×

النور

الآية ٤٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ﴿٤٠﴾

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور ٤٠] (أو) هنا ليست للشك بلا ريب، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى منزه عن الشك، الشك إنما يكون لقصور علم الإنسان، أو لقصور علم الشاك، أما الله عز وجل فعلمه واسع؛ يعني ما يمكن يقول الله سبحانه وتعالى: الذين كفروا أعمالهم إما مثل ذا أو مثل ذا، على سبيل الشك، كما تقول مثلًا: أنا رأيت هذا الشيء وهو يشبه كذا أو كذا، هذا لا يمكن أن يكون في حق الله عز وجل، إذن فـ(أو) للتنويع في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ يعني: أو أعمالهم كظلمات، إلى آخره. (﴿أَوْ﴾ الذين كفروا أعمالهم السيئة، ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق، ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي: الموج، ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي: الموج الثاني، ﴿سَحَابٌ﴾ أي: غيم، هذه ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظلمة البحر، وظلمة الموج الأول، وظلمة الثاني، وظلمة السحاب) أربع ظلمات، (﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ أي: الناظر، ﴿يَدَهُ﴾ في هذه الظلمات، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب من رؤيتها، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده له لم يهتد). هذا قسم ثانٍ من الكفار، الأول في حال الكافر المجتهد الذي يظن أن عمله ينفعه، وهذا الثاني في حال المقلد اللي ما يدري في ظلمة يسير معها العالمَ مع الكفار وهو لا يدري. ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ البحر معروف، واللجي: العميق، وكلما كان البحر أعمق كانت ظلمته أشد، هذا أيضًا ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ ﴿يَغْشَاهُ﴾ بمعنى: يغطيه، يغطي هذا الكافر موجٌ، ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيضًا أمواج عالية، ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾. ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ ويش حد الموج الثاني من الأول؟ * طالب: (...). * الشيخ: عند البحر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا قصدي علوه؛ لأنه في الحقيقة سيكون أظلم كلما علا، ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾: الماء. * طالب: (...). * الشيخ: من أين هذا؟ * الطالب: من السحاب. * الشيخ: السحاب فوق، لا قصدي ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، أمواج، لكن هل المانع الموج الثاني، ويش اللي يميزه من الموج الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: زين، هذه واحدة، إما أن يقال بالاتجاه؛ يعني يتلاقوا؛ واحد من هنا جاي، والثاني أعلى منه جاي من جهة ثانية، علشان يتبين علو هذا على ذاك، أو أنها أمواج متلاحقة؛ يعني مثلًا موج مقبل (...) الجبال، ووراءه موج آخر أرفع منه، فإذا لحقه صار موجًا من فوقه موج، أما أنه موج واحد ما يمكن يسبق بعضه عن بعض، ومن شاهد البحر وجد الأمر كذلك؛ تجد أمواجًا متلاحقة، أحيانًا إذا انعكس الهواء تتقابل، وأحيانًا تتلاحق، لكن هذه المتلاحقة أيضًا تجد -سبحان الله العظيم- أحيانًا مثل الدرج؛ يعني: بعضها فوق بعض، هذا هو ما ضربه الله سبحانه وتعالى في المثل. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ والسحاب في الحقيقة مراتب في الجو، ما هو على ظننا أنه في طبقة واحدة، لا، في طبقات متباعدة جدًّا، وهذا يعرفه الإنسان إذا ركب الطائرة، يجد أحيانًا سحابًا بينه وبين الطائرة من أسفل مثل ما بين السحاب والأرض، وسحاب من فوقه بينه وبينه مثل ما بين الطائرة والأرض، وهو بينهما، وهذا شيء معروف مشاهد، فالظاهر -والله أعلم- أن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ مثل قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾؛ بمعنى أن السحاب يكاد يكون ملاصقًا لهذه الأمواج، ومنه الضباب؛ الضباب لا شك أنه يقرب من سطح البحر. * طالب: ما (...) بعيد عن البحر (...) قد يحجب الرؤية (...) سواء كان..؟ * الشيخ: نعم، يمكن، سواء كان قريبًا. * الطالب: (...) فيحدث الظلمة، أو قريب من الغروب فهي معه. * الشيخ: ما فيه شك، لكن أيهما أشد؟ * الطالب: إذا قرب. * الشيخ: إذا قرب أشد، ويمكن أيضًا أن يراد بالسحاب ما يشمل الضباب؛ لأن حقيقة الأمر أن الضباب سحاب؛ لأنه ينسحب على الأرض، فإذا تبين ذلك صارت الظلمة واضحة جدًّا لكثرتها. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ التهويل في هذا المثل؛ يعني كان يكفي أن يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، لكن لأجل تهويله في النفس وبيان عظمته قال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، ويش أقرب شيء لك؟ من أقرب ما يكون لك اليد، بل هي أقرب شيء لك من الأعضاء المتحركة التي يمكن أن تُرى، يمكن أن تخرج ويمكن ما تخرج، إذا أخرجت يدك، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أيش رأيكم هل معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أنه يراها بصعوبة أو لا يراها؟ * طالب: يراها. * طالب آخر: لا يراها. * الشيخ: لا يراها، طيب ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] ذبحوا ولَّا ما ذبحوا؟ * طلبة: ذبحوا. * الشيخ: طيب. * طالب: يراها. * الشيخ: يراها بصعوبة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يقول النحويون تقريبًا: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، فإذا قلت: لم أكد أفعل، فمعناه: فعلت لكن بَعد بُعد، و﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ على هذه القاعدة: رآها لكن بَعد بُعد الرؤيا وصعوبتها، لكن الظاهر كما قال آخرون من النحويين: إن (كاد) نفس الشيء مثل غيرها؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن هي بمعنى (قارب)، فإذا قلت: كدت أفعل؛ أي: قاربت أن أفعل، هل أنت فعلت ولَّا لا؟ * طالب: ما فعلت. * الشيخ: ما فعلت، لكن قاربت، فهل هي أتبتت ولَّا نفت الآن؟ أثبتت المقاربة، لكن علمنا انتفاء الفعل من المقاربة، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب أن يراها، كما قال المؤلف أو المفسر، لم يقرب أن يراها، إذن إذا كان ما يقرب يراها فانتفاء الرؤيا من باب أولى وأحوط، كذا؟ وأما قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] فهذا لولا قوله: ﴿ذَبَحُوهَا﴾ ما دلت الآية على أنهم ذبحوها، لكن معنى ﴿ذَبَحُوهَا﴾: بعد أن كانوا بعيدين عن الذبح وما قصدوه ولا نووا أن يمتثلوا، بل قالوا لنبيهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة ٦٧] بَعد هذا البُعد عن الفعل، وبعد أن أجيبوا لطلباتهم ذبحوها، فهمتم الآن؟ تصير الآية على ما هي عليه. و(كاد) أيضًا كغيرها من الأفعال؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن لما كانت تدل على القرب صار الرجل إذا قال: كدت أن أفعل، معناه: ما فعل؛ لأن كلمة قاربت الفعل؛ يعني: ولم أفعل، لم أكد أفعل، إذا ما سبق شيء يدل على الفعل فإنه يقينًا ما فعل، مثل قول عمر: «ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب»؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر، إذن صلاها ولَّا ما صلاها؟ * طالب: صلاها. * الشيخ: لا، ما صلاها، «ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قاربت صلاة العصر، هو ما صلى إلا بعد الغروب مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كأنه في الأول ما تهيأ له أن يقرب من الصلاة، فضلًا عن أن يصليها، المعنى: أني انشغلت؛ شغلهم الكفار إلى قرب غروب الشمس، فما قارب أن يصلي، ومقاربة الصلاة يا إخواني بالتهيؤ لها، يقول: ما تهيأت ولا تهيؤ للصلاة حتى قاربت الشمس أن تغرب؛ ولهذا صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العصر بعد غروب الشمس. فالحاصل إذن أن الصحيح خلاف ما قاله بعض النحويين: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، بل الصواب أن (كاد) كغيرها، ويش كغيرها؟ من أن إثباتها إثبات ونفيها نفي، لكنها هي بمعنى المقاربة؛ ولهذا هي عدَّت عند النحويين من أفعال المقاربة، فمن نفى أن يقارب الشيء فإنه قطعًا لم يفعله، ومن أثبت أنه مقارب له فهو أيضًا قطعًا لم يفعله؛ لأن كلمة: قاربت الفعل؛ أي: ولم أفعله، هذا معناه. فإذا قيل: لم يكد يفعل كذا ولم يسبق ما يدل على فعله، فإنه لم يفعله، فإن سبق ما يدل على فعله مثل: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا﴾ [البقرة ٧١] دل ذلك على أنهم كانوا قبل الذبح بعيدين عن الامتثال ولا كادوا يفعلون، إلا أنه بعد الإلحاح وبعدما قالوا: يبين لنا، وبُيِّن كما طلبوا، بعد ذلك أجيبوا؛ ولهذا في الحقيقة هذه مثلٌ ينبغي للإنسان أن يعتبره بنفسه أنه عندما يؤمر بالأمر لا يجب (...) على نفسه وراء كذا وراء كذا؛ لأن هذا خطير، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]؛ ولهذا يجب على المسلم إذا علم بالشرع أن يستسلم، ولا بأس فيما بعد فيما يقرر على نفسه أنه ملتزم، لا بأس فيما بعد أن يتعلم الحكمة؛ لأن السؤال عن الحكمة لا ينافي الانقياد لكن المهم، ويش المهم؟ أن يستسلم أولًا، ولا يورد إيرادات وشبهات، ولم كذا؟ ولم كذا؟ ثم بعد ذلك يسأل إذا شاء. (...) سبق أن الله سبحانه وتعالى بيَّن أن أعمال الكفار تنقسم إلى قسمين؛ قسم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وقسم آخر كظلمات في بحر لجي، وهذا التقسيم وهذا التنويع باعتبار حال الكفار، فالأول -والله أعلم- لمن عنده فهم واجتهاد، والثاني لمن عنده جهل وضلال كعوام (...). سراب بقيعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ويش هي تكون؟ * طالب: الفلاة من الأرض. * الشيخ: الفلاة من الأرض، (القاعة) جمع (قاع) وهي الفلاة من الأرض؛ يعني: الأرض الواسعة البعيدة اللي بقاع (...)، قاع ولَّا لا؟ (...) القاع: الأرض الغوراء. ما هو السراب؟ * طالب: السراب هو (...). * الشيخ: كأنه ماء (...). ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه. قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور ٣٩] الضمير في ﴿عِنْدَهُ﴾ يعود على أي شيء ؟ * طالب: العمل. * الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الظمآن. البحر اللُّجِّي ويش معناه؟ * طالب: العميق. * الشيخ: العميق، طيب. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ كيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟ * الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و.. * الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، ما هذه الظلمات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم. قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ * طالب: لم يقرب يراها. * الشيخ: زين، ونفي القرب؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟ ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك. ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟ * طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل.. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا. * الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا. * الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب. * طالب: (...) قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب.. * الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال. * الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا. * طالب آخر: (...). * الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم. * الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا. * الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، الفعل منين هو معلوم؟ * الطلبة: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني لولا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ ما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول ما لم يوجَدْ دليلٌ. إذن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ. (﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ). جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٥) من حديث جابر، و(٨٦٨ / ٤٦) من حديث ابن عباس. ]] وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟ الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة بقوله: ﴿مِنْ نُورٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿نُورٍ﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور. فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه! ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟ * طالب: (...). * الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه.. * طالب: بسبب نفسه. * الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟ * الطلبة: الاستمرار. * الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية. مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٤١] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام الداخل على النفي، وإذا دَخَل الاستفهام على النفي أفاد التقرير؛ مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شَرَحْنا لك صدرَك. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني: قد رأيتَ، فهمزة الاستفهام إذا دخلَتْ على النفي تفيد التقرير؛ أي: إثبات ما ذُكِرَ لا نَفْيه؛ مثلًا قال الله (...) نبيه ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. (...) لا تعَلُّق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غُلَاتهم أنكروا علمَ الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم. سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كلِّ شيء، حتى في أعمال الإنسان. * وفيه أيضًا -قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور ٣٨]-: كثرة رِزْق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى (بلا حساب) بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، حتى القطْرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدَّرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي إنه لا يكافئ الإنسانَ بحساب، بل بكثرةٍ كثيرةٍ (...). * * * ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه. قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور ٣٩] الضمير في ﴿عِنْدَهُ﴾ يعود على أي شيء ؟ * طالب: العمل. * الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الظمآن. البحر اللُّجِّي ويش معناه؟ * طالب: العميق. * الشيخ: العميق، طيب. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ كيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟ * الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و.. * الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، ما هذه الظلمات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم. قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ * طالب: لم يقرب يراها. * الشيخ: زين، ونفي القرب؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟ ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك. ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟ * طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل.. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا. * الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا. * الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب. * طالب: (...) قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب.. * الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال. * الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا. * طالب آخر: (...). * الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم. * الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا. * الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، الفعل منين هو معلوم؟ * الطلبة: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني لولا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ ما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول مالم يوجَدْ دليلٌ. إذن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ. (﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ). جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٥) من حديث جابر، و(٨٦٨ / ٤٦) من حديث ابن عباس. ]] وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟ الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة بقوله: ﴿مِنْ نُورٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿نُورٍ﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور. فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه! ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟ * طالب: (...). * الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه.. * طالب: بسبب نفسه. * الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟ * الطلبة: الاستمرار. * الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية. مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى.