×
النورالآية ٣٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿٣٩﴾

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] لما ذكر الله سبحانه وتعالى أعمال هؤلاء الرجال -تلك الأعمال الفاضلة- ذكر أعمال الذين كفروا ما شأنهم، وهذا طريقة الله تعالى في كتابه: إذا ذكر وصف المؤمن ذكر بعده وصف الكافر، أو بالعكس، وإذا ذكر وصف الجنة ذكر بعده وصف النار، أو بالعكس؛ لأن القرآن مثاني تثنى فيه المعاني ويقابل بعضها ببعض، هذه واحدة، ولأن الإنسان إذا ذكرت له أوصاف أهل الخير وأوصاف الجنة قد يغلب عليه جانب الرجاء فيهلك، وإذا ذكر صفات النار وصفات أهل الشر يغلب عليه أيش؟ * طلبة: الخوف. * الشيخ: الخوف، فيهلك أيضًا؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل الأولى أن يغلب الإنسان جانب الرجاء، أو جانب الخوف، أو يجعلهما سواء؟ فقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب عليك الخوف وقعت في القنوط من رحمة الله، وإن غلب عليك الرجاء وقعت في الأمن من مكر الله، وكلاهما طريق لا يليق بالمؤمن. وقال بعض العلماء: ينبغي للمريض أن يغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، وينبغي للصحيح أن يغلب جانب الخوف. وقال آخرون: ينبغي عند فعل المعصية أن يغلب جانب الخوف، ويش لأجل؟ لأجل يرتدع؛ لأنه لو غلب جانب الرجاء قال: الله غفور رحيم وأرجو أن يغفر الله لي وأعمل المعصية، وعند فعل الطاعة يغلب جانب الرجاء؛ أن الله سبحانه وتعالى يقبل منه ويثيبه حتى لا ييأس، قال: ويدل على ذلك مثل قول النبي ﷺ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) من حديث أبي هريرة. ]]، كذلك اعبد الله وأنت على رجاء أن يتقبل منك. وعلى كل حال هذا القول في ظني أنه أرجح الأقوال؛ أنه عندما يكون الإنسان في جانب التعبد وفعل العبادة يغلب الرجاء، ما هو معنى عاد أنه يجزم بالرجاء بهذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠] يعني: خائفة ألَّا يقبل منها، لكن المعنى: أنه يغلب هذا مع الخوف، وأما في جانب فعل المعصية فيغلب جانب الخوف؛ لأجل ألَّا يقدم عليها معتمدًا على الرجاء. على كل حال نحن شطحنا قليلًا، لكن قصدنا أن القرآن الكريم يذكر الله تعالى فيه هذا وهذا؛ ليكون سير الإنسان معتدلًا. قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (جمع (قاع)؛ أي: في فلاة، وهو شعاع يُرَى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري) هذا تفسير للسراب، والقيعة هي: الفلاة، السراب بالقيعة أظنكم تعرفونه كلكم، في شدة الحر عندما تكون في فلاة من الأرض، (قيعة) يعني: جمع (قاع)، بخلاف الرملية ما يكون فيها هذا الشيء، لكن القيعان ترى من بعد كأن في ذلك الجانب ماء، فتظنه ماء فتقصده، هؤلاء الكفار أعمالهم هكذا مثل السراب بالقيعة يحسبه الظمآن ماء وليس بماء، كيف ذلك؟ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، فيظنون أن هذا الشرك الذي يبعدهم عن الله حقيقة، أيش يظنونه؟ * طلبة: يقربهم. * الشيخ: يقربهم من الله عز وجل، يظنون هؤلاء الشفعاء الذين سيتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] يظنونهم أيش؟ * طلبة: شفعاء. * الشيخ: يظنونهم شفعاء، وتعرفون أن النفس إذا تعلقت بالشيء على أنه شفيع أو على أنه مقرب لها إلى الله تتبعه ولَّا لا؟ تتبعه بلا شك، هؤلاء مثل السراب في القيعة. (﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ ﴿يَحْسَبُهُ﴾ يظنه، ﴿الظَّمْآنُ﴾ أي: العطشان، ﴿مَاءً﴾ )، هذا تشبيه بليغ؛ يعني أنه يقصده بشدة ولهف معتقدًا أنه ينقذه، العطشان محتاج للماء ولَّا لا؟ فإذا رأى ما يشبه الماء قصده بشدة ولهف، ويش لأجله؟ لأجل أن يدفع ضرورته به، هل يظنه ينفعه ولَّا لا؟ نعم، يظنه ينفعه، ولولا أنه يظنه ينفعه ما ذهب إليه، لكن النتيجة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لم يجده شيئًا مما حسبه، إذا جاءه لم يجده شيئًا، ماذا تتصورون حاله حينئذٍ؟ خيبة أمل عظيمة -والعياذ بالله- ما يتصورها أحد؛ إنسان عطشان جاء إلى هذا السراب من بعيد، ولاحظوا أيضًا أن السراب ما هو يتراءى في الأماكن القريبة، في البعيد أبعد ما تراه، من مكان بعيد يريد أن يشرب، فتكون النتيجة أنه لم يجد شيئًا مما حسبه. يقول المؤلف: (كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقة تنفعه، حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله؛ أي: لم ينفعه، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند عمله، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أي: أنه جازاه عليه في الدنيا، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: المجازاة). هذا الكافر يظن أن عمله ينفعه، وتمثيل المؤلف لذلك بالصدقة فيه نظر؛ لأنه ينبغي أن (...)؛ يعني إلا إذا قصد بذلك ضرب المثل، إذا قصد به ضرب المثل فهذا صحيح، هذا من جملة الأعمال التي يفعلها الكفار يظنون أنها تنفعهم وهي لا تنفعهم، ولكن ينبغي أن يقال: هي أعم من ذلك، ليس المراد فقط الصدقة، بل حتى عبادة الأصنام يظنونها، ويش يظنونها؟ * طلبة: تنفعهم. * الشيخ: تنفعهم؛ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، ومع ذلك هذا كله لا ينفعهم، سوف لا يجدون شيئًا مما يظنونه ويحسبونه. وقوله: ﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عند أيش؟ عند هذا السراب؛ لأنه الآن وصل إلى الموت، فإذا مات فقد لاقى الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، هذا ظاهر السياق. أما على رأي المؤلف فيجعل (﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند عمله) تفريعًا على قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأن (الذين كفروا) عام فكأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الكافر؛ عمله كذا وكذا، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي:عند ذلك العمل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ﴾ ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، ولكن ظاهر الآية أن الضمائر تعود على أي شيء؟ * طالب: أقرب مذكور. * الشيخ: على أقرب مذكور، وهو هذا العطشان الذي وصل إلى الماء عطشان فلم يجد شيئًا فسيهلك. ﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ﴿حِسَابَهُ﴾ يعني: جزاء عمله، وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: المجازاة، ما المراد بالسرعة هنا؛ هل المراد لقرب وقت المجازاة، فتكون السرعة زمنية، أو المراد إنجاز الحساب، فتكون السرعة عملية، أو كلاهما؟ ﴿اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ هل المعنى أنه في محاسبته سريع، أو معناه حسابه للعباد قريب؟ * طالب: يحتمل ويحتمل. * الشيخ: يحتمل كلهم، فالحساب قريب، حتى وإن طال في الدنيا بالإنسان فإنه قريب، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، وكذلك عندما يحاسب الله الخلائق يوم القيامة يحاسبهم في نصف يوم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] استنبط العلماء من ذلك: أنهم سيقيلون في منازلهم في نصف ذلك اليوم، ولكن على كل حال اليوم الذي أشار الله إليه مقداره خمسين ألف سنة، ومهما يكن من شيء فالله قادر على ما هو أبلغ من ذلك، لكن مع هذا هذه سرعة عظيمة وقدرة بالغة، حتى لو الخمسين ألف سنة خمسة وعشرين ألف سنة، الخلائق من أولهم إلى آخرهم ما بين آدمي وجني وطير وغيرهم في نصف يوم. الآن لو يحاسب الإنسان شخصًا يعامله لمدة سنة، كم يبقى إذا كان الحساب دقيقًا وكثيرًا؟ يبقى مدة، وقد يكون الحساب مضبوطًا وقد لا يكون مضبوطًا، أما حساب الله عز وجل فهو مع سرعته لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. هذا مثلٌ لكافر عمل يريد التقرب إلى الله عز وجل، أو مثل آخر: ﴿