تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿٣٧﴾
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ لم يقل: لا يبيعون ولا يشترون؛ لأن الذي لا يبيع ولا يشتري قد يأتي إلى المسجد ليسد الفراغ، لكن يبيع ويشتري وهو بصدد (...).
إليه، لا لأنه سايب ما له عمل ولا له شغل، فهمتم الآن؟ وهذا أبلغ في الثناء كونهم يبيعون ويشترون، لكن هذا البيع والشراء لا يلهيهم عن ذكر الله.
وقوله تعالى: ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ المؤلف فسر التجارة بالشراء لماذا؟
* طالب: تفسير بالمقابل.
* الشيخ: في مقابلة ﴿بَيْعٌ﴾، ولكنه تفسير ليس بصحيح؛ لأن الشراء مفهوم من بيع؛ إذ لا يوجد بيع إلا بشراء، لكن التجارة أعم من البيع، قد يلهو الإنسان بتجارته لتصنيفها وتبويبها وحفظها وصيانتها، وما أشبه ذلك، أليس هكذا؟ ربما ما هو يبيع ويشري لكن يلهو بطريق آخر بهذه التجارة؛ لذلك الآية نقول: المراد بالتجارة ما يتجر به الإنسان ولهوه به ليس بالشراء، بل ما هو أعم، أما الشراء فمفهوم من البيع؛ لأنهم إذا شروا فقد باع عليهم غيرهم، وإذا باعوا فقد اشترى منهم غيرهم.
وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: التجارة ما تلهيهم عن ذكر الله، يقدِّمون ذكر الله على تجارتهم، لكن الناس في هذا الباب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في مسألة التجارة والذكر؛ منهم من يقدم التجارة على الذكر، وهذا خاسر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون ٩]، لو ربحوا في الأموال والأولاد فهم خاسرون، هذا قسم.
القسم الثاني: من لا تلهيه التجارة ولا الأموال والأولاد عن ذكر الله، لكن يعمل هذا في محله وهذا في محله، فهذا رابح، ما فاته ماله وولده ولا فاته ذكر الله؛ أتى لهذا بنصيبه ولهذا بنصيبه.
القسم الثالث: من هو أعلى من هذا؛ من يجعل تجارته وولده من ذكر الله، بحيث يقصد بهذه التجارة الاستعانة على طاعة ربه وعلى بذل أمواله فيما يرضي ربه، وهو كذلك بالنسبة للأولاد؛ يجعل اشتغاله بهم لتربيتهم والتأمل في نعمة الله عليه بهم، وما أشبه ذلك، هذه هي المرتبة العليا.
وعلى هذا يكون هذا الرجل رابحًا في الطرفين، صح ولَّا لا؟ في الطرفين في آن واحد، والقسم الثاني رابح في الطرفين لكن على التناوب؛ يربح في هذا ويعطيه ما يستحق، ويربح في هذا ويعطيه ما يستحق، أما الثالث الأخير فهذا شأنه شأن كبير، ولكن قلَّ من يوجد بهذه الصفة، قلَّ وهو نادر جدًّا، وأكثر الناس اليوم من أي الأقسام؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: من القسم الأول اللي هو في الحقيقة أخيرًا في المرتبة وأولًا في الذكر، أكثر الناس اليوم هكذا.
* طالب: الثالث.
* الشيخ: الثالث؛ من جعل اشتغاله بتجارته ذكرًا لله.
أقول: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ (إقام) بمعنى (إقامة)، لكن حذفت التاء تخفيفًا، وإقام الصلاة ليس مجرد فعلها، بل هو أمر فوق الفعل، يعني ويش معنى: أقام الشيء؟ جعله قيِّمًا مستقيمًا، وذلك بفعل شروطها وأركانها وواجباتها، فما كل مصلٍّ مقيمًا للصلاة؛ ولهذا تجدون أن الثناء الذي يذكره الله في القرآن، بل والأوامر التي يأمر الله بها في القرآن غالبًا، ويش نقول؟ بالإقامة؛ لأن ذلك هو الأصل ليس مجرد فعل الصلاة؛ ولهذا نجد أنه يصلي رجلان مع الإمام أفعالهما واحدة، ودخولهما في الصلاة واحد، وخروجهما منها واحد، ولكن بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لماذا؟ لأن أحدهما أقام الصلاة، والآخر صلى فعلًا بس، لكن الأول أقامها خاشعًا مستحضرًا مخلصًا، يرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله.
(إقام الصلاة) المذكور في القرآن كثيرًا بماذا بيِّن؟ بيِّن بالسنة، فيه أشياء مبينة في القرآن، لكن غالب ذلك مبين بالسنة، بينته سنة الرسول ﷺ، وبهذا نعرف أن السنة ضرورية في الشرع، وأن من أنكرها فقد هدم جانبًا كبيرًا من الشرع، وقد وجد بعض الناس أنكر السنة، والعياذ بالله.
وسمعنا أن بعض الزعماء من العرب صاروا يصادرون كتب السنة، قيل لي: إنهم يصادرون البخاري ومسلمًا من المكاتب حتى لا تنتشر سنة الرسول ﷺ بين أمته، والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه كفر؛ يعني الذي يبيح لنفسه أن يصادر كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، هم لو صادروا كتبًا مضلة ضعيفة موضوعة لكنا نحمدهم على هذا الأمر، لكن يصادرون كتبًا صحيحة تلقتها الأمة بالقبول وعلمها المسلمون واعتبروها سندًا، هؤلاء لا شك أنهم كفار؛ لأنهم كفروا بسنة الرسول ﷺ، بل بالقرآن نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، ويقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦].
على كل حال الآيات في هذا كثيرة وبينة وواضحة، فإقامة الصلاة من هذا النوع ما بينها بيانًا كافيًا إلا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: إعطائها، والزكاة معروفة لنا وهي الجزء الذي أوجبه الله تعالى في أموالنا، ولم يبين المؤتى إليه لكنه مبين في القرآن في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠]، هذه الذي يؤتى إليه الزكاة.
﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ قوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، لا تلهيهم وهم أيضًا في هذه الأحوال يخافون يومًا؛ يخافون في حال تسبيحهم بالغدو والآصال، وفي حال إقامتهم الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي حال عدم لهوهم بالتجارة والبيع، كل هذه الأعمال مبنية على هذه العقيدة والأساس.
﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ﴾ خوفهم من هذا اليوم يدل على إيمانهم به ولَّا لا؟ يدل على إيمانهم به؛ إذ لا يخاف الإنسان من شيء لا يؤمن به، فهو يدل على أن عندهم تمام الإيمان واليقين باليوم الآخر؛ ولذلك يخافونه؛ يخافون هذا اليوم.
هذا اليوم وصفه الله بقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب فيه، ﴿الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ التقلب معروف هو تغير الهيئة من حال إلى حال، وهذه القلوب تتقلب؛ تضطرب وتنتقل من حال إلى حال، كيف؟ تقلب القلوب يقول: (بين النجاة والهلاك)، ما يدري الإنسان هل ينجو أو يهلك؟ فقلبه متقلب مضطرب؛ أحيانًا يغلب عليه الرجاء، وأحيانًا يغلب عليه الخوف، كذلك الأبصار تتقلب.
يقول المؤلف: (من ناحية اليمين والشمال)؛ لأنه الناس (...) ما كأنهم عقلاء؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ٢]، ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم ٤٢، ٤٣] واحد إذا رأيته كأنه مجنون، كأنه سكران من شدة الهول، وما ظنك بالقلب حينئذٍ؟ لا شك أنه في الحقيقة سوف يتقلب ويضطرب ولا يدري المآل، هذا الذي يحصل يوم القيامة.
يقول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨] ﴿