×

النور

الآية ٥١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿٥١﴾

إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ﴾: إلى كتابه، وإلى رسوله؛ إليه شخصيًّا في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يقال فيه ما سبق في الآية نظيرها في الدرس الماضي. ﴿ليحكم﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الرسول ﷺ، وإنما أُسْنِدَ الحكم إليه؛ لأن حكمه تبليغ عن الله عز وجل، فيكون حكمه منتظِمًا لحكم الله أيضًا؛ إذ هو المبلِّغ عن الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يشمل ما تنازعوا فيه من الخصومات، وما اختلفوا فيه من الأحكام؛ فإن الحاكم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، لا في الخصومات التي تحدث بين المتشاجرين، ولا في الأحكام التي يختلف فيها الناس، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى﴾ من؟ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدوهُ إِلَى اللهِ وَالرسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]. فالمؤمنون إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فقولهم: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ بآذاننا، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ بجوارحنا، فهم يسمعون وينقادون، والطاعة -كما مر- شاملة لفعل الأوامر وترك النواهي، شاملة للأمرين جميعًا، عكس الذين يقولون: سمعنا، وهم لا يسمعون، أو يقولون: سمعنا وعصينا، فيقولون: سمعنا، ولا ينقادون، أو يقولون يُصَرِّحُون بالعصيان، يقولون: سمعنا وعصينا، المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا. وقول المؤلف: أي (القول اللائق بهم)، يعني إنه ما كان قولهم اللائق، فظاهر كلام المؤلف أن المسألة على سبيل التقدير والفرض، أي: ما يُفْتَرَض إلا أن يقولوا هذا، ولكن الحقيقة أن هذا هو الواقع، ما هو بالقول اللائق فقط، بل هو القول اللائق الواقع، فهم ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، مثلما قال الله عنهم، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وكوننا نجعل هذا قولًا لائقًا أي مقدَّرًا ومفروضًا، وهذا هو اللائق بهم، خلاف ظاهر القرآن؛ فإن قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله يقولون: سمعنا وأطعنا، سمعًا وطاعة، وعلى الرحب والسعة، فهذا قولهم اللائق الواقع منهم، إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ما يقولون: والله رأي فلان خلاف ذلك، ورأي فلان خلاف ذلك، والناس على خلاف ذلك، وما أشبه هذا، ما يقولون هذا الأمر، يقولون: سمعنا وأطعنا. وهكذا الواجب على كل مؤمن، فمن لمن يقل هكذا فليس بمؤمن، إما أنه قد انتفى عنه الإيمان بالكلية، أو هو ناقص الإيمان. قال الله عز وجل: و(﴿سمعنا وأطعنا﴾ بالإجابة، ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ حينئذ، ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون). ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، (هم) ضمير فصل، وقد مرت علينا فوائده الثلاث: الحصر، والتأكيد، وتمييز الخبر من الصفة. ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ أي: الذين يقولون: سمعنا وأطعنا إذا دُعُوا إلى الله ورسوله، ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال المؤلف: أي (الناجون). والأصح أن الفلاح ليس نجاة فقط، بل نجاة من المرهوب، وإدراك أو حصول للمطلوب، فالْمُفْلِح هو الذي نجا مما يكره، وأدرك ما يحب، هذا هو الْمُفلِح، إذن هؤلاء هم الذين نَجَوْا من المرهوب؛ لانتفاء العصيان منهم، وأدركوا المطلوب؛ لحصول تمام الطاعة منهم، فبالطاعات حصول المطلوب، وباجتناب المعاصي النجاة من المرهوب. وحَصْر الفلاح في هؤلاء يدل على أن من سواهم غير مُفْلِح، لكن إن انتفى عنه الإيمان كله انتفى عنه الفلاح كله، وإن انتفى عنه بعض الإيمان انتفى عنه بعض الفلاح، إذن وظيفة المؤمن فيما إذا دُعِيَ إلى حكم الله ورسوله، أو فيما إذا اطَّلَع هو بنفسه على حكم الله ورسوله، الواجب وظيفته أن يقول: سمعنا وأطعنا، ما يلتفت يمينًا أو شمالًا، أو يُؤَوِّل، أو يُحَرِّف، لا، يقول: سمعنا وأطعنا انقيادًا تامًّا وسمعًا تامًّا؛ لأن بذلك يتحقق الإيمان. والإنسان الذي ينقاد لحكم الله سبحانه وتعالى بهذه السهولة وبهذه المطابقة هو الذي يستريح، ولا يحصل عنده قلق؛ لأن مَن عَوَّدَ نفسه التردد في قبول الأحكام الشرعية ولو في حكم واحد فإن النفس تجبره على أن يتردد في كثير من الأمور الشرعية، يقول الله عز وجل: ﴿وَنقُلبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يؤُمِنُوا بِهِ أَولَ مَرةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان إذا عَوَّدَ نفسه قبول الحق من أول وهلة، وبدون أي قلق أو تردد في تنفيذه فإنه يسهُل عليه بعد ذلك الانقياد لجميع الأوامر، وعدم الالتفات والتردد، ولكنه إذا فعل ولو مرة وترَدَّد في أمر من الأمور من الأحكام الشرعية، يعني بعد أن يثبت عنده، دعني من التردد في الثبوت؛ التردد في الثبوت هذا شيء آخر، يعني له أن يتردد في الثبوت إذا كان الحديث مثلًا ضعيف السند، أو ما أشبه ذلك. لكن إذا ثبت عنده الحكم أن هذا حكم الله ورسوله فإن تردده في قبوله هذا خطر عليه جدًّا؛ لأنه يؤدي إلى التردد في الأحكام الأخرى المستقبَلة، ونظير ذلك في الحكم القدَرِي أيضًا، الإنسان الذي لا يُمَرِّن نفسه على الصبر على أحكام الله، وعلى قضائه وقدره، يبقى قلِقًا دائمًا متعبًا من الأحكام القدَرِية التي لا تلائمه. فإذا تَمَشَّى مع القضاء والقدر، وصار إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابه شر صبر عليه، وهو مُتَمَشٍّ مع القضاء والقدر، فإنه بذلك يستريح ولا يقلق أبدًا، تجد الإنسان الذي يريد من الله عز وجل أن يكون قضاؤه وقدره فيما يلائمه تجده دائمًا في قلق؛ لأن القضاء والقدر ليس على ما تريد، كما أن الشرع أيضًا ليس على ما تريد. الشرع ليس على ما يريد الناس، والقضاء والقدر ليس على ما يريد الناس، فمن تَمَشَّى معهما؛ مع هذين الحكمين، فإنه سوف يجد الفلاح والطمأنينة، والحياة الطيبة، ومن قَلِقَ منهما أو من أحدهما فإنه سيبقى في قلق، إن كان من الأمر القدري بقي في قلق وحزن؛ لأن الأمور ما تيجي على ما ينبغي، وإن كان في الأمور الشرعية كذلك أيضًا ينفتح عليه باب التردد في قبول أحكام الله وتنفيذها. * * * (﴿