تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ هذا (...).
* الطالب: حكم المباهلة؟
* الشيخ: حكم المباهلة جائز في الأمور الهامة التي يقصد بها إثبات الحق وإبطال الباطل، وقد« رُوي أن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أنكر العول في الفرائض وقال: من شاء باهلته على ذلك إن الذي أحصى عدد رمل عالج لا يمكن أن يجعل في المال. »[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٥٣).]]، وذكر الفروض التي توجب العول.
فالأشياء الهامة لا بأس الإنسان يباهل عليها لإثبات الحق، ولكن بشرط أن يكون على علم من ذلك لئلا يقع الأمر بخلاف هذا ويصاب.
* الطالب: شيخ، هل الرسول ﷺ دعا (...)؟.
* الشيخ: إيه، دعاهم لكن ما أجابوا، في وفد نجران دعاهم، أما في قصة اليهود ما ورد أن رسول الله ﷺ دعاهم للمباهلة، لكن كان ابن كثير يرجح هذا ويقول: ما يستدل على هذا الأمر.
* الطالب: كيف المباهلة؟ المباهلة كيف؟
* الشيخ: المباهلة أصلها من الابتهال إلى الله بالدعاء؛ يعني مثلًا أنا أقول كذا وأنت تقول كذا، تقول: تعالَ، ونجتمع ونقول: لعنة الله على الكاذبين، أو الكاذب منا يصاب بكذا، أو ما أشبه ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ اللام هنا موطِّئة للقسم، والجملة مؤكدة باللام وبنون التوكيد الثقيلة في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ وفي القسم المقدَّر وهو: والله لتجدنهم، وهنا ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾ الدال مفتوحة وهو فعل مضارع، وليس فيه ناصب ينصبه، فلماذا فتحت الدال؟
لأنه متصل بنون التوكيد، والمضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح، وقوله: ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾ هذا فعل مر علينا قريبًا، وأنه ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول الهاء في ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾، والمفعول الثاني ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾.
والخطاب هنا ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾ إما للرسول ﷺ؛ لأنه المخاطَب بالقرآن أولًا، والخطاب للرئيس أو للإمام خطاب لأتباعه، فكل خطاب في القرآن للرسول ﷺ فهو خطاب لأمته إلا ما دل الدليل على أنه خاص به مثل قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢] وما أشبه ذلك فهو على خصوصه. والخطاب للرسول، وإما لكل من يتأتى خطابه؛ أي لتجدنهم أيها المخاطَب بهذا القرآن الكريم، والقرآن الكريم مخاطَب به مَن؟
* الطلبة: جميع الناس.
* الشيخ: جميع الناس، مخاطب قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ﴿أَحْرَصَ﴾ اسم تفضيل ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ اسم تفضيل، وما هو الحِرص؟ الحِرص هو: أن يكون الإنسان طامعًا في الشيء مشفقًا من فواته، الطمع في الشيء مع الإشفاق من فواته يسمى حرصًا، والحرص يستلزم بذل المجهود، ولهذا قال الرسول ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنَّ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: «... وَلَا تَعْجِز».]]
* الطالب: شيخ، الواو؟
* الشيخ: وأيش؟
* الطالب: واو حيوة؟
* الشيخ: حيوة؟
* الطالب: مكتوب الواو أقول: الواو وأيش؟
* الشيخ: على (حيوة)، هذا -سلمك الله- الرسم القديم رسم المصحف القديم على هذا الوجه، فالعلماء رحمهم الله رأوا أن الأولى إبقاء الرسم القديم العثماني على ما كان عليه، وإلا فإنه على (حياة) بالألف.
* الطالب: تغلط بعض الناس اللي ما تقدر؟
* الشيخ: إيه اللي ما تتقرا ما نفهم، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة وأظن حكينا أقوالهم لكم، وقلنا: إن العلماء اختلفوا في كتابة القرآن الكريم: هل يجب أن يبقى على الرسم العثماني، أو يجوز أن يُنقل إلى الاصطلاحي الرسم الاصطلاحي أو يُفصَّل بين العالم والجاهل؟
وذكرنا في هذا ثلاثة أقوال، وأن القول الصحيح أنه جائز؛ لأنه لو كان الوضع في وقت عثمان رضي الله عنه حين كتب المصحف على غير هذا الاصطلاح لكتب به، والقرآن نزل مقروءًا أو مكتوبًا؟
* الطلبة: مقروءًا.
* الشيخ: مقروءا، ولكن مع ذلك اللي ذُكِر (...) يُخشى منه يعني بعض اللي يتهجون القرآن تهجيًا ولم يتلقوه تلقيًا من أفواه المشايخ يقولون: الصلاة أيضًا (الصلوة)، والزكاة كذلك، والربا بالواو، وهلم جرًّا، ولهذا من أهم ما يكون أن يكون الإنسان يتلو كتاب الله على يد قارئ يلقنه حتى يعرفه تمامًا.
﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ ﴿لَتَجِدَنَّهُم﴾ يعني اليهود، ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ هنا نكَّر ﴿حَيَاة﴾ ولم يقل: على الحياة؛ يعني معناه أنهم حريصون على الحياة وإن قل حتى لو ما يجيئهم إلا لحظة فهم أحرص الناس عليها، ما هي الحياة الكاملة الطويلة، لا، أي حياة هم حريصون عليها.
قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ اختلف المفسرون في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هل هي مبتدأ كلام منقطع عما قبله، وأن التقدير: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر، وهذا وإن كان محتملًا لفظًا لكنه في المعنى بعيد جدًّا، ولهذا الصواب الرأي الثاني أنه معطوف على قوله: ﴿النَّاسِ﴾ يعني ولتجدنهم أحرص الناس وأحرص من الذين أشركوا؛ يعني اليهود أحرص من المشركين على الرغم من أن اليهود أهل كتاب يؤمنون بالبعث بالجنة وبالنار، والمشركون ما يؤمنون بذلك واللي ما يؤمن بالبعث يصير أحرص الناس على حياة؛ لأنه يرى أنه إذا مات انتهى الأمر ما عاد يعود فتجده يحرص على ها الحياة اللي يرى أنها هي رأس ماله، ولا يرى هناك حياة أخرى، فهؤلاء اليهود أحرص الناس حتى من الذين أشركوا، وهذا الرأي هو الصواب ويكون من باب عطف الخاص على العام لأيش؟ لأن المشركين من أين؟
* الطلبة: من الناس.
* الشيخ: من الناس، المشركين من الناس، فإذن أحرص الناس ومن الذين أشركوا مع أن المشركين من الناس فيكون أحرص حتى من هذا الصنف من الناس الذين لا يؤمنون بالبعث.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي بالله، والشرك تفاصيله ما هو هذا محلها، محلها إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد، وأنه ينقسم إلى أقسام ثلاثة كل قسم من التوحيد يقابله قسم من الشرك، وهذه الأقسام الثلاثة هي كل منها يتنوع إلى أصغر وأكبر، ومنها أيضًا ما يتنوع إلى خفي وجلي.
* طالب: الوجه الأول.
* الشيخ: وأيش هو؟
* الطالب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الوجه الأول.
* الشيخ: الوجه الأول يقول: إن هذه منفصلة عما قبلها، وأن معنى الآية: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر. وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. ﴿يَوَدُّ﴾ أيش معنى المودة؟
* طالب: التمني.
* طالب آخر: الحب.
* الشيخ: الحب والتمني. وقوله: ﴿أَحَدُهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ اليهود ولَّا على المشركين؟
* الطالب: على اليهود إذا أخذنا بالقول الثاني يعود على اليهود.
* الشيخ: أما القول الأول واضح أنه يعود على المشركين لا غير، والقول الثاني يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على اليهود، ويصير انقطع الكلام عند قوله: ﴿أَشْرَكُوا﴾ ويحتمل أن يكون عائدًا إلى المشركين ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أيهما أرجح في نظركم؟
* طالب: الثاني أبلغ.
* الشيخ: الثاني أبلغ؟ أنه يعود على المشركين؟ ما وجهه؟
* الطالب: يكون على اليهود، بما أن المشركين يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وأن اليهود يرغبون في الحياة فاليهود أعظم منهم.
* طالب آخر: شيخ، ممكن نقول: إن اليهود يدخلون في المشركين يعني عندهم شرك.
* الشيخ: لا، لا ما هو صحيح، هذا ما هو صواب، ليس صواب.
* الطالب: يعود على اليهود لأن الخطاب..
* الشيخ: يرجحه السياق يعني؟ ترجيح السياق؟ وفيه ترجيح المعنى إذا كان ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي المشركين، يعني محمود يرى أن الضمير يعود على المشركين أرجح، يرجح ما قال محمود أمران؛ أحدهما: أن الضمير في الأصل يعود إلى أقرب مذكور، والمشركون هنا أقرب، والثاني: أنه إذا كان المشرك يود أن يعمر ألف سنة وكان اليهودي أحرص منه على الحياة فيلزم أن يكون اليهودي يتمنى أن يُعمر أكثر من ألف سنة، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إذا قلنا: إن الضمير يعود على اليهود فيرجِّحه أن السياق فيه، ولكنه يدل على أن الذي يتمنى ألف سنة من هم؟
* الطلبة: اليهود.
* الشيخ: اليهود، فتبين أن الأول أبلغ؛ لأنه إذا كانوا أحرص من المشرك الذي يتمنى أن يعمر ألف سنة وهو أعظم دليلًا على أنهم- أي اليهود- يحبون الحياة.
وقوله: ﴿أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة﴾ ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ وأيش معنى التعمير؟ الزيادة في العمر، والعمر هو الحياة.
وقوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ (لو) هذه هل هي شرطية؟
* طالب: لا، ما هي شرطية.
* الشيخ: ما هي شرطية لكنها مصدرية، وكلما جاءت بعد (ود) فهي مصدرية؛ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ فـ (لو) هنا مصدرية، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب ٢٠] يعني (لو) هذه مصدرية كلما جاءت (لو) بعد (ود) فهي مصدرية. وأيش معنى مصدرية؟ يعني بمعنى (أن) تؤول وما بعدها بمصدر، فيقال: يود أحدهم لو يعمر يود أحدهم تعميره. ﴿أَلْفَ سَنَة﴾ معروف الألف سنة، والسنة هي العام وما المراد بالسنة هنا؟ السنة الميلادية أو السنة القمرية؟
* طالب: الميلادية.
* الشيخ: الميلادية؟
* الطالب: لأنهم هم على الميلاد، حسابهم على الميلاد، هذا صريح (...).
* الشيخ: التاريخ الميلادي هذا حادث، واليهود لا يعترفون بالمسيح نبيًّا، والكلمات إذا أُطلقت تحمل على المعنى الشرعي، لقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦] فالميقات الذي وضعه الله للعباد إنما هو بالأشهر الهلالية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة ١٨٩] لمن؟ للعرب والحج. ﴿لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾ كل الناس، ولذلك التاريخ هذا الأخير ليس مبنيًّا على أصل من الدين ما هو على دين، فإن التواريخ كلها إلى أن حدث هذا فيما نعلم كلها على التاريخ الهلالي، التاريخ الهلالي؛ لأنه علامة حسية ظاهرة، لكن هذه الأشهر الإفرنجية هي علامتها حسية ظاهرة؟
* طالب: لا.
* الشيخ: أبدًا، اصطلاحية محضة، ولذلك بعضها يصل إلى واحد وثلاثين، وبعضها يرجع إلى ثمان وعشرين بدون أي سبب وبدون أي علة، فهي ما هي مبنية على أصل، وقد حاول بعض الحسّابين أن يحول هذه الأشهر إلى عدد ثابت، ويجعل السنة ثلاثة عشر شهرًا بدلًا من اثني عشر شهرًا، وبعضهم حاول أن يجعلها إلى عدد ثابت بدون أن تزيد الأشهر، ولكن رجال الكنيسة قاموا على هذا.
(...) ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٧، ٩٨].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا﴾ يشير إلى منْ؟
* الطالب: الذين يقولون إن جبريل هو روح شريرة نزلت للحروب.
* الشيخ: هو عدو لنا؟ من اللي قال؟
* الطالب: اليهود.
* الشيخ: اليهود. قوله: ﴿لِجِبْرِيلَ﴾ فيها قراءات؟
* الطالب: ﴿جَبْرِيل﴾ و ﴿جَبْرَئِل﴾ و﴿جَبْرَائِيل﴾ .
* الشيخ: أحسنت، جبرائيل ملك ولا نبي؟
* الطالب: ملَك.
* الشيخ: ملك مُوكّل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: بأيش؟
* الطالب: موكل بإنزال القرآن على الرسول ﷺ.
* الشيخ: بالوحي، مُوكّل بالوحي.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ هل هذا جواب الشرط أو دال عليه؟
* الطالب: دال عليه.
* الشيخ: وين جواب الشرط؟
* الطالب: الجملة.
* الشيخ: وين الجملة؟
* الطالب: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾.
* الشيخ: إي نعم، يعني إذن هو جواب الشرط، تخالف مصطفى في قوله: إنه دال عليه تخالفه؟ تخالفه؟
* الطالب: أخالف.
* الشيخ: زين، والخلاف إلى الخير خير.
* الطالب: قيل: إن جواب الشرط ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ هذا جواب الشرط، وقيل: إنه ليس جواب الشرط، وإنما هذا علة لجواب الشرط، وجواب الشرط محذوف تقديره: فليمت غيظًا.
* الشيخ: ما تقولون في هذا الجواب؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح. وأيهم أقرب؟
* الطالب: الأقرب أنه محذوف.
* الشيخ: الأقرب أنه محذوف؟
* الطالب: الذي رجحته.
* الشيخ: الذي رجَّحْتُهُ ولَّا رجحتَهُ؟
* الطالب: رجحتُه.
* الشيخ: أنا، ما تقولون؟
* الطالب: لا، الأرجح أنها جواب شرط.
* الشيخ: أنها جواب شرط؟ لأن الأصل؟
* الطالب: لأن الأصل وجود جواب الشرط.
* الشيخ: عدم الحذف، الأصل عدم الحذف، ثم إن قوله: فليمت غيظًا بهذا الأسلوب يعني تقدير ما ينبغي، وإن كان يقول: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، لكنه في هذا المقام ما ينبغي، الصواب أن قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ هو جواب الشرط، لكن ما وجهه؟ ما وجه ارتباط قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ بقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا من الناحية المعنوية، وإلا النحو جواب للشرط، من الناحية المعنوية؟
* الطالب: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ فإنه أنزل القرآن على قلب بشر.
* الشيخ: لكن ما وجه ارتباط جواب الشرط بفعل الشرط من الناحية المعنوية؟
* الطالب: يعني الذين يقولون: إن جبريل عدو لهم فالعدو دائمًا يأتي بالأشياء الخبيثة، وجبريل عليه السلام يأتي بالأشياء المنزلة من الله عز وجل فهو يعني يأتي بأشياء الخير.
* الشيخ: كأنه جواب يكون عِلّة للحكم؛ يعني فالمعنى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل﴾ فإنه ليس فيه من أوصاف ما يعادَى عليه إلا أنه نزله على قلبك، وهذا لا ينبغي أن يكون سببًا للعداوة. وفي البلاغة يقولون: تأكيد الذم بما يشبه المدح، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، هذا شبيه به، ويقول الشاعر:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِــــــــــــــــنْ قِرَاعِالْكَتَـــــــــــــــــــــائِبِ ما بهم عيب إلا هذا، وهذا عيب ولّا مدح؟
* الطلبة: مدح.
* الشيخ: مدح، لكن تأكيد الذم بما يشبه المدح. إذن فالصواب أن هذا هو جواب الشرط.
وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ لماذا اختير القلب؟ ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ ما قال: عليك؟ لماذا خص القلب؟
* الطالب: لأنه موضع العلم موضع..
* الشيخ: الوعي، موضع الوعي والفهم. قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ المراد بإذن الله هنا؟
* الطالب: بأمر الله.
* الشيخ: بأمر الله؟ صح.
* الطالب: لا يصح بمشيئته؟
* الشيخ: يصح (...) الأمر المراد بالمشيئة.
الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وإذن شرعي، فما تعلق بالأحكام الشرعية فإنه إذن شرعي؛ إذن الله نوعان: شرعي وقدري، فما تعلق بالأحكام الشرعية فهو شرعي، وما تعلق بالأحكام الكونية كالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك فهو إذن قدري، قال الله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] أيش هو؟ شرعي ولّا قدري؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: شرعي؛ لأنه قدرًا قد أذن لهم؛ لأنهم فعلوا هذا، حرَّموا ما شاؤوا وأباحوا ما شاؤوا. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]
* طالب: شرعي.
* الشيخ: شرعي، وأيش الدليل على أنه شرعي؟
* الطالب: قوله: ﴿شَرَعُوا﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ وأيضًا هو قدرًا مأذون فيه، هذا الذي شرعوه من الدين قدرًا مأذون فيه ولو لم يُؤذن ما وقع، لو لم يأذن فيه قدرًا ما وقع، فهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله شرعًا ولكنه أذن به قدرًا.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥] ما قولكم في هذا الإذن شرعي ولّا كوني قدري؟
* الطلبة: كوني وشرعي.
* الشيخ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ هذا كوني؛ لأنه يتعلق بالتدبير والفعل ﴿يَشْفَعُ﴾ فعل يتعلق بإذن الله وقضائه، فيكون المراد بالإذن هنا الإذن الكوني القدري.
الفرق بينهما من حيث المعنى ومن حيث الأثر، قلنا: من حيث المعنى ما تعلق بالأحكام الشرعية فهو إذن شرعي، وما يتعلق بالأمور الكونية فهو إذن كوني. الفرق بينهما من حيث الأثر: الإذن الشرعي يقع فيه المأذون وقد لا يقع، أما الإذن الكوني فلا بد أن يقع.
الفرق الثاني أيضًا من (...): الإذن الشرعي يكون مما رضيه الله وأحبه ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] والإذن الكوني قد يكون مما يرضاه الله، وقد يكون مما لا يرضاه الله، مفهوم يا جماعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: هنا اللي عندنا بالآية: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي القسمين هذا؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال، حال من أين؟ من الضمير في قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾ يعني: نزله حال كونه مصدقًا لما بين يديه، وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما سبقه؛ لأن ما بين يديه قد تقدمك، والمراد بما بين يديه التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب التي أخبرت عن نزول القرآن، وتصديق القرآن لها له وجهان:
الوجه الأول: أنه شهد لها بالصدق ولّا لا؟
والوجه الثاني: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به، فقد صدقها وقوعًا؛ لأنها هي أخبرت بهذا القرآن فجاء مصدقًا لها.
وقوله: ﴿وَهُدًى﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ ﴿هُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة أي دلالة، وقد يراد به التوفيق، والقرآن كذلك هداية بمعنى دلالة وبمعنى توفيق، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦] وهذه هداية التوفيق بلا ريب؛ لأن هداية الدلالة لمن اتبع رضوان الله ولمن لم يتبع، لكن هداية التوفيق لا تكون إلا لمن اتبع رضوان الله.
وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ ﴿بُشْرَى﴾ أي بشارة، والبَشارة الإخبار بما يسُر، وقد تأتي في الإخبار بما يضر مثل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].
وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد بالإيمان هنا الإيمان الشرعي لا الإيمان اللغوي الذي هو مشهور بين الناس وهو مجرد التصديق على أن الإيمان في الحقيقة ما هو ليس مطابقًا للتصديق، ولذلك يختلف مع التصديق في المتعلق، فالإيمان يقال: آمن به، ولا يقال: صدَّق به، أو يقال؟
* طالب: لا.
* الشيخ: صدق به لكن ما هي مثل.. ليست على غرار آمن به، لها معنى آخر، ثم إن الإيمان يدل على أمن واستقرار، ولهذا قال بعض العلماء: إنه يكون في الأمور الغيبية دون الأمور المحسوسة، وهذا قد يكون فيه نظر؛ لأن قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال الله له: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] فهنا ازداد قلبه بأمر محسوس، وأيضًا يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣] فدل هذا على أن الإيمان قد يكون بما يشاهَد، وإلا لم يكن لقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ فائدة.
على كل حال الإيمان هنا هو في الحقيقة: التصديق المتضمن شنو؟
للقبول والإذعان، لا بد من أن يكون متضمنًا للقبول والإذعان؛ قبول في الأخبار وإذعان في الأحكام، أما إذا لم يكن قبول ولا إذعان فليس بإيمان حتى لو، وقد ذكرنا كثيرًا من شواهد هذا بأن مجرد التصديق ليس بإيمان.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِين﴾ متعلق بـ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾، ولّا بالثاني فقط؟
* طالب: بالثاني.
* الشيخ: إن قلنا بالثاني فلا إشكال، وإن قلنا بالأولى ففيه إشكال؛ لأن القرآن هدى للناس كما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥] وحينئذٍ إذا قلنا: إن المتعلق بهدى وبشرى بهما جميعًا فإنه يحتاج إلى بيان وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، ووجه الجمع أن يقال: إن المراد بالهداية هنا هداية الانتفاع؛ يعني ما ينتفع به ويهتدي به إلا المؤمنون، والله تبارك وتعالى يقول في القرآن عن الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان ٣] يعني سواء كان شاكرًا أو كفورًا، فإن الله قد هداه السبيل يعني بينه له وأظهره وأوضحه، لكن من الناس من يكون شاكرًا ومنهم من يكون كفورًا.
* الطالب: غالبًا ما تأتي (...).
* الشيخ: إلا تأتي لكن مقيدة، ما تأتي إلا مقيدة.
* الطالب: ما الفرق بينهما؟
* الشيخ: بينهما فرق كما بين الحركة والسكون، إذا قلنا: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي أنه شاهد لها بالصدق، هل معنى إنه يقول: إن هذه الكتب صادقة، وأنها من عند الله، فيقتضي أن نؤمن بها، هذا إذا قلنا: مصدقًا لها يعني شاهدًا لها بالصدق، وإذا قلنا: إنه مطابق لما أخبرت به هو معناه أنها هي أخبرت بأنه سيكون القرآن ينزل فنزل، بينهما فرق.
* الطالب: في الأحكام يعني (...)؟
* الشيخ: هذا معروف أن إيماننا بالكتب السابقة ليس إيمان الشهداء، بل إيمان تصديق واتباع لما تقتضيه شريعتنا أن نتبعها فيه، وأما ما خالفتها شريعتنا فـ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].
* الطالب: شيخ، قوله في رمضان: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ ما نخص الناس بالمؤمنين؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: وأيش معنى يهدي غيرهم؟
* الشيخ: هداية الدلالة مثل ما تلونا عليك الآية: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
* الطالب: هذه ما فيها إشكال، لكن رمضان فيه إشكال؛ وأيش معنى يهدي غير المؤمنين؟
* الشيخ: نعم، يهديهم دلالة لهم ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ يعني دلالة لهم.
* الطالب: القرآن يعني يعود عليه؟
* الشيخ: القرآن دلالة نعم، دلالة في جميع القرآن.
* الطالب: يعني ما هو بيعود على الشهر؟
* الشيخ: لا، ما يعود على الشهر، القرآن. قال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (مَنْ): اسم شرط ولّا لا، أو شرطية؟
* الطالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية، الدليل على ذلك جوابها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين﴾ فهي شرطية.
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ بعد قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ دليل على أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لله، وهذا يشهد له الحديث الصحيح: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] «فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» يعني معناه أعلنت الحرب عليه، فإذن وجه المناسبة لما قبلها أن من كان عدوًّا لجبريل فإنه عدو لله.
وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يعني وعدوًّا لملائكته، والملائكة جمع (ملَك)، والملك قالوا: إنه مشتق من (الأَلُوكَة) وهي الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١] فمعنى إذن ملائكة أي رسلًا، أي رسل، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يشير إلى أن العداوة لجبريل عداوة لجميع الملائكة؛ لأن حقيقة الأمر أن مثل هذه العداوة هي عداوة لشخص متمثلًا في جنس، متمثل في جنس، فالعدو لواحد من هذا الجنس عدو للجميع.
وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ ما في ذكر في الآية الكريمة للرسل، لكن من المعلوم أن من كان عدوًّا للملائكة فهو عدو للرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الملائكة ولا سيما جبريل ينزلون على الرسل بالوحي والنصر والتأييد ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٢] فاللي يكون عدوًّا للملائكة يكون عدوًّا للرسل وعدوًّا لغير الرسل أيضًا من أتباعهم.
وقوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ جبريل معروف، وفيها القراءات السابقة، عندي ﴿جَبْرَئِل﴾ ﴿جَبْرَئِيل﴾ القراءات السابقة.
وقوله: ﴿مِيكَالَ﴾ فيها قراءتان أخريان، وهي ﴿مِيكَائِل﴾ و﴿مِيكَائِيل﴾ مثل جبريل، فاللي يكون عدوًّا لجبريل هو عدو لميكائيل أيضًا، وقد سبق أن اليهود يقولون: إن ولينا من الملائكة مَن؟ ميكائيل، وأما جبريل فهو عدونا، ولكن الله تعالى بيَّن في الآية الكريمة أن من كان عدوًّا لجبريل فهو عدو لميكائيل أيضًا؛ لأن ميكائيل وجبريل كلاهما رسول يفعلان ما أُمرا به، فكما أن ميكائيل موكل بالقطر والنبات فإن جَبرئيل موكل بأيش؟
* طالب: بالوحي.
* الشيخ: بالوحي، فكلاهما ممتثل مطيع، فكيف تكون عدوًّا لهذا دون هذا مع أنهما سواء في عبادة الله سبحانه وتعالى والسمع له والطاعة؟!
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ هذا جواب الشرط، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ من كان عدوًّا لله فالله عدو له، هذا المعنى، من كان عدوًّا لجبريل فالله عدو له، من كان عدوًّا للملائكة فالله عدو له، من كان عدوًّا لميكائيل فالله عدو له، وهنا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ وفيه نكتة بلاغية وهي؟
* طالب: الانتقال من الغيبة.
* الشيخ: الإظهار في مقام الإضمار، لم يقل: فإن الله عدو له لفائدتين، إحداهما لفظية، والثانية معنوية؛ أما اللفظية: فهي مناسبة رؤوس الآي، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن كل.. لو قال: فإن الله عدو له ما تناسبت الآية مع ما قبلها وما بعدها، فلأجل تناسب رؤوس الآي جاءت: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
فإذا قال قائل: ما دليلكم على أن الله تعالى يلاحظ أو يراعي مناسبة رؤوس الآي؟ قلنا: إنا عندنا دليل في سورة طه قالت السحرة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] ونحن لا نعلم لهذا فائدة إلا مراعاة رؤوس الآي، وإلا فإن موسى في كل ما ذُكر يقدم على هارون وهو أحق بالتقديم منه؛ لأنه أفضل منه، لكن في هذه الآية قدم هارون على موسى فدل ذلك على أن القرآن من بلاغته أن تتناسب رؤوس الآيات حتى لا يحصل التنافر بينها، وأحيانًا قد لا تتناسب في بعض الأحيان لكن يكون لها علة تفهم من السياق.
الفائدة الثانية معنوية: وهي تتضمن أمرين:
أولًا: الحكم على أن من كان عدوًّا لله وما عُطف عليه سبحانه وتعالى فإنه يكون كافرًا؛ يعني الحكم على هؤلاء بالكفر.
ثانيًا: الأمر الثاني: أن كل كافر سواء كان سبب كفره معاداة الله أو لا، فهو عدو لله، كل كافر فهو عدو لله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] والمراد بهم كفار قريش، ومع ذلك هم ما هم أعداء لجبريل ما نعلم أنهم أعداء لجبريل وميكائيل وإسرافيل.
إذن الفائدة، الفائدة في كونه قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ له فائدتان: الفائدة الأولى؟
* الطالب: مراعاة رؤوس الآيات.
* الشيخ: نعم، وهذه فائدة لفظية. بس نشوف الثاني منها، الثانية؟
* الطالب: الثانية حكم من كان عدوًّا لله.
* الشيخ: تتعلق بالمعنى وتحته أمران.
* الطالب: حكم من كان عدوًّا لله الكفر (...)
* الشيخ: والثاني: أن العداوة لا تختص بمن عادى الله، عداوة الله للكافر ما تختص بمن عادى الله، ولكن كل كافر فهو عدو لله سبحانه وتعالى. إذن من عادى الله وأبغضه- والعياذ بالله- أو أبغض شريعته أو رأى أنه ظالم له بما يجري عليه من أقداره فهو كافر ولّا لا؟
فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فكل من عادى الله عز وجل فإنه كافر به، لو صلى وصام وزكّى وحج ما دام أنه يشعر بأن الله عدو له- والعياذ بالله- فهو كافر.
إذن فهمنا من هذا أن اليهود بهذه العداوة لجبريل كانوا كفارًا، ومع ذلك فإن لهم أحكام اليهود من أخذ الجزية منهم، وإقرارهم على دينهم، وحل ذبائحهم، وجواز نكاح نسائهم، مع أن الله أثبت بأنه عدو لهم، ولكن سورة المائدة من آخر ما نزل، ولذلك قال أهل العلم: إن جميع الأحكام المذكورة في سورة المائدة مُحكمة ما فيها شيء منسوخ، كل ما فيها فهو غير منسوخ. ثم قال الله تعالى.
* الطالب: قوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ هو من عطف الخاص على العام؟
* الشيخ: إي نعم، من عطف الخاص على العام.
* الطالب: إضافة الملائكة للرسل من أي أنواع الإضافة؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾؟
* الشيخ: لأن مثل ما قلت: إن المعادِي لفرد من جنس يعتبر مُعاداة للجنس كله.
* الطالب: لا قصدي إضافة الله للملائكة لنفسه؟
* الشيخ: لأنهم رسله.
* الطالب: إضافة عبادة؟
* الشيخ: إضافة تشريف وتكريم كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦، ٢٧]. وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿لَقَدْ﴾ تتكرر علينا كثيرًا في القرآن الكريم وقد بينا أنها؟
* طالب: موطئة.
* الشيخ: أن اللام موطئة للقسم، وأن (قد) للتحقيق، وأنه بناء على ذلك تكون الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات.
﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الإنزال إنما يكون من الأعلى إلى الأسفل؛ وذلك لأن القرآن كلام الله، والله تعالى فوق عباده، استوى على عرشه على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، والعلو من صفاته الذاتية اللازمة له أزلًا وأبدًا، وإنكار علوه بذاته كفر؛ لأنه من الصفات الذاتية اللازمة، وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، ولهذا العقل يدرك أن الله سبحانه وتعالى في العلو، ولكنه لا يدرك أنه استوى على العرش لولا ثبوت السمع به، وقد ذكرنا فيما سبق قصة أبي المعالي الجويني، كان رحمه الله له كرسي يوم الجمعة يجلس عليه ويقرر للناس، وكان أبو المعالي الجويني من الأشاعرة من المتكلمين، وكان ينكر العلو، فقال في جملة كلامه: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه. وأيش قصده؟ إنكار أن يكون في العلو، فقال له مَنْ؟
* الطلبة: أبو العلاء الهمداني.
* الشيخ: أبو العلاء الهمداني. قال له: أيها الشيخ، دعنا من ذكر العلو لكن ما تقول فيما يجده كل إنسان يقول: يا رب يجد من نفسه ضرورة بطلب العُلو؟ فلطم على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني؛ لأنه ما وجد عنها جوابًا، الأمور الفطرية ما يمكن الجواب عنها صح ولّا لا؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: أنت الآن تجد العجوز اللي ما قرأت ولا تفهم القرآن ولا شيء عندما تدعو وين تروح بيديها؟ تذهب بها إلى فوق مع أنها ما درست ولا تفهم القرآن، لكن هذا شيء ضروري فطري، فإذن علو الله عز وجل من لوازم ذاته من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها أزله أبدًا.
وقوله: ﴿إِلَيْكَ آيَاتٍ﴾ ﴿آيَاتٍ﴾ جمع (آية)، والآية في اللغة العلامة، لكنها في الحقيقة أدق من العلامة، العلامة تفسر بها الآية للإيضاح وإلا فإنها أدق؛ لأنها علامة بدليل يعني تتضمن العلامة والدليل، والفرق بين العلامة والدليل: إن العلامة مجرد علامة فقط، لكن الدليل مقنع للنفس موجب أن تنقاد، هذا الفرق بين العلامة المجردة وبين الدليل، في الحقيقة أن الآية علامة بدليل، وهذا العلماء رحمهم الله دائمًا يفسرون الشيء بما يقاربه وإن كان بينهما فرق مثل ما يقولون: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] وأيش معنى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟
* طالب: لا شك.
* الشيخ: لا شك، مع أن الريب غير الشك، بينهما معنى دقيق؛ إذ إن الريب شك بقلق، لكن الشك شك مطلق ما عند الإنسان شيء يوجب أن يقلق بهذا الشك، لكن المفسرون الأشياء بما قاربها تقريبًا. إذن الآيات معناها العلامات، لكنها علامات دلائل موجبة لتصديق النفس، موجبة للتصديق، وهذه الآيات التي أنزلها الله على رسوله ﷺ كونية ولّا شرعية؟
* الطلبة: شرعية.
* الشيخ: شرعية، والآيات آيات الله تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، فالليل والنهار والشمس والقمر هذه آيات كونية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت ٣٧] فهذه آيات كونية، وأما الآيات الشرعية فهي ما أنزله الله على رسوله، وأشرفها وأعظمها هذا القرآن العظيم.
وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ البيِّن بمعنى الواضح؛ يعني اللي هو واضح الدلالة والعلامة، فالقرآن بيِّن، ولكن لاحظوا أنه بيِّن بنفسه ولا يلزم أن يكون مُبينًا لكل أحد، فإن من الناس من تزيده الآيات عمى كما قال الله تعالى في سورة فصلت: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ﴾ [فصلت ٤٤] مع أنه يقول: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١٣٨]، فالقرآن لا شك أنه بيان يُبين، لكنه لمن لم يُعمِ الله بصيرته، أما من أعمى الله بصيرته- والعياذ بالله- فإنه لا يستفيد من القرآن ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]؛ لأنه ما تأخذه بلبه وقلبه بسبب أنه ران على قلبه ما كان يكسب ﴿كَلَّا﴾ ليست أساطير الأولين ولكن ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]؛ إذن هي بينات من حيث هي ذاتها، ولكن هل تكون بيانًا لكل أحد؟
نقول: من أعرض عنها واستكبر فإنها لا تكون بيانًا له ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥] وأما من كان مقبلًا عليها حريصًا عليها يتخذها نبراسًا له، يتخذها منهجًا يسير عليه؛ فإنها بلا شك آيات بينات له ينتفع بها غاية الانتفاع.
ولهذا قال: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾ أي بهذه الآيات البينات ﴿إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ و﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة ٩٩]. هنا الكفر بمعنى الستر على سبيل التقريب، لكنه مُضمّن لمعنى الجحد، ولهذا تعدى بالباء فقيل: كفر به، وأما الستر فإنه يتعدى بنفسه وسترها، سترته، لكن الكفر هنا يُعدَّى بالباء؛ لأنه يتضمن معنى الجحد، وكل جحد فهو ستر بلا شك. وقوله: ﴿إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ الفاسق الخارج عن الطاعة؛ لأن الفسق معناه الخروج عن الطاعة، ولكن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسق يُراد به فسق الكفر، وفسق يراد به ما دون ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات ٧] هنا الفسق غير الكفر؟ غير الكفر، والدليل على ذلك: عطفه عليه، والأصل في العطف التغاير، لكن قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة ١٦ - ١٨].
المراد بالفسق هنا فسق الكفر، والدليل قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ٢٠]. هنا ما يكفر بآيات الله، أي المراد، وهنا (ما) عاملة ولّا لا؟
* طالب: لا ما هي عاملة.
* الشيخ: وأيش السبب؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: (...) أن تكون منوطة. (...)
فهي كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون ٢٤] فما رأيك هل توافق على رأيه؟
* الطالب: ما أدري.
* الشيخ: نحن قرأنا هذا.
* الطالب: هذه دخلت على الجملة الفعلية فليست.
* الشيخ: فليست من هذا الباب صح، هذه ليست من هذا الباب أصلًا؛ لأن ما الحجازية تدخل على المبتدأ والخبر على الجمل الاسمية، فهذه ليست من هذا الباب أصلًا.
* الطالب: ما يصير المبتدأ جملة؟
* الشيخ: لا ما يصير، اللي يأتي مفردًا يأتي ويأتي جملة: الخبر، وهذه في بعض الأحيان يعطي الإنسان السؤال يشوف يعني يعطي نظر المسؤول.
* الطالب: فيه شُبهة الآن يروجوها أن الأرض كروية، وبناءً على هذا بعض الناس اللي يعتقدون هذا الاعتقاد يقولون: إذا كانت الأرض كروية مثلًا أنا هنا في السعودية فالله فوق أروح أمريكا كروية الشكل، الأرض كروية يكون تحت، فالله معناه يكون تحت؟
* الشيخ: أصلها الأرض ليست بالنسبة إلى الله بشيء السماوات السبع والأرضين السبع كما قال ابن عباس: «فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ كَخَرْدَلَة فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ»[[أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠ / ٢٤٦) طبعة هجر.]]، ومن هذه العظمة لا يتصور أن يكون شيء فوقه أبدًا، هذه ليست بشيء بالنسبة إلى الله، لله المثل الأعلى، لو فُرض أن تحت قدمك بيضة فهل أنت مهما كان ما تكون تحتك؟ هذا خطأ، وأما مسألة أن الأرض كروية فلا شك أن الأرض كروية، إي نعم الأرض كروية؛ لأن القرآن يدل على ذلك، وكذلك كلام أهل العلم يدل على هذا، الفقهاء رحمهم الله، فأما القرآن فقال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤] متى هذا إذا الأرض مدت؟
* الطلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، إذن الآن ليست ممدودة، ما مُدَّت فهي مُكوَّرة.
وكذلك قال الله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، وأما كلام أهل العلم فإنهم قالوا: لو مات رجل في المشرق عند غروب الشمس ومات رجل في المغرب عند غروب الشمس ورث الذي في المغرب الذي في المشرق، مع أنهما ماتا عند غروب الشمس تمامًا، كل واحد لما غربت الشمس طلع فوق، وهذا دليل على أيش؟
* طالب: الكروية.
* الشيخ: على أن الأرض كروية؛ لأنه لو لم تكن كذلك لكانت الشمس تغيب عن الأرض جميعها مرة واحدة، وهذا في الحقيقة ما فيه جدال، الآن الناس صاروا يجادلون في مسألة حركة الأرض ودوران الأرض، وهذا لا شك أنه من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان أن يُضيع الأوقات ويتعب الأفكار في إثباته أو نفيه، نحن نقول: الحمد لله الذي جعل الأرض راسية قرارًا لمصالحنا ومنافعنا.
* طالب: ومن السنة كمان يا شيخ.
* الشيخ: إي نعم، مثل؟
* الطالب: (...) يسمعهم الداعي (...).
* الشيخ: إيه، في يوم القيامة مثل الآية وأيضًا الرسول قال: «تُمَدُّ مَدَّ الأَدِيمِ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٤٠٨١) من حديث ابن مسعود.]] يوم القيامة. ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ الهمزة هنا للاستفهام والواو للعطف، ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيرًا، وقد اختلف النحويون فيها على قولين: فمنهم من يقول: إن الهمزة داخلة على مقدّر.
نقول: منهم من يرى أن المعطوف عليه محذوف مقدر بما يناسب المقام فيقول مثلًا: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ إلى آخره، أينقضون العهد وكلما عاهدوا عهدا نبذه، هذا وجه، والوجه الثاني يقول: إن الهمزة للاستفهام، وأن الواو للعطف، وأصل الواو قبل الهمزة، وهذا الرأي لا يحتاج قائله إلى تقدير، ويقول: إن الأصل: وأكلما عاهدوا عهدًا (وأكلما) فلا يحتاج إلى تقدير، وهذا لا شك أنه أيسر، والأول أقعد؛ يعني من جهة القواعد العامة في النحو الأول أقعد، لكن هذا أيسر، لماذا؟
لأنه لا يحتاج إلى تكلف المقدر، وأحيانًا يصعب على المرء أن يقدر شيئًا يناسب المقام، وما دام هذا أسهل فإنه ينبغي أن يكون هو المعتمد، ويصير التقدير أن الهمزة مؤخرة بعد حرف العطف، ونقول: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ أي: وأكلما عاهدوا عهدًا، أما (كلما) فإنه أداة شرط تفيد التكرار، أداة شرط تفيد التكرار؛ يعني تكرار الشرط جوابها بتكرر شرطها، ولهذا لو قال القائل لزوجته: كلما كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق مثلًا، وقلنا بصحة هذا التعليق، فإنها كلما كلمته طلقت، إذا كلمته مرة طلقت، إذا كلمته الثانية طلقت، إذا كلمته الثالثة طلقت، بخلاف (إن) إذا قال: إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق، فهي ما تطلق إلا مرة واحدة.
هنا يقول الله: ﴿كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ والعهد الميثاق الذي يكون بين الطوائف سواء كان ذلك بين أمة مسلمة وأمة كافرة، أو بين أمتين مسلمتين، أو بين أمتين كافرتين، والضمير في ﴿عَاهَدُوا﴾ يعود على اليهود ﴿كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ﴾ والنبذ بمعنى الطرح والترك؛ أي نبذوا هذا العهد وطرحوه ولم يفوا به، وهذا هو حال بني إسرائيل لا مع الله ولا مع عباد الله، فالله تعالى أخذ عليهم العهد والميثاق، ومع ذلك نبذوا العهد والميثاق، والنبي عليه الصلاة والسلام عاهدهم، ومع ذلك نبذوا عهده، عاهدهم لما قدم المدينة وإذا فيها ثلاث طوائف: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، فعاهدهم النبي عليه الصلاة والسلام كلهم نقضوا العهد، ولكن كانت الدائرة عليهم، فهنا يقول: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿فَرِيقٌ﴾ جماعة، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء اليهود، وإنما قال: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ لأن من اليهود من لم ينقض العهد بل وفى به، بل أسلم ودخل في الإسلام، ولكن غالبهم نبذه، ولهذا قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهذا الإضراب ليس للإبطال، ولكنه للانتقال من وصف إلى وصف، من وصف نقض العهد ونبذه إلى وصف عدم الإيمان، فعليه يكون هذا الإضراب إثباتًا لما قبله بـ (بل) وزيادة وصف وهو: أن ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأن المؤمن حقيقة لا بد أن يفي بالعهد كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٤] وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن آية المنافق ثلاث منها: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «... وَإِذَا اؤُتُمِنَ خَانَ».]]. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ولو أنهم آمنوا ما نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله أو الذي بينهم وبين عباد الله، وهذا من الأوصاف الذميمة التي من اتصف بها من هذه الأمة كان فيه شبه من اليهود الذي كلما عاهد غدر، ومن المنافقين في هذا العمل وهو أيضًا مشابه لليهود حيث إن هذا دأبهم.
* الطالب: فيه ناس صالحون يورد للكفار ويجيبوا يعني يقول هادول اللي بنى بالعمارة أحسن من المسلمين؛ يعني يقول: أهل أمانة ولا يخونون؟
* الشيخ: إيه، هذا من تزيين الشيطان، هذا من تزيين الشيطان لهم، وهؤلاء وإن كانوا مؤتمنين من حيث العمل الفردي الخاص، لكنهم غير مؤتمنين من حيث الأمة الإسلامية عمومًا؛ لأن دولا جواسيس للنصارى، ثم إن كل درهم نبذله لهؤلاء ففي الحقيقة أننا نبذله ليقيموا به رصاصة تكون في نحور المسلمين خصوصًا الشرقيين مثل الفلبيين؛ لأنهم الآن الحرب بينهم وبين المسلمين قائمة، ومع ذلك نأتي بهم، ثم إنه مهما كان الأمر لو فرض أن هؤلاء يريدون أن يُحسنوا المعاملة بينهم وبين الناس لأجل أن يسكتوا؛ لأنهم لو ساءت معاملتهم بينهم وبين الخلق ما أحد (...) يقول: حشف وسوء كيله، لكن هم يقولون: نحن نحسِّن المعاملة لأجل أن نرغب، فهذه سياسة وخيانة مكر، فالواجب على المسلم أن يكون حذرًا، ولا ينبغي لمسلم أن يعرف كراهة النبي عليه الصلاة والسلام بوجود اليهود والنصارى في هذه الجزيرة ثم يذهب يجلبهم، وهو الذي يقول ﷺ فيما صح عنه: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧ / ٢٠) من حديث ابن عباس.]] ويقول فيما ثبت في صحيح مسلم: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا»[[أخرجه مسلم (١٧٦٧ / ٦٣) من حديث عمر بن الخطاب.]]. وفي السنن أنه قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[أخرجه البزار في مسنده (٢٣٠)، والبيهقي في المعرفة (٥٥٣٨) من حديث عمر بن الخطاب.]] كيف الرسول يقول: أخرجوهم وإحنا نجيبهم؟! ولذلك حصل منهم مفاسد عظيمة الآن، وهم إذا كثروا يبغوا يطالبون بحقوق، يطالبون مدارس، ويطالبون بالكنائس، ويطالبون بكل ما يكون لهم في البلاد الأخرى.
* طالب: المسيحية اللي بتجيبوها من مصر وهذا داخلين فيها؟
* الشيخ: داخلين فيها أيوه، والمسيحيون من العرب قد يكونون أخبث من المسيحيين من غيرهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.
* الطالب: فضيلة الشيخ، كلما، قولنا: كلما كلمت زيدًا فأنتِ طالق ما يصح يعني يقول: إذا استمريت في تكليم زيد فأنت طالق؟
* الشيخ: لا، كلما وقع منها كلام؛ يعني لو كلمته ثلاث مرات طلقت ثلاث.
* الطالب: يعني هي تدل على استمرار الجواب كلما؟
* الشيخ: لا لا، تدل على وقوع الشرط وتكراره.
* الطالب: استمرار وقوع الشرط؟
* الشيخ: نعم، وقوع الشرط وجوابه. فيه عند الناس الآن أسلوب خطأ في اللغة العربية وهو أنهم إذا جاؤوا بـ(كلما) يكررونها في الجواب فيقولون: كلما جاء زيد كلما جاء عمرو، كلما حصل كذا كلما حصل كذا، هذا خطأ في أسلوب العرب، ويعتبر لحنًا؛ لأن إذا قال:كلما كان كذا كلما كان كذا صار الآن كرر أيش؟ كرر الشرط، ولم يأتِ بالجواب، والجواب ما يحتاج إلى أن تأتوا بالأداة مرة ثانية.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ﴾ ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه شرطية، وقد تقدم لنا أنها تأتي على أربعة أنحاء في اللغة العربية؛ شرطية، ونافية، وبمعنى إلا، وبمعنى حين (لما)، وهنا شرطية وقوله: ﴿رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هذه صفة للرسول؛ يعني رسول مرسل من عند الله وهو محمد ﷺ.
وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ مصدق للذي معهم من التوراة إن كانوا من اليهود، ومن الإنجيل إن كانوا من النصارى، والحديث في الآيات كلها عن اليهود.
وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ تقدم أن تصديق القرآن لما سبقه من الكتب له ناحيتان أو وجهان: الوجه الأول: أنه جاء مصدقًا لما أخبرَت به من نزوله، فإن الكتب السابقة أخبرت بنزول القرآن فجاء تصديقًا لها، والثاني: أنه شاهد لها في الصدق، وأنها من عند الله، فهذا إذن كان على اليهود والنصارى أن يفرحوا بهذا القرآن؛ لأنه مؤيد لما معهم، ولكن الأمر كان بالعكس ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ ﴿نَبَذَ﴾ هذه الجملة جواب الشرط في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ والنبذ بمعنى: الطرح. ﴿فَرِيقٌ﴾ جماعة ﴿أُوتُوا﴾ بمعنى أعطوا وأما (أتوا) بدون واو بمعنى جيء إليه، فـ (أتى) و(آتَى) بينهما فرق، آتى بمعنى أعطى، وأتى بمعنى جاء.
وهنا ﴿أُوتُوا﴾ بمعنى أُعطوا، ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثاني لأوتوا، ومفعولها الأول الواو التي هي نائب الفاعل (أوتوا)، وهذه (آتى) من باب (ظن وأخواتها) ولا أيش؟
* طالب: لا.
* الشيخ: من باب أيش؟
* طالب: اسم مرة.
* الشيخ: لا، من باب كسا، عندكم ابن مالك يقول:
وَالثَّانِ مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَيْ كَسَا ∗∗∗ ............................
فهو من باب (كسا) يعني ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعولان هنا الأول (الواو) اللي هي نائب الفاعل، والثاني (الكتابَ).
وقوله: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (أل) هنا للعهد الذهني، وهو بالنسبة لليهود التوراة، وبالنسبة للنصارى الإنجيل.
وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ كتاب مفعول نبذ، والمراد بكتاب الله هنا القرآن، وأُضيف إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه المتكلم به، وسُمي القرآن كتابًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بأيدي البشر.
﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ وإضافته إلى الله؛ لأنه كلام الله، فالقرآن الذي نقرؤه الآن هو كلام ربنا تبارك وتعالى، تكلم به حقيقة بلفظه ومعناه، وسمعه منه جبريل، ثم أتى به إلى النبي ﷺ فنزل به على قلب النبي ﷺ حتى وعاه وأداه إلى الصحابة، والصحابة أدوه إلى التابعين، وهكذا حتى بقي إلى يومنا هذا ولله الحمد.
وقوله: كتاب الله نبذوه ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ طرحوه وراء الظهر، وهو عبارة عن الانصراف التام عنه؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم لكان من الجائز أن يكونوا يأخذون به، أو عن اليمين، أو الشمال، لكن من ألقاه إلى وراء ظهره كان ذلك أبلغ في التولِّي والإعراض عنه، وعدم الرجوع إليه؛ لأن الشيء إذا خُلِّف وراء الظهر فإنه لا يُرجع إليه، كما أن فيه أيضًا -والعياذ بالله- إهانة أو استهانة بالقرآن، فإن الشيء الذي يُلقى وراء الظهر، هذا غاية ما يكون من الإهانة له، فصار التعبير بوراء الظهور يدل على أمرين؛ أحدهما: أنه لا مطمع في رجوعهم إليه، كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن اللي وراء ظهرك ما ترجع إليك، اللي أمامك يمكن إذا وصلت أخذت به، لكن وراء ظهرك هذا إعراض كلي لا مطمع في الرجوع إليه، والثاني: أنه يدل على الاستهانة به واحتقاره، وأنه ليس بشيء عند هؤلاء والعياذ بالله، فهم نبذوه وراء ظهورهم
﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ (كأن) لها معنى ولها عمل، عملها أيش؟
* طالب: عمل (إنَّ).
* الشيخ: عمل (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر، وأما معناها فهو هنا التشبيه؛ يعني كأنهم في نبذهم لكتاب الله لا...
بل قال ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ وأظن بينهما فرقًا، أو لا؟ فلأنهم لا يعلمون قد يكونون معذورين، إذا كانوا لا يعلمون، لكن إذا كانوا عالمين لكن نزَّلوا أنفسهم منزلة الجاهل بإنكار هذا القرآن فهذا أشد -والعياذ بالله- وأفظع، ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. إذن من نظر إلى هاتين الآيتين عرف حال هؤلاء اليهود، وأنهم -والعياذ بالله- عندهم من العتو والعناد ما أوجب أن يكونوا غير وافين بالعهد لله ولا لعباد الله، أين خبر (كأن)؟
* طالب: خبرها محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: كأنهم لا يعلمون الكتاب.
* الشيخ: عندك خلاف كلامه؟
* طالب: جملة (لا يعلمون).
* الشيخ: جملة (لا يعلمون)، ماذا تقولون أنتم، أيهما أصوب؟
* طالب: جملة (لا يعلمون).
* الشيخ: إي نعم، جملة (لا يعلمون)، ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لو حذفت (كأن) وقلت: هم لا يعلمون، وين الخبر يصير؟
* طالب: جملة..
* الشيخ: جملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ الخبر موجود لكنه جملة. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. نعم؟
* طالب: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أين نائب الفاعل؟
* الشيخ: الواو في ﴿أُوتُوا﴾.
* الطالب: ما هي بالمفعول الأول؟
* الشيخ: إي وأين هو المفعول الأول؟ نائب الفاعل في معنى المفعول به، لو قلت مثلًا: ضُرِبَ زيدٌ، فزيد مضروب، فهو بمعنى المفعول به، ولهذا نائب الفاعل في المعنى مفعول به.
* الطالب: يعني في الأصل؟
* الشيخ: في المعنى، في المعنى مفعول به.
* الطالب: قبل أن تُبنى جملة المبني للمجهول هو المفعول.
* الشيخ: إي نعم، قبل أن تبنى للمجهول هو المفعول به.
* الطالب: ﴿أُوتُوا﴾ تصريفها؟
* الشيخ: تصريفها؟ يعني تحويلها إلى فعل مضارع ولا أيش؟
* الطالب: لا، الواو، كيف بُنِي للمجهول أصلها؟
* الشيخ: أصلها لو كانت مبينة للفاعل لقيل (آتَوْا) كما في قوله تعالى: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج ٤١]، فلما بُنِي للمجهول (أُوتُوا) صار المفعول به نائبًا للفاعل.
* الطالب: الواو لأيش أُتِي بها (أُوتُوا).
* الشيخ: أيهم.
* الطالب: اللي بين الهمزة والتاء؟
* الشيخ: الواو من الفعل.
* الطالب: اللي هي الأخيرة؟
* الشيخ: كيف الأخيرة؟ الواو الثانية نائب الفاعل اسم، والواو الأولى في (أوتوا) هي فاء الفعل، فهي من الفعل، تعرف الفاء، فاء الفعل؟
* طالب: الهمزة ما هي فاء الفعل؟
* الشيخ: لا، الهمزة زائدة، فاء الفعل هي الواو، ﴿أُوتُوا﴾ أصلها (أُفْعِلُوا) هذا أصلها (أُفْعِلُوا)، فالواو هذه هي فاء الفعل.
* طالب: الآن (أوتوا) قلنا أنها نائب الفاعل الواو الأولى.
* الشيخ: لا، الواو الثانية نائب الفاعل، أنت حين كل ها السؤال عشان نفهم إن الواو الأولى هي نائب الفاعل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لا لا، الواو الثانية، الواو الأولى من الفعل، هي فاء الفعل.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ﴿اتَّبَعُوا﴾ أي: اليهود، ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ تتلوه هنا ليست بمعنى تقرؤه، ولكنها من تَلَاهُ يَتْلُوهُ بمعنى تبعه، أي: ما تتبعه الشياطين وتأخذ به، ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: في ملكه، وملك سليمان جمع بين الملك والنبوة؛ فإن سليمان ﷺ كان ملكًا نبيًّا، وكل اللي ذُكِرُوا في القرآن من الأنبياء فهم أنبياء رسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، خذوا هذه الفائدة؛ لأن بعض الناس يقول: الذين ذُكِرُوا في القرآن بعضهم ذُكِر إنه وكان رسولًا نبيًّا، وبعضهم ما ذكر إنه رسول، ولكن نقول: كل من قُصّ في القرآن فهو رسول؛ لقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، فكل اللي قصهم الله على محمد ﷺ فهم رسل، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ مثلًا، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٥٦]، ولا في قصة في القرآن إن الله يقول: وأرسلنا إدريس إلى قومه، إنما فيه (اذكر إدريس)، فنقول: كل من ذُكِر في القرآن من الأنبياء فإنهم رسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يعني: منهم الذين قصصنا عليك، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ فهنا نقول: سليمان ﷺ هل هو نبي أو ملك أو رسول؟ كل الثلاثة، نبي ورسول وملك، وعند اليهود قتلهم الله يقولون: إنه ملك، ملك، ولكنه بلا ريب إنه نبي، رسول، ملك، أعطاه الله تعالى من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده.
* طالب: داود؟
* الشيخ: وداود نفس الشيء، ملك، نبي، رسول. نعم، يقول: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ وهو، أي: سليمان من بني إسرائيل، قبل موسى ولّا بعده؟
* طالب: بعد موسى.
* الشيخ: أو قبله؟
* الطلبة: قبل موسى.
* الشيخ: قبل موسى؟ وإن كان داود عقب موسى يصير سليمان قبل موسى؟
* طالب: إي.
* الشيخ: يعني إن كان داود عقب موسى سليمان قبل موسى؟
* طالب: لا لا، واحد فيهم أب للثاني.
* الشيخ: سليمان هو الابن.
* طالب: سليمان بن داود.
* الشيخ: ابن داود، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة ٢٤٦]، ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٧] إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة ٢٥١]، وهنا يقول: ﴿إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ على هذا يكون سليمان بعد موسى، يكون سليمان بعد موسى.
وقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ واليهود يزعمون إن سليمان يتعلم السحر، وأنه ساحر، ويدَّعون هذا، والسحر كفر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ يعني: ليس بكافر، أي: ما كفر بسحره حيث زعم اليهود أنه كان كذلك، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وفي قراءة سبعية﴿وَلَكِنِ الشَّيَاطِينُ كَفَرُوا﴾ ، فعلى قراءة ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ تكون الواو حرف عطف، و(لكنّ) حرف استدراك يعمل عمل (إنّ) ينصب الاسم ويرفع الخبر، والشياطين اسمها، وجملة (كفروا) خبرها، وعلى قراءة التخفيف يجب أن تكون (الشياطين) بالرفع، ﴿وَلَكِنِ الشَّيَاطِينُ كَفَرُوا﴾ ، هنا نقول: الواو حرف عطف، و(لكن) حرف استدراك مبني على السكون وحُرِّك بالكسر؛ لالتقاء الساكنين، و(الشياطين) مبتدأ، و(كفروا) خبر المبتدأ. وقوله: ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ جمع شيطان، وهو على الحقيقة، فالشياطين ليست واحدًا، ولكنهم متعددون كثيرون؛ لأن له جنودًا وذرية، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف ٢٧]، وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف ٥٠]، فالشياطين كثيرون، ﴿كَفَرُوا﴾ بماذا؟ فَسَّرَ هذا الكفر بقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ يعني الشياطين كفروا بهذا، فهم يعلِّمون الناس السحر، والسحر في اللغة: كل شيء خَفِي ولطف، كل شيء خفي صار خفيًّا ولطيفًا يسمى سحرًا، فكل شيء خفي سببه ولطف يسمى سحرًا، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]؛ لأن البيان والفصاحة يجذب النفوس والأسماع، حتى إن الإنسان يجد من نفسه ما يشده إلى سماع هذا البيان، فيسحر الناس، الساعة الآن تعتبر سحرًا ولّا لا؟
* طالب: الآن لا.
* الشيخ: في المعنى اللغوي، في المعنى اللغوي، الكمبيوتر سحر.
* طالب: في بدايته.
* الشيخ: إي، في المعنى، أصله خفي على عامة الناس، خفي حتى إن الرازي في تفسيره لما قسم السحر وأنواعه قال: إن الساعة من السحر، الساعة من السحر؛ لأنه يخفى سببه ويش اللي خلاه مثلًا، في الزمن الأول الساعة ما هي مثلها الآن، ترقت أكثر وتعقدت أكثر الآن، ويش اللي خلاها تنبض الآن، عندنا فيه الساعات الآن اللي بتشر بالنبض ولّا لا؟ ويش يخليها المسمار هذا اللي يسمونه، أيش يسمونه اللي يمشي ده؟
* طالب: العقارب.
* الشيخ: العقارب، ويش اللي يخليها تمشي، ما نشوف شيء يحركها، ويش اللي يخليها ما إن وصلت الساعة المعينة صوتت، بعضهم بعد جاؤوا بشيء يؤذن، كل هذا مما خفي سببه، فهو في اللغة العربية يعتبر من السحر، لكنه ليس هو السحر الذي ورد ذمه؛ لأن هذا مآله إلى العلم، وهو أمر طبيعي صناعي، لكن السحر الذي يراد هو -والعياذ بالله- التأثير بسبب أدوية ورقى وتعوُّذات، تأثير بأسباب خفية من قراءات وتعاويذ وأدوية تُصنع من إنسان حتى يصيبه السحر -والعياذ بالله- وهو أنواع، من السحر ما يقتل، يبدأ الإنسان المسحور -والعياذ بالله- ينقص شيئًا فشيئًا حتى يموت، ومنه ما يُمْرِض، ومنه ما يزيل العقل ويخبّل الإنسان، ومنه ما يُغير حواس المرء بحيث يسمع ما لم يكن، أو يشاهد الساكن متحركًا أو المتحرك ساكنًا، ومنه ما يجلب المودة، ومنه ما يوجب البغضاء، المهم أنه أنواع -والعياذ بالله- أنواع، وأهله يعرفون هذه الأنواع، هذا السحر حكمه محرم بلا شك، وهل هو كفر أو ليس بكفر؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يرى أنه كفر مُخْرِج عن الملة، وأن الساحر يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل، بل بعض العلماء يرى أنه لا توبة له، وأنه يُقتل بكل حال، ولكن الصحيح أنه ما من ذنب إلا وله توبة، ومن العلماء من يرى أنه لا يكفُر ولكن يُقتل حدًّا، يقتل حدًّا وجوبًا، يعني يُعدم ولكنه مسلم يصلَّى عليه، ومنهم من يرى أنه يعزَّر تعزيرًا بليغًا، إن ارتدع وإلا قُتِل إذا لم يرتدع بدون قتل، ولكن سيأتينا إن شاء الله في الفوائد أن القرآن يدل على أنه كفر.
وقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إذا كان الكفر في تعليم السحر فما بالك في ممارسة السحر، هو من باب أولى.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ يعني واتبعوا أيضًا ما أُنزل على الملكين، (مَلَكَيْنِ) بفتح اللام وليست بكسرها، والفرق بين الملَك والملِك أن الملَك الرسول، والملِك الحاكم الذي له سلطة، هذا الملِك، وهنا هما ملِكين أو ملَكين؟
* طالب: ملَكين.
* الشيخ: ملَكين أرسلهما الله تبارك وتعالى إلى الأرض، أحدهما اسمه هاروت، والثاني اسمه ماروت، واحد هاروت وواحد ماروت، ولهذا قال، وقوله: ﴿بِبَابِلَ﴾ هذا اسم للمكان، أنزل الله في هذا المكان أي في بابل وهي بلد معروفة، في أي مكان؟
* الطلبة: في العراق.
* الشيخ: في العراق، أرسلهما الله إلى هذا البلد وجعلَا يعلِّمان الناس السحر اختبارًا من الله وفتنة، لا يقال: كيف أنهما ملَكان فيعلِّمان السحر؟ نقول: إن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يبتلي قومًا ابتلاهم بما شاء، فأراد الله أن يبتلي هؤلاء الناس بنزول هذين الملَكين يعلِّمان الناس السحر، يقول تعالوا، تبغي تتعلم السحر؟ صنعة تحصل بها فلوس، تخلي الناس المتحابين يتباغضون، والمتباغضين يتحابون، إذا صار لك عدو تقدر تقتله، وهكذا، لكن مع ذلك ما يعلِّمان من أحد حتى يقولَا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ شوف سبحان الله العظيم، هذا من تمام النصح، من تمام النصح، ما يمكرون بالناس ويعلّمونهم ويفتحون الباب لهم، لا، من جاء ليتعلم حذراه، فما ﴿يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ ولم نعلِّم السحر اختيارًا ولا رغبة فيه، ولكن اختبارًا من الله سبحانه وتعالى، وهذا لله أن يفعل ما شاء، لله أن يفعل ما شاء، والله تعالى قد يُيَسِّر أسباب المعصية ليختبر العبد، كما يُسِّرَت أسباب المعصية لبني إسرائيل في؟
* الطلبة: الصيد.
* الشيخ: في الحيتان يوم السبت، وكما يُسِّرَت أسبابها للصحابة رضي الله عنهم وهم محرِمون، ويش هو فيه؟
* الطلبة: صيد البر.
* الشيخ: في صيد البر، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤]، فأنت إذا يُسِّرَت لك أسباب المعصية فلا تفتتن؛ فإن الله تعالى قد يبتليك، ولهذا إذا عدلت عنها مع تيسر أسبابها كان في ذلك منقبة عظيمة لك، «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ (...)»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]، منعته عفته أن يفعل مع تيسرها له، فهذا من الذين يظلّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إذن هذان الملَكان ما يعلِّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة، واعلموا أن كثيرًا من المفسرين في هذه الآية ذكروا قصصًا إسرائيلية كلها كذب، كلها كذب، ذكروا أن امرأة حصل منها ما حصل، ثم إنها صعدت إلى السماء وأنها هي النجمة المعروفة بالزهرة، رُكِّبَت في السماء وصارت نجمة، وعلى كل حال كل هذا اللي ذُكِر هنا كلها إسرائيليات يجب إنكارها، ولا يجوز أن يفسَّر بها كلام الله تبارك وتعالى.
قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ يتعلمون من؟ اليهود، يعني قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ثم قال ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وهذا يقول العلماء: من أشد أنواع السحر، إنه يفرق بين المرء وزوجه، ويش شو زوجه؟
* الطلبة: زوجته.
* الشيخ: زوجته نعم، لكنه قلنا مرارًا: إن اللغة الفصحى (زوج) للرجل والمرأة، وأن الفرَضيين رحمهم الله هم الذين اصطلحوا على أن تكون (زوجة) للأنثى، و(زوج) للرجل؛ لئلا تلتبس المسائل بعضها ببعض، ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ومن أقوى المودة والمحبة التي تكون بين البشر هي التي تكون بين المرء وزوجه إذا صلحت الحال، فإذا صلحت حال الزوجين فإنه لا يوجد أحد يماثلهما في المودة والمحبة، ومن المعلوم أن المحبة بين الزوجين ليست كالمحبة بين الأم وابنها، أو لا؟ فتلك محبة لها لون، والأخرى لها لون آخر، لكن الالتئام والوفاق بين الزوجين إذا أصلح الله حالهما لا يكون له نظير، حتى إن المرأة تفدي نفسها بزوجها، وبالعكس، وحتى إن المرأة لتدع أمها وأباها من أجل زوجها، فعلى هذا هؤلاء -والعياذ بالله- يتعلمون ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ أي: بسببه، بين المرء وزوجه، طيب هنا يتعلمون ما يفرقون به، أين المفعول، (ويتعلمون)؟
* طالب: (ما).
* الشيخ: (ما) الاسم الموصول، وهذه من المعرفة ولّا من العلم اليقين؟ من المعرفة التي لا (...) إلا مفعولًا واحدًا ﴿يَتَعَلَّمُونَ﴾ على قراءة (لكنَّ) عاملة ولّا مهملة؟
* طالب: لا، عاملة.
* الشيخ: عاملة، وعلى قراءة (لكنْ) لماذا أُهْمِلت؟
* طالب: لأنها مخففة.
* الشيخ: طيب، وهل إذا خُفِّفت (لكن) تُهْمَل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش الدليل من قول ابن مالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب من يستحضر؟ وألحقت بإنّ، لأ، ما هي هذه، لكن وأن، ما هي هذه، هذه في اتصاله بـ(ما)
وَخُفِّفَـــــــتْ إِنَّ فَقَــــــــــــــــــلَّالْعَمَــــــــــــــــلُ ∗∗∗ وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَاتُهْمَـــــــــــــــــــــــــــلُ ؎وَرُبَّمَـــــــــــــــــــــــا اسْتُغْنِيَعَنْهَـــــــــــــا إِنْ بَدَا ∗∗∗ مَا نَــــاطِقٌ أَرَادَهُمُعْتـــــــــــــــــــــــــــــــــَمِدَا ؎وَالْفِعْـلُ إِنْ لـَمْ يَكُ نَـــــــــــــــــاسِخًافَلَا ∗∗∗ تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُــــــــــــــوصِلَا؎وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَـــــــــــــــااسْتَكَنْ ∗∗∗ وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنْ ؎وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْدُعَـــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَلَمْ يَــــــــــــــــــكُنْ تَصْرِيفُهُمُمْتَنِعَــــــــــــــــــا ؎فَالْأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِقَدْ أوْ نَفْيِ أوْ ∗∗∗ تَنْفِيسٍ اوْ وَلَوْ وَقَلِيْلٌ ذِكْرُ لَــــــــوْ؎وَخُفِّفَتْ كَأَنَّ أَيْضًافَنُـــــــــــــــــــــــــــــوِي ∗∗∗ مَنْصُوبُهَا وَثَابِتًا أَيْضًــــــــــــــــــارُوِي
ما ذكرها ابن مالك؟
* طالب: (...) حرف جر؟
* الشيخ: لا، تكون هي للاستدراك فقط، حرف عطف، مهملة على أنها حرف عطف، وإذا سُبِقت بحرف العطف صارت للاستدراك فقط.
قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الجملة في ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ ويش موضعها من الإعراب؟
* طالب: جملة حالية.
* الشيخ: جملة حالية، من الفاعل في؟
* طالب: ﴿كَفَرُوا﴾.
* الشيخ: ﴿كَفَرُوا﴾ يعني: حال كونهم ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ طيب قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ أيش محلها من الإعراب؟
* طالب: معطوف.
* الشيخ: معطوف على أيش؟
* طالب: معطوف على ﴿مَا تَتْلُو﴾.
* الشيخ: ﴿مَا تَتْلُو﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو﴾ واتبعوا أيضًا ما أنزل على الملكين، الملكين تثنية ملَك ولا ملِك؟
* طالب: ملَك.
* الشيخ: ملَك، طيب يعني فيه ملَكان نزلا إلى الأرض؟
* طالب: إي نعم نزلا إلى الأرض.
* الشيخ: زين، قوله: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ أيش معناها؟
* طالب: نزلوا ببابل.
* الشيخ: نزلوا ببابل؟ ويش معنى ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾؟
* طالب: نزلا ببابل.
* الشيخ: إضافة ببابل هاروت وماروت؟
* طالب: أسماء ملَكين.
* الشيخ: إذن ما هي مضافة، يعني ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ و﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدل أو عطف بيان، وليست ﴿بِبَابِلَ﴾ مضافة، و﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ مضاف إليه، ما يصلح هذا، ما يستوي به الكلام.
قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ ويش معنى فتنة؟
* طالب: الاختبار والامتحان.
* الشيخ: الاختبار والامتحان، وما هي هذه الفتنة؟
* طالب: هي السحر.
* الشيخ: السحر، يعلِّمون السحر فتنة من الله سبحانه وتعالى، طيب هل هؤلاء الملَكان خدعا الناس أو بيّنّا لهم الأمر؟
* طالب: بينا الأمر.
* الشيخ: كيف ذلك؟ أو ما الدليل على أنهما بينا ذلك؟
* طالب: الدليل أنهما يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
* الشيخ: ما يعلّمون أحدًا حتى يقولوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ طيب ما الذي يتعلمون من هذين الملَكين؟
* طالب: السحر.
* الشيخ: ويش هو ويش نوع هذا السحر؟
* طالب: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم؟
* طالب: ما حضرت.
* الشيخ: أي ما حضرت، طيب نعم؟
* طالب: ما يفرق الرجل بين المرء وزوجته.
* الشيخ: ما يفرقون به بين المرء وزوجته، صح، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ طيب قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ما المراد بالإذن هنا، الكوني ولّا الشرعي؟
* طالب: الشرعي.
* الشيخ: الشرعي؟ هل يمكن أن يأذن الله شرعًا بالسحر؟ أو (...) بضرر السحر؟
* طالب: لا لا، لكن (...).
* الشيخ: يعني (...) الكلام هذا ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ويش يصير؟
* طالب: الكوني.
* الشيخ: الكوني؟ ما تقولون يا جماعة؟
* الطلبة: الكوني.
* الشيخ: الكوني؟ طيب صح، طيب إذن الإذن ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، فنريد أمثلة لذلك، مثال الكوني؟
* طالب: الكوني؟
* الشيخ: نعم الإذن الكوني؟
* الطالب: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
* الشيخ: نعم ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ صح، وكذلك الآية التي معنا أيضًا يصح أن نمثل بها، الإذن الشرعي؟
* طالب: الإذن الشرعي قوله في المساجد ما قيل أنها تُرفع ويُذكر فيها اسمه.
* الشيخ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور ٣٦]، هذا الإذن الشرعي، الفرق بينهما الإذن الكوني والشرعي؟
* طالب: الكوني يلزم منه إذن (...).
* الشيخ: وقوع المأذون.
* طالب: وقوع المأذون، والشرعي لا يلزم منه وقوعه.
* الشيخ: صح، الفرق الثاني؟
* طالب: الشرعي يكون على ما يحبه الله تعالى.
* الشيخ: فيما يحبه الله.
* طالب: والكوني لا يكون كذلك، قد يكون فيما يحبه الله سبحانه وقد..
* الشيخ: فيما لا يحبه، أمثلة: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]، هذا ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ إذنًا شرعيًّا؛ لأنه يكرهه، طيب نشوف الفوائد، فوائد الآيات.
قال الله تعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ٩٦]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن اليهود أحرص الناس على الحياة.
* ومن فوائدها أيضًا: إبطال قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ثم نخرج منها ونكون في الجنة؛ لأن من كان كذلك هل يكره الموت؟ ما دام هم أولياء الله وأحباؤه فإنهم لا يكرهون ذلك، فهذا يكذِّب دعواهم أنهم أبناء الله يعني أولياءه وأحباءه، ويكذِّب قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الناس يتفاوتون في الحرص على الحياة؛ لقوله: ﴿أَحْرَصَ﴾ يعني هذه أحرص اسم تفضيل، والناس يختلفون، ولما دخل أحد القواد المسلمين على أحد قواد المجوس وأظنه رستم قال له«: إنّ معي قومًا يحبون الموت كما تحبون الحياة »[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٢٩٢)، وابن أبي يعلى في مسنده (٧١٩٠) من طريق عامر الشعبي، ولفظه: «لَأَلْقَيَنَّكُمْ بِقَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَحُبِّكُمُ الْحَيَاةَ».]]؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أزهد الناس في الدنيا، ولا تهمهم الدنيا إذا كانوا في مرضاة الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية: أن المشركين أيضًا من أحرص الناس على الحياة، وأنهم يكرهون الموت، (...) بالكم يا جماعة من أين نأخذها؟ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مما يدل على أن الذين أشركوا في القمة في كراهة الموت.
* ويستفاد من هذين الأمرين: كون اليهود أحرص الناس على حياة، وأن المشركين أيضًا حريصون على الحياة، يستفاد منه تشجيع المؤمنين على قتال أعداء الله من المشركين واليهود؛ لأن اللي يحب الحياة يكره أسباب الموت، ولّا لا؟ والقتال من أسباب الموت، هذا مما يقوي عزيمة المسلمين على قتالهم، ولكن ما رأيكم لو أننا قلنا: إن المسلمين اليوم يكرهون الموت؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح؟ ولهذا يعمرون للدنيا أكثر مما يعمرون للآخرة، ويكرهون الجهاد في سبيل الله إلا من شاء الله.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن طول العمر لا يفيد المرء شيئًا إذا كان في معصية الله، طول العمر لا يفيد المرء شيئًا إذا كان في معصية الله، من أين نأخذه؟ ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.
* ويستفاد منه: غَوْر فهم السلف حين كرهوا أن يُدْعَى للإنسان بالبقاء، فإن الإمام أحمد كره أن يقول للإنسان: أطال الله بقاءك، السبب؟ لأن طول البقاء قد ينفع وقد يضر، ولّا لا؟ إذن الطريق السليم أن تقول: أطال الله بقاءك على طاعة الله. أطول المخلوقات عمرًا إبليس، وهو أخسر الناس من وقته، ما نفعه طول العمر.
* طالب: الناس يا شيخ يقولون: لو درينا أن الإمام قرأ خطبة يقول: اللهم (...) ما قلنا: آمين.
* الشيخ: عجيب، والله مشكلة، (...) الجهاد شيء يعطون إياه.
* طالب: إي نعم لكن لو درينا ما قلنا.
* الشيخ: الله يهدينا وإياهم، طيب خلونا نمشي، أنا قائل لكم لا تسألونا شيء ونحن نستدرك في الفوائد.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى محيط بأعمال هؤلاء اليهود كغيرهم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ والبصر هنا بمعنى العلم، ويمكن أن يكون بمعنى الرؤية، قال النبي ﷺ: «لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري. ]]، فأثبت لله بصرًا، فإذن البصير يحتمل أن يكون بمعنى العلم، أو أن يكون بمعنى البصير أي الذي يرى ما يعملونه، والأول أي أعم؟
* طالب: الأول.
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الأول أعم، العلم.
قال الله تعالى: ﴿