×

النور

الآية ٣٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٨﴾

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ (أي: ثوابه، وأحسن بمعنى: حسن)، ما شاء الله، اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ هل هي للعاقبة وأن عاقبتهم هذا، أو هي للتعليل أيضًا؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون لأجل أن يجزيهم الله أحسن ما عملوا، فيكون هنا جمعوا -على قول لام التعليل- جمعوا بين الخوف والرجاء، أو نقول: للعاقبة، وأنهم يعملون تلك الأشياء خوفًا من الله عز وجل، فتكون عاقبتهم الأمن التام مع الثواب الجزيل؟ فيه احتمالان؛ إما أن تكون اللام للعاقبة؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون، وتكون عاقبتهم تلك وهو الأمن مما يخافون وحصول الثواب الجزيل، أو أنها للتعليل؛ يعني أنهم يفعلون ذلك لانتظار الجزاء. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ ثم هنا نناقش المؤلف. قال المؤلف: (أي: ثوابه)؛ لأنهم في الحقيقة لا يجزون بنفس العمل وإنما يجزون بأي شيء؟ * طلبة: الثواب. * الشيخ: بثوابه، الجزاء: الثواب؛ لذلك احتاج المؤلف أن يقدِّر العمل بثواب العمل؛ لأنه هو الذي به الجزاء، هذه واحدة. الثانية: يقول: (أحسن بمعنى: حسن)، ليش؟ لأنه توهم المؤلف، أو ربما يتوهم المتوهم أن الجزاء إنما يقع على أحسن ما يعمل الإنسان، والحقيقة أن الجزاء يقع على الأحسن والحسن، أليس كذلك؟ عندما يعمل الإنسان حسنًا، فإن الجزاء يكون على الحسن والأحسن، ولكن هذا التوهم لا يرد على تقدير المؤلف وهو أن المراد ليجزيهم الله ثوابه، يصير المعنى: ليجزيهم الله أحسن ثواب ما عملوا، وعليه فلا إشكال إطلاقًا، ولا نؤول (أحسن) بمعنى (حسن)؛ لأن تأويل (أحسن) بمعنى (حسن) تحريف، أيهما أكمل؟ أحسن؛ فلذلك نقول: الآية على ظاهرها، واسم التفضيل على بابه، والمعنى: أنهم يجزون أحسن ثواب لعملهم، كيف ذلك؟ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والإنسان لو عملت له عملًا وأعطاك أجرك مرتين، ويش يصير هذا؟ أحسن ثواب، لكن ثواب الله عز وجل أحسن وأحسن؛ لأن الله يضاعف لمن يشاء، فالأولى بل الواجب أن تبقى (أحسن) على ما هي عليه من التفضيل. نقول: (أحسن)؛ أي: أحسن ثوابٍ لعملهم، بيكون هنا الأحسن ليس للعمل، ويش الأحسن له؟ الأحسن للثواب. بقي علينا على التقدير الأول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾، لماذا جعل الله تعالى الحسن للعمل نفسه مع أن الحسن للثواب؟ إشارة إلى أن الجزاء بقدر العمل؛ ولذلك عبِّر به عنه؛ العمل، كما تدين تدان. فالإنسان الذي لا يصلي مثلًا، هل يثاب ثواب المصلي؟ لا، والذي لا يزكي لا يثاب ثواب المزكي، وهكذا، فالجزاء على العمل؛ ولذلك عبِّر به -أي بالعمل- عن جزائه، إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، لكنه جزاء أحسن ما يكون. وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (يقال: فلان ينفق بغير حساب؛ أي: يوسِّع، كأنه لا يحسب ما ينفقه)، قوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا زائد على ثواب العمل، وذلك ما يحصل من زيادة الأعمال الصالحة، وزيادة الرزق في الدنيا، وزيادة ما يدخر لهم عند الله في الجنة، كالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث الصحيح[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٨) من حديث صهيب.]]، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] أن المراد بالزيادة: الزيادة من الرزق في الدنيا، الزيادة من الثواب في الآخرة بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المعنى: أنه سبحانه وتعالى يعطي بغير تقدير، لكن ويش معنى: بغير تقدير؛ كيف نقول: بغير تقدير مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]؟ الجواب: أن هذا كناية عن كثرة العطاء؛ ولهذا يقال كما قال المؤلف: (فلان ينفق بغير حساب)، أيش معناه؟ يعني: يعطي عطاء كثيرًا لا حد له، وإلا فإن الله تعالى قد قدَّره بعلمه وحكمته، كل شيء حتى نقطة المطر إذا نزلت في الأرض فإنها بمقدار. إذن يكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مقدار، وهو كناية عن أيش؟ عن كثرة ما ينفق، لا عن كونه ينفق هكذا بدون أن يشعر بما ينفق، بل هو سبحانه وتعالى يعلم ما يرزق، وكيف يرزق، وأين يرزق، ولكنه تعالى لكثرة عطائه كالذي لا يحسب. * في هذه الآية من الفوائد فوائد كثيرة؛ منها: فضيلة المساجد، وبماذا نستدل عليه؟ بقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، فإن إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يدل على شرفها؛ لأن المكان يشرف بشرف العمل فيه، كما أن الزمان أيضًا يشرف بشرف العمل فيه، لماذا كان رمضان شريفًا؟ لمشروعية الصيام فيه وإنزال القرآن، ولماذا كانت (...) شريفة؟ لأن فيها المناسك وذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهكذا. * إذن يستفاد من ذلك: شرف المساجد؛ لأنها محل ذكر الله عز وجل وتعظيمه. * فيه أيضًا: مشروعية تعظيم المساجد، ومن ذلك؛ من تعظيمها: أن تطيب، ومن ذلك أيضًا: أن تنظف عن الأذى والأقذار. هل نقول: ومن ذلك أن ترخرف؟ لا؛ ولهذا جاء في الحديث: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» وحديث ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى»[[أخرجه أبو داود (٤٤٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالزخرفة هذا شيء لا يليق بالمساجد؛ لأن المساجد ليست بيوت دنيا، وإنما هي بيوت عمل للآخرة، لكن تنظف عن الأذى والأقذار وتطيَّب، وفرق بين التنظيف عن الأذى وبين إحداث الزخرفة؛ فإن التنظيف عن الأذى تنقية، لكن الزخرفة إيجاد أشياء لا تتناسب مع المساجد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تعظيم المسجد: ألَّا تدخل بالنعلين إلا وقد نظفته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، اللباس ما أدخل به. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ولا (...) ضرورة، نقول: السنة أن تصلي في النعلين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك[[أخرجه أبو داود (٦٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: «وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».]] وفعله بنفسه أيضًا[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥ / ٦٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: البيوت؟ * طالب: إي. * الشيخ: لا، الدور في اللغة: الحارات، يقال: هذه دار بني فلان، وهذه دار بني فلان؛ يعني: حارتهم، إي نعم (...) ذكر الله. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الأكل في المساجد، هذه تأتي إن شاء الله فيما بعد. * * * مثل -سلمك الله الأهوال عندما تحدث- لو بشِّر الإنسان؛ فإما أن ينسى ما بشِّر به لشدة الهول، وإما أن يخاف من أمر يصيبه قبل أن يصل إلى ما بشِّر به، واضح؟ عندنا مثلًا يقول لك الملك -ولله المثل الأعلى- ترى فأنت أعمل ما عليك، وتشوف الجلد في الناس والأسر والأخذ، ما تخاف؟ لا بد يحصل عندك خوف، مع أن هذا نقوله على سبيل التقريب، وإلا أهوال يوم القيامة ما يتصورها الإنسان. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الرسل عليهم الصلاة والسلام يعبرون الصراط ويقولون: اللهم سلم، اللهم سلم[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]. (...) كملنا الكلام على ما يستفاد من الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ والآن نبدأ ذلك جميعًا، بدأنا ذكر الفوائد فنقول، وبالله نقول سبحانه وتعالى: * فيها: تعظيم شأن المساجد؛ لقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا دليل على تعظيم شأنها. وبينَّا أن الإذن ينقسم إلى قسمين وهو: شرعي وكوني، والفرق بينهما: أن الشرعي ما يتعلق فيما شرعه الله وأحبه، والكوني فيما قدره سواء شرعه أو لم يشرعه، وذكرنا على ذلك أمثلة. * وفيه أيضًا: فضيلة ذكر الله سبحانه وتعالى في المساجد؛ لقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فضيلة تنظيف المساجد وحمايتها من الأذى؛ لقوله أيش؟ ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا من رفعها؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦) من حديث أنس بن مالك.]]. * وفيها: أن الذكر الأفضل أن يكون بالقلب واللسان، يؤخذ من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؛ لأنه ما يمكن ذكر الاسم إلا باللسان. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾. * وفيها أيضًا: الجمع بين إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه، من أين؟ ﴿يُذْكَرَ﴾ و﴿يُسَبِّحُ﴾؛ ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا إثبات صفة الكمال، ﴿يُسَبِّحُ﴾ نفي صفة النقص، عرفتم؟ وأظن سبق لنا قاعدة مهمة في باب التوحيد في الأسماء والصفات على أن النفي لا يراد به مجرد النفي، وإنما يراد.. * طالب: (...). * الشيخ: إي، مع النفي إثبات كمال ضده، فإذا نفى الله عن نفسه سبحانه وتعالى أنه يظلم ليس معنى ذلك مجرد نفي الظلم، ولكن من أجل إثبات كمال العدل؛ من أجل كمال عدله لا يظلم؛ لأن نفي الظلم مثلًا قد يكون من العجز عن الظلم، وقد يكون لعدم قابلية هذا المحل لكونه ظالمًا، عرفتم؟ قلنا مثلًا: إنه يقال: الجدار لا يظلم، لماذا؟ * طالب: ليس له قابلية. * الشيخ: إي، ليس قابلًا للظلم، القابلية معدومة، وتقول مثلًا: هذا الرجل الضعيف المهين -لرجل ضعيف مهين- تقول: هذا لا يظلم. * طالب: لعجزه. * الشيخ: لعجزه، فلا يكون مدحاً، لكن عندما تقول لقادر قابل لأن يكون ظالمًا من حيث هو ذاته، فهذا دليل على كمال عدله؛ ولهذا نفى الله الظلم عن نفسه متمدحًا به تبارك وتعالى، ولو كان غير قابل للظلم -كما قالت الجبرية- ما صح النفي. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح في الصباح والمساء، إذا قلنا: إن المراد بالغدو والآصال هذين الوقتين، فإذا قلنا: المراد بالغدو والآصال معناه: الاستمرار دائمًا، وإنما ذكر هذين؛ لأنهما طرفا النهار، لم يكن في هذا دليل على تخصيص هذين الوقتين، ولكن الظاهر من الأدلة أن لهذين الوقتين مزية؛ لأن الله دائمًا يأمر بالتسبيح في هذين الوقتين. * وفيها أيضًا: دليل على أنه كلما قوي الصارف ولم ينصرف الإنسان فهو أكمل ممن لا صارف له، من أين تؤخذ؟ ويش الوجه؟ * طالب: (...). * الشيخ: تمام، صحيح، فهم -مثلًا- هؤلاء الرجال لو كانوا ما يعرفون التجارة ولا يستطيعون التجارة قلنا: إن لجوءهم إلى بيوت الله من باب الضرورة؛ يعني لأجل (...) الوقت على أنفسهم ويتسلون بذلك، لكنهم قوم لهم تجارة، الصارف عن ذكر الله في المساجد موجود وهو التجارة، لكنها مع ذلك لا تلهيهم. * وفيها أيضًا: دليل على جواز الاتجار، وجهه أنه أثبت أنهم يتجرون في مقام المدح، ولو كان الاتجار حرامًا أو مذمومًا ما صح أن يؤتى به في سياق المدح، فالتجارة لا بأس بها، ما يقال للإنسان: لا تتجر، لا تعمل. ولكن على كل حال للناس أغراض في تجاراتهم؛ أحد يريد بالتجارة أن تكون وسيلة له إلى الآخرة، وأناس يريدون بالتجارة الدنيا فقط، واختلاف الناس في هذا باب واسع، فمن اتجر ليكسب مالًا يعين به محتاجًا، ويتقرب به إلى الله، ويفعل مشاريع الخير، هذا يحمد عليه؛ ولهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام قرينًا لأي شيء؟ جعله قرينًا للعلم النافع حيث قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَعْلِّمُهَا، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦ / ٢٦٨) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، وهذا دليل على فضيلة المال إذا كان عونًا على طاعة الله. * وفيه دليل: على فضيلة إقامة الصلاة، أيش وجه ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن أيش إقامة الصلاة له شأن ومزية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من اللي يعرف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا * طالب: (...). * الشيخ: (...)، لا أنا قصدي أن الصلاة لها مزية على غيرها. الصلاة هي من ذكر الله ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هي من ذكر الله، فخصها بالذكر من بين الذكر، والتخصيص بعد التعميم يدل على فضيلة المخصص ومزيته، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] الروح جبريل، خصه بالذكر مع أنه من الملائكة لشرفه وفضله، فتخصيص الصلاة وإقامتها بعد ذكر ما هو أعم دليل على مزيتها، وكذلك أيضًا إيتاء الزكاة. وهاتان العبادتان هما أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة؛ لأن إقامة الصلاة هي الركن الثاني، وإيتاء الزكاة الركن الثالث، ودائمًا يقرن الله سبحانه بينهما في القرآن. * وفيه دليل أيضًا: على أن من تعبَّد لله خوفًا فهو محمود، من أين تؤخذ؟ ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على من تعبَّد خوفًا من العذاب فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، وهنا قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، وأثنى الله تعالى على من تعبد طلبًا: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. وفي هذا رد بيِّن على من ذهب من الصوفية أو غيرهم إلى أن الأفضل في التعبد ألَّا يقصد الإنسان حظًّا لنفسه، وإنما يعبد الله لذاته فقط؛ يعني عندما تعبد الله لا تقصد أنك تريد فضل الله أو تحذر عقابه، يقول: اعبد الله لله. فيقال لهم: لستم أكمل حالًا من النبي ﷺ وأصحابه، وقد ذكر الله عنهم أنهم كانوا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، ولستم أكمل حالًا ممن أثنى الله علهم من الأبرار، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان ٥] إلى أن قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، ولا شك أن الإنسان الذي يعبد الله سبحانه وتعالى لينال فضله وينجو من عقابه هو يريد الوصول إلى رضوان الله وإلى رؤية الله عز وجل؛ لأن من جملة النعيم في الجنة رؤية الله سبحانه وتعالى. * وفي هذا دليل: على عظم يوم القيامة وأهواله الشديدة؛ لقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. (...) ليست خاصة، بل (أل) فيها للعموم؛ يعني كل القلوب تتقلب، وكل الأبصار تتقلب، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يخافون ويخشون، ولكن مع ذلك أهل الخير يؤَمَّنُون، مع خوفهم يؤَمَّنُون، ومعلوم أن الذين يؤَمَّنُون لا شك أنهم يهون عليهم هذا اليوم؛ ولهذا قال الله تعالى في يوم القيامة: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان ٢٦]، فيفهم منه أن هذا اليوم مع عظمه وأهواله وشدته يكون على المؤمنين يسيرًا، وإلا فهو في ذاته عظيم جدًّا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. * وفيه أيضًا دليل: على أن الجزاء من جنس العمل، بل هو في الطاعات أحسن من العمل، من أين نأخذه؟ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ شيئًا فوق ما عملوه. * وفيه دليل: على علم الله عز وجل، من أين نأخذها؟ لأنهم إذا كانوا يجازون بأحسن ما عملوا، فلا مجازاة إلا بعد علم المجازي، يعلم ما عمل ثم يجازيه عليه. * وفيه أيضًا: إثبات القدرة من إثبات الجزاء، فإنه لا يجزي إلا من كان قادرًا، لو أنك صنعت إلى إنسان معروفًا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢) والنسائي في المجتبى (٢٥٦٧) من حديث عبد الله بن عمر. ]]، فالله سبحانه وتعالى لتمام قدرته لا ينقصه ما أعطى العاملين من ثوابهم وأجرهم. * وفيه: إثبات المشيئة لله؛ ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أو لا؟ وإثبات المشيئة لله في حقه -أي: فيما يتعلق بفعله- أمر متفق عليه فيما أعلم، ما خالف فيه مبتدعة ولا غيرهم، ومشيئة الله بالنسبة لما يتعلق بأفعال الخلق خالف فيها طائفة تسمى القدرية؛ حيث زعموا أن العبد مستقل بعمله، وأنه لا تعلق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غلاتهم أنكروا علم الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء، حتى في أعمال الإنسان. * وفيه أيضًا -قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ -: كثرة رزق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى بلا حساب بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله يقول ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، حتى القطرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن بغير حساب؛ أي أنه لا يكافئ الإنسان بحساب، بل بكثرة كثيرة (...) كثيرًا لا يحسب، وهذه معروفة يقال: فلان ينفق بلا حساب؛ يعني: ينفق إنفاقًا كثيرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الثابت عن السلف أنها المساجد وهي المحل هذا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة. ]] إلى آخره، والمراد بالمساجد بلا شك.