لا يلزم أن تقع على حسب علمه، وأما إذا أنكروا العلم فإنهم يكفرون؛ لأن إنكار علم الله سبحانه وتعالى كفر.
وعندنا أيضًا حتى إنكار تقدير الله سبحانه وتعالى كفر؛ لأن الآيات والأحاديث صريحة بأن الله تبارك وتعالى مقدّر لأفعال العبد فإنكارها تكذيب للقرآن والسنة، وهذا هو الكفر.
ولكنه رحمه الله -الشافعيَّ- أراد أن يلزمهم بأمر متفق عليه، وهو أن إنكار علم الله كفر.
فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
* نستفيد بها -بناء على تقدير الشافعي رحمه الله- على إثبات تقدير الله سبحانه وتعالى لأفعال العبد.
* وفي هذه الآية: تحذير العبد من المخالفة علنًا أو سرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا علمت بهذا الأمر؛ بأن الله يعلم ما تخفي وما تعلن، ويش يلزم من ذلك؟ ألَّا تخالفه، لا تقل: أبغي أفعل هذا المحرم لأن الله ما يدري، أو أترك هذا الواجب لأن الله لا يدري، بل الله سبحانه وتعالى يعلم.
والإنسان لو علم أن المعظم عنده يعلم بأفعاله لترك ما لا يرضيه، لو علمت مثلًا أن أباك أو الرجل الذي تحترمه يعلم بما تفعل، هل تفعل ما يخالف رضاه؟ ما تفعل، لا سيما إذا كان محبوبًا لديك ومعظّمًا، فإذا كان كذلك فالرب سبحانه وتعالى من باب أولى، ولهذا ينبغي لك كلما دعتك نفسك إلى معصية، بل إلى مخالفة لترك أمر أو فعل نهي يجب عليك أن تتذكر هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى يعلم مخالفتك.
فيلزم من هذا أن ترتدع، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦)، وفي مسند الشاميين (٥٣٥، ١٤١٦) من حديث عبادة بن الصامت.]]؛ لأنك إذا علمت هذا العلم أوجب لك الاستقامة والثبات على الأمر.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا﴾ فيها قراءتان: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ و﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ .
أما على قراءة: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ على حسب تفسير المؤلف فالمناسب: ﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ .
وأما على القراءة الثانية قراءة الكسائي: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ -وهي سبعية- تناسب ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ لأن (اسجدوا) فعل أمر، وفعل الأمر للمخاطب، فيقتضي أن الحالة التي بعده تكون للمخاطب أيضًا، يعني ألا يا قومي اسجدوا، وهو هنا لا يخاطب سليمان؛ لأن سليمان يسجد لله، لكنه لقوة استحقارهم ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بقوله: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ .
* وفي هذا دليل على إثبات عرش الله؛ لقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦].
والعرش: هو أعلى المخلوقات، وهو غير الكرسي، وليس هو الْمُلك كما قاله منكرو العلو الذين يقولون: إن المراد بالعرش الملك، فيقولون: استوى على العرش؛ أي: استولى على الْملك، هذا لا شك أنه ليس بصحيح، والعرش معروف عند العرب وفي اللغة العربية بأنه سرير الملك الخاص به.
* وفيه: إثبات انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإذا قال قائل: هذا النفي أو الحصر حقيقي، ولا إضافي؟
* طالب: إضافي بالنسبة..
* الشيخ: إذا قلنا: حقيقي، فهذا يلزم أن يكون (إله) ليس بمعنى بمعبود، والمعروف أن (إله) بمعنى معبود، إذا كان بمعنى معبود لزم أن يكون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سوى الله وهي الأصنام.
مثل معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا، وإن جعلناه حقيقيًّا فإننا يمكن أن نقول: إن لا إله إلا الله: أن المراد بالإله: الإله المستحق؛ يعني لا إله مستحق إلا الله، ولكن هذا التقدير يعود على الأول.
واعلم أن الله سبحانه وتعالى سمّى الأصنام آلهة، سماها آلهة في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت أنها آلهة، وفي آية أخرى نفى أن تكون آلهة فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٤٠]، والجمع بينهما ظاهر؛ أن إثبات كونها آلهة باعتبار هؤلاء العابدين لأنهم يعتقدونها آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإن هي أسماء باعتبار حقيقة الأمر فإنها ليست بآلهة تستحق أن تعبد، ولهذا نفى أن تكون آلهة؛ لأنها ليس لها حق في أن تعبد.
* طالب: وضّح يا شيخ معنى (لا إله إلا الله) في (...) الحصر الإضافي؟
* الشيخ: الحصر الحقيقي والإضافي إذا قلنا: إنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله صار حصرًا إضافيًا؛ يعني باعتبار أن يكون بحق فلا إله إلا الله، أما بحق وباطل فيوجد آلهة سوى الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا؛ يعني بالإضافة للإله الحق، وإذا قلنا: حقيقي؛ فهو باعتبار الواقع أنه لا يوجد إله إلا الله، وأن هذه الآلهة مجرد أسماء يكون الحصر حقيقيًّا باعتبار الحقيقة والواقع.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مؤداهم واحد، ولهذا أثبت الله الآلهة مرة، ونفاها مرة أخرى.
قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦].
* فيه: إثبات الربوبية لقوله: ﴿رَبُّ﴾ ورب بمعنى خالق ولَّا بمعنى صاحب؟
* طلبة: خالق؟
* الشيخ: بمعنى خالق، وهو أيضًا مختص به؛ إذ إن العرش لله سبحانه وتعالى وحده.
قال سليمان للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧].
* يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي التثبت بالخبر لا سيما عند قيام الشبهة، ولا لَّا؟ ما هي الشبهة القائمة هنا؟
* الطلبة: المدافعة يا شيخ.
* الشيخ: أن الهدهد قال ذلك مدافعة وإن كان بعيدًا؛ لأنه قال: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل ٢٢]، لكن لما كان هذا مقام دفاع فإنه ينبغي أن يتثبت الإنسان أكثر، ولهذا