تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًا وَزُورًا ﴿٤﴾
وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٥﴾
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿