×

الفرقان

الآيات ٧–٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ﴿٧﴾

أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ﴿٨﴾

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟ * طالب: (...) حال. * الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة. ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟ ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض. وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]. ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق. الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش). ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ. هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾. (﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها). (وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟ * طالب: سبعيَّة. * الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة. إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ . طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها. (﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله). ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل. * طالب: أولًا (...). * الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة. طيب، الثانية؟ * طالب: الاعتناء (...). * الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء. الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم. الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان. * طالب: العلة (...)؟ * الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية. الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره. والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل. والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه. و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر. ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...). نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها. أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟ * طالب: أنه بشرٌ. * الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر. ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.. * طالب: أيضًا. * الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق. * طالب: التواضع. * طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني. * الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه. إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟ طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به. طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟ * طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق. * الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟ * الطالب: مما يدل على (...). * طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]]. * الشيخ: طيب، وغير؟ * طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...). * الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة. * طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى... * طالب: (...). * الشيخ: نعم، طيب. * طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...). * الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟ * الطالب: على المال. * الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ. * طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله. * الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته. إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم. ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة. السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟ * طالب: بالآيات القرآنية. * الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن. * طالب: (...). * الشيخ: وغير هذا؟ * طالب: نرد عليهم (...). * الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩]. * طالب: كذلك ما أقول: إن (...). * الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام. * الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر. * الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟! قال الله تعالى: ﴿