تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿٩٥﴾
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿