تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ ﴿٢٠٥﴾
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
* طالب: يعني ما فيها قراءة؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ﴿وَيَشْهَدُ اللَّهُ﴾ .
* الشيخ: لا، ما فيها قراءة سبعية، لا.
* الطالب: فيها قراءة.
* الشيخ: ما هي سبعية.
* طالب: نعم، سبعية، سبعية.
* الشيخ: أنا ما عندي إجابة، ما كتبت عندي.
* الطالب: نعم، قرأها حمزة الزيات على الخبر.
* الشيخ: ما أدري، على كل حال تأكدوا منها؛ لأنها ما كتبت، والغالب أني متتبع القراءات السبع.
* طالب: هو بيقول حمزة.
* الشيخ: ما دونه، بس تأكدوا منها.
* الطالب: من واحد.
* الشيخ: أقول: تأكدوا منها، التأكد طيب.
قال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ عندي ﴿وَهْوَ﴾ هذه معروفة فيها قاعدة: ﴿وَهْوَ﴾ يعني: سكون الهاء، هذه في كل القرآن، يقال: وَهُوَ، ويقال: وَهْوَ.
* طالب: على قراءة (...)؟
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿وَيَشْهَدُ﴾ .
* الشيخ: إي، تقول: ﴿وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ؟ هذا يرجح المعنى الثاني أن يُشهد اللهَ ما في قلبه من النفاق.
قال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿إِذَا تَوَلَّى﴾ يعني: عنك وذهب، ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ المراد بالسعي هنا مطلق الحركة، وليس المراد بالسعي: الركض بالرجل، المراد أنه يتحرك للفساد، ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ اللام هنا للتعليل ولَّا للعاقبة؟
* طالب: للتعليل.
* الشيخ: للتعليل، يعني: أنه يطلب الفساد، ويحرص عليه، ويسعى له بقدر ما يستطيع.
﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ كيف يهلك الحرث والنسل؟ قال بعض المفسرين: إن الآية نزلت في شخص معين وهو الأخنس بن شريق، وإنه ذهب إلى قوم من الأنصار وأحرق عليهم زروعهم، وقتل ما عندهم من الحمر؛ الحمير.
ولكن الصحيح أن معنى ﴿يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ أنه بسبب فساده في الأرض تنقص البركات وتحل الآفات، وبذلك يكون هو السبب في إهلاك الحرث والنسل؛ لأن الصحيح -كما قلنا-: إن الآية عامة ما هي في شخص معين، في كل من كان هذا وصفه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾، فعلى هذا يكون ﴿يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ أي: يكون سببًا لهلاك الحرث والنسل.
﴿الْحَرْثَ﴾ المراد به: المحروث، وهو الزروع، كما يقال: الغرس، يعني المغروس، وقوله: ﴿النَّسْلَ﴾ مثلها أيضًا، النسل بمعنى المنسول، يعني: الأولاد والذرية، يعني: فيكون سعيه هذا سببًا لفساد الأرض ولفساد الحيوانات؛ لأنه إذا حصلت المعصية -والعياذ بالله- إذا حصلت المعصية قلَّت البركات ونزعت من الأرض، وحلت الآفات ونقصت الأمطار، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٥، ٦٦] ﴿أَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من الثمار من الأشجار، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ بيان أن عمله هذا محبوب إلى الله ولَّا مكروه إليه؟ مكروه إليه؛ لأن الله لا يحب الفساد، وإذا كان لا يحب هذا الفعل، فإنه لا يحب من اتصف به؛ ولهذا جاء في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤]، والله لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين، فالفساد نفسه مكروه إلى الله، والمفسدون أيضًا مكروهون إليه لا يحبهم.
وإذا علق انتفاء المحبة على وصف، فقد يؤخذ منه أن المحبة تثبت فيما يقابله من الوصف، فإذا كان لا يحب الفساد، فهو يحب الصلاح.
وكذلك المصلحون، حتى قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود ١١٧]، فالله تعالى يحب المصلِح، ويحب الصلاح أيضًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ -والعياذ بالله- ﴿إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ من قاله؟ أي قائل؛ لأن (قِيلَ) فعل مبني للمجهول، وأصل (قِيلَ): قُوِلَ، على وزن ضُرِبَ؛ لأنه فعل ثلاثي مبني للمجهول، لكن حدث فيه إعلال بقلب الواو ياءً، ثم كسر ما قبلها: قِيلَ.
﴿إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: أمر بأن يتقي الله عز وجل، فيتجنب ما يسعى في الأرض من الفساد الذي هو سبب لهلاك الحرث والنسل كان جوابه -والعياذ بالله-: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ العزة هنا بمعنى الأنفة والحمية والترفع.
والعزة قد تكون وصفًا محمودًا، وقد تكون وصفًا مذمومًا، فالمعتز بدينه هذا محمود، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، والمعتز بحسبه ونسبه حتى يكون عنده أنفة من الأمر بالدين، هذا مذموم، فتأخذه العزة بالإثم، أي: تحمله على الإثم، والباء هنا قيل: إنها للسببية، أي: أخذته العزة الأنفة بسبب إثمه، فلإثمه لم يوفق للاهتداء، ولم يوفق لقبول الأمر بالتقوى، وقيل: إن الباء للتعدية، أَخَذَتْهُ بكذا، يعني حَمَلَتْهُ عليه، وهذا هو الأقرب.
وقوله: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ وأيش معنى الإثم؟ أي: الذنب الموجب للعقوبة، فكل ذنب موجب للعقوبة فهو إثم.
يقول الله عز وجل: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ﴿حَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: كافيه، وهو وعيد له بها -والعياذ بالله- والحسْب بمعنى الكافي، قال الله تعالى: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة ١٢٩] أي: كافيني، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٧٣] أي: كافينا، ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: كافيته، والمعنى: أنه يكون من أهلها -والعياذ بالله- ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
(جهنم) اسم من أسماء النار، قيل: إنها اسم معرَّب أو كلمة معرَّبة، وإنها ليست من العربية الفصحى لكنها معرَّبة، وقيل: بل هي من اللغة الفصحى، وإن أصلها من الجُهمة وهي الظلمة، ولكن زيدت فيها النون: جهنم للمبالغة، وعلى كلٍّ فإن جنهم اسم للنار التي أعدها الله تعالى للكافرين، اسم لها، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمتها، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ اللام هنا ماذا نعربها؟
* طالب: للابتداء.
* الشيخ: اللام للابتداء لأيش؟
* طالب: موطئة للقسم.
* الشيخ: أو موطئة للقسم، أي: ووالله لبئس المهاد، وهذا أقرب.
وقوله: ﴿بِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هذه فعل جامد لإنشاء الذم، (بئس) فعل جامد لإنشاء الذم، وفاعلها؟ ﴿الْمِهَادُ﴾، وهي من الأفعال التي تحتاج إلى مخصوص بالذم، أين المخصوص؟
* طالب: المهاد.
* الشيخ: لا، ﴿الْمِهَادُ﴾ فاعل.
* طالب: محذوف.
* الشيخ: محذوف، أي: ولبئس المهاد مهاده، حيث كانت جهنم.
(...) ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآيات الكريمة: مزية الذكر في هذه الأيام المعدودات؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ لأن ذكر الله على سبيل العموم في كل الوقت، لكن هذا على سبيل الخصوص.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه يجوز في هذه الأيام الثلاثة التعجل والتأخر؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* ومن فوائدها: سعة فضل الله عز وجل وتيسيره في أحكامه؛ حيث جعل الإنسان مخيرًا أن يبقى ثلاثة أيام أو أن يتعجل في اليومين.
* ومن فوائدها: أنه لا بد أن يكون خروجه من منى قبل أن تغرب الشمس؛ لأن (في) للظرفية، والظرف يحيط بالمظروف، فلا بد أن يكون التعجل في خلال اليومين.
* ومن فوائدها: أنه لا يجوز التعجل في اليوم الحادي عشر؛ لأنه لو تعجل في اليوم الحادي عشر لكان تعجل في يوم لا في يومين، واضح؟
وهنا أنبهكم إلى أن كثيرًا من العامة يظنون أن المراد باليومين: يوم العيد واليوم الحادي عشر، ويظنون أن الإنسان يجوز أن يتعجل في اليوم الحادي عشر، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وهي أيام التشريق، وأيام التشريق إنما تبتدئ؟
* طالب: في الحادي عشر.
* الشيخ: في الحادي عشر.
* ومن فوائد الآية: أن الأعمال المخيَّر فيها إنما ينتفي الإثم إذا كان الإنسان فعلها على سبيل التقوى لله عز وجل دون التهاون بأوامره؛ لقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، فمن فعل ما يخير فيه على سبيل التقوى لله عز وجل والأخذ بتيسيره، فهذا لا إثم عليه، وأما من فعلها على سبيل التهاون وعدم المبالاة، فإن عليه الإثم بترك التقوى وتهاونه بأوامر الله.
وهل يستفاد من الآية: جواز التأخر إلى اليوم الرابع عشر والخامس عشر أو لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: الآية يقول: ﴿مَنْ تَأَخَّرَ﴾، ما قال: في ثلاثة أيام، أطلق؟ لكن أصل الذكر في ثلاثة أيام في أيام معدودات، فيكون المعنى: من تأخر في هذه الأيام المعدودات وهي الأيام الثلاثة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لأن الله قيدها قال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾.
* الطالب: كيف يتصور؟
* الشيخ: يتصور؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يتصور أن الرجل يكون يفعل هذا على سبيل التهاون وعدم المبالاة لا على سبيل أن الله تعالى يسره له ورخص له فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التقوى؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وقد سبق لنا أن التقوى هي والبر إذا ذكرا جميعًا؟
* طالب: افترقا.
* الشيخ: إذا ذكرا جميعًا؟
* طالب: افترقا.
* الشيخ: افترقا في المعنى، وإن أفرد أحدهما؟ دخل فيه الآخر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: قرن المواعظ بالتخويف؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ لأن الإنسان إذا علم بأنه يحشر إلى الله عز وجل، وأنه سيجازيه، فإنه سوف يتقي الله ويقوم بما أوجب الله، وبهذا عرفنا الحكمة من كون الله عز وجل يقرن الإيمان باليوم الآخر في كثير من الآيات بالإيمان بالله، ففي كثير من الآيات يُقرن الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله دون بقية الأشياء التي يؤمن بها؛ وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل لذلك اليوم، وهو القيام بماذا؟ بطاعة الله ورسوله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون إلى طرق، منهم من هذا وصفه، ومنهم من يأتي وصفه أيضًا.
* ويستفاد منه: أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال، من أين تؤخذ؟ ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾، وكذلك من الناس من يعجبك فعله، ولكنه منطوٍ على الكفر -والعياذ بالله- فهذا لا تغتر بظاهر الحال، ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما تقتضيه؟
* طالب: الظاهر.
* الشيخ: الظاهر؛ لأن ما في القلوب ما نعلمه، ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب، وإنما نحاسبهم على حسب الظواهر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه، إما مما أظهره، وإما مما أبطنه؛ لأنا قلنا: إن فيها معنيين: إما فيما أظهره، يعني يظهر لك أنه يتكلم بالكلام الذي يُشهد الله على ما في قلبه من ظاهر حاله، أو أنه يُشهد الله على ما في قلبه من الكفر والنفاق، فهو منطوٍ عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ترك الجدل والخصام؛ لقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، فإن الخصومات في الغالب ما يكون فيها بركة، ولكن هذه الآية -كما قلنا سابقًا- مقيدة بما أمر الله به من المجادلة، مجادلة أهل الباطل بالحق، فإن هذا أمر لا بد منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل بما في الصدور؛ لقوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾؛ لأن ما في القلب ما يعلمه إلا الله عز وجل ومن كان في قلبه هذا الشيء.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هذا الرجل الذي يعجب قوله ويُشهد الله على ما في قلبه أنه إذا تولى سعى في الأرض بما يفسدها، بماذا؟
* طالب: بالمعاصي.
* الشيخ: بالمعاصي، فإن المعاصي سبب لهلاك الحرث والنسل -والعياذ بالله- الدليل؟ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٥،٦٦].
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن هذا الذي يُعجب قولُه يتولى، ما يبقى ولا يمكث؛ لقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾، وقد مر علينا في أول سورة البقرة أن اللغة العربية تفرق بين (إنْ) و(إذا)؛ بأن (إن) الشرطية لأمر قد يكون مستحيلًا ولا يمكن، والغالب أنه يكون غير واقع، أما (إذا) فهي فيما يكون ممكنًا ومتوقعًا؛ ولهذا قالوا في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة ٢٠] ما قال: وإن أظلم، فلما قال: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ﴾ علم بأنه لا بد أن يظلم، هذا ﴿إِذَا تَوَلَّى﴾ ليست كقوله: إن تولى، إن تولى سعى، ولكنه إذا تولى، يعني سيكون منه التولي؛ لأنه غير ثابت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
فإن قلت: هذا نفي وليس بإثبات، قلنا: إن نفيه محبة الفساد دليل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لا يحب أبدًا لم يكن هناك فرق بين الفساد والصلاح، أو لا؟ فلما نفى المحبة عن الفساد علم أنه يحب الصلاح، وهو كذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. ومعلوم أن كل إنسان يجب أن يكون حذرًا من التعرض لأمر لا يحبه الله.
إذا كان لا يحب الفساد هل هو لا يحب المفسد؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، معلوم؛ لأن الوصف إذا كان غير محبوب إلى الله، فمن اتصف به فغير محبوب إلى الله، على أنه ورد في آيات أخرى ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤].
ثم قال: ﴿