تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالُوا۟ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٩٦﴾
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿