×

الفرقان

الآية ٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٦﴾

قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا. وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦]. إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين: منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر. الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي.. تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه. إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة. ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني. قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه. والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو. * طالب: الصلوات. * الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ. والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه. * طالب: ربما يا شيخ (...)؟ * الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف. طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟ * طالب: تجوز. * الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة. * طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟ * الشيخ: لا. * الطالب: ما المعنى يعني؟ * الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...). * الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات. * الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز. * الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف. * الشيخ: نقطة واحدة؟ * الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة. * الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟ * الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد. * الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا. * طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟ * الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ . * الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟ * الشيخ: إي. * الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين. * الشيخ: الآن؟ * الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...). * الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة. * الطالب: للاسم. * الشيخ: بالشرطة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا. * طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟ * الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا. * الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟ * الشيخ: إي. * الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟ * الشيخ: ما فيه إشكال. * الطالب: ما فيه إشكال؟ * الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟ * طالب: ليُقْرَأ. * الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف. ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره. * طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة. * الشيخ: على هذه الصفة؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وين هو؟ * الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام... * الشيخ: ما أعرفه. * الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني. * الشيخ: إي. * الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ. * الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو. * الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ... * الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ. * الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة. * الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة. الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس. على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن. * طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟ * الشيخ: بالنسبة؟ * الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...). * الشيخ: إي. * الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟ * الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة. ﴿