×

النور

الآية ٥٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ ۚ بَلْ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٥٠﴾

قال الله تعالى: (﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: كفر، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أي: شكوا في نبوته، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُه﴾ في الحكم أي يظلموا فيه، لا، ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ [النور 50] بالإعراض عنه)، يقول الله عز وجل مُبَيِّنًا حال هؤلاء الذين يَرُدُّون ما حكم الله به ورسوله بأنهم لا يَخْلُون من هذه الأحوال الثلاثة: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، والمرض هو علَّة تصيب الصحيح فيخرج عن الاعتدال، هذا المرض، وهذا التعريف للمرض يشمل المرض الجسمي والمرض القلبي؛ فالمرض الجسمي في الحقيقة علة تصيبه فيخرج عن الاعتدال، كذلك المرض القلبي علة تصيب القلب فتُخْرِجه عن الاعتدال حتى ينحرف ولا يقبل الحق، فما هو المرض المشار إليه هنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، المؤلف فسَّره بالكفر، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن المراد به الإرادة السيئة، بدليل التقسيم، سواء كان كفرًا ولَّا نفاقًا ولَّا غير ذلك، المهم المرض الإرادة السيئة التي تصرفهم عن قبول الحق. ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾، هذا الشك، وهو مرض الشُّبْهة؛ لأنه مر علينا كثيرًا أن أسباب الانحراف عن الحق إما شبهة وإما شهوة، يعني إما أن الإنسان يشتهي أمرًا مخالفًا للشرع فيتبعه، وإما أن يكون عنده شبهة في هذا الحق فيمتنع منه. فنقول هنا: ينبغي أن يفسَّر المرض بأي شيء؟ بالإرادة السيئة التي هي الشهوة، أي: اشتهاء ما يخالف الشرع. (﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أي شَكُّوا)، هذا مرض الشبهة الذي يعرض للإنسان حتى لا يتبين له الحق، نضرب مثلًا لذلك؛ رجل أُمِرَ بأمر من الأمور، أُمِرَ أن يصلي، ولكنه قَدَّمَ أمرًا دنيويًّا على صلاته، ويش الذي في قلبه من الأمراض؟ مرض الشهوة. وآخر أُمِرَ أن يصلي لكنه شك في فائدة الصلاة، أو شك في وجودها، أو ما أشبه ذلك، هذا فيه مرض الشبهة. فالآن اللي معنا ﴿مَرَضٌ﴾ أي: إرادة سيئة، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ هذا الشك -والعياذ بالله-. الأمر الثالث: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، يعني: ما عندهم إرادة سيئة، ولا عندهم شك في حكم الله ورسوله، لكن عندهم شك آخر، ويش هو؟ في عدالة الله ورسوله، ولهذا هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، فيخشون من الميل والْجَوْر. وفي الحقيقة أن الميل والْجَوْر عندهم هم، ليس في حكم الله ورسوله، بل إن حكم الله ورسوله على الحق والعدل، ولكن الْجَوْر في ميزانهم هم؛ لأنهم هم الذين حادوا عما يجب أن يكونوا عليه من الامتثال والطاعة. ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، قال الله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿بَلْ﴾ هذه للإضراب، ولكن ما رأيكم في هذا الإضراب؟ هل هو إضراب إبطال، أو إضراب انتقال؟ المؤلِّف ويش يراه؟ قال: (لا)، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (لا)، ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ في القرآن، فموجَب كلام المؤلف أن الإضراب هنا للإبطال، ولذلك قَدَّر (لا) بعد الاحتمالات الثلاثة السابقة. وعندي أن الإضراب هنا ليس للإبطال، وإنما هو للانتقال؛ لأن حقيقة الأمر أن الذي لا يقبل حكم الله ورسوله لا يخرج عن هذه الأمور الثلاثة؛ إما أن عنده إرادة سيئة، ولَّا عنده شك، ولَّا خوف، ما نتصور أمرًا رابعًا يرد على هذه الاحتمالات الثلاثة. ثم إن وصفهم بالظلم لا يخرج عن هذه الاحتمالات الثلاثة أيضًا، فمَن في قلبه مرض فهو ظالم، ومن في قلبه شبهة فهو ظالم، ومن خاف أن يحيف الله عليه ورسوله فهو ظالم. إذن فالمسألة من باب الإضراب الانتقالي، وليس من باب الإضراب الإبطالي. كلمة ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، (أم) في هذه المواضع هل هي للتسوية التي بمعنى (أو)، أو للإضراب الذي بمعنى (بل)؟ * طالب: تحتمل. * الشيخ: تحتمل؟ كيف الاحتمال؟ * الطالب: أو تكون (...). * الشيخ: يعني هل إن هذه بمعنى (بل) ولَّا بمعنى (أو)؟ مر علينا فيما سبق أن التي بمعنى (أو) هي التي تأتي بعد همزة التسوية، مثل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، هذه هي التي بمعنى (أو)، ويسمونها متصلة، وأما التي تأتي بمعنى (بل) فهي التي لا يسبقها همزة التسوية، وتسمى منقطعة. وعلى هذا فـ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ﴾ هذه منقطعة بمعنى (بل)، وهي وردت كثيرًا في آخر سورة الطور: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ أيش بعدها، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ إلى آخره [الطور: ٣٠، ٣٣]، كثيرة في آخر سورة الطور، منقطعة بمعنى (بل)، وهمزة الاستفهام. فهي هنا منقطعة وليست متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بعد همزة التسوية، وتكون بمعنى (أو)، وأما المنقطعة فهي التي لا تأتي بعد همزة التسوية وتكون بمعنى (بل). قوله: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾، هنا سجَّل عليهم الظلم، وأكَّدَه بنوعين من التأكيد، ما هما؟ * طالب: هم. * الشيخ: نعم. * طالب: ضمير الفصل. * الشيخ: بضمير الفصل، وبكون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين؛ لأن الجملة إذا كانت اسمية معرَّفة الطرفين فإنها تفيد الحصر، هنا (أولاء) مبتدأ، وهو معرِفة؛ لأنه اسم إشارة، ﴿الظالِمُونَ﴾ خبر، وهو معرفة؛ لأنه محلًّى بـ (أل)، وعلى هذا فأكَّد الله ظُلْمَهم بنوعين من التأكيد هما: كون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين، والثاني ضمير الفصل، وفوائد ضمير الفصل الذي يَرِد كثيرًا في القرآن وفي غير القرآن ويش فوائده؟ * طالب: (...). * الشيخ: اصبر، علشان التوكيد يجب أن نكون كلنا مستحضِرين؛ لأن أنا قلت لكم الآن في التقرير: إن هذه الجملة مؤكَّدة بنوعين من التأكيد، أحدهما: ضمير الفصل، والثاني: أنها جملة اسمية معرَّفة الطرفين، كان يعني المفروض إن كلنا نعرف هذه، ما يحتاج، هذه واحدة. * طالب: (...). * الشيخ: أتوا إليه مذعنين يعني: منقادين مطيعين، فصاروا إنما يتبعون أهواءهم فقط، بيَّن حال المؤمنين، فقال: ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. أولًا: في إعراب قوله: ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه منصوب، والمعروف أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا الذي يليها منصوب، وجوابه أن هذا هو خبرها مُقَدَّمًا ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبرها مقدَّمًا، واسمها المصدر الْمُنْسَبِك من (أن) والفعل في قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، يعني: ما كان قولهم إلا هذا القول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وقوله: ﴿