×

البقرة

الآية ٢٠٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ ﴿٢٠٤﴾

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ (مِن) هنا للتبعيض، وهي بمعنى: بعض الناس؛ ولهذا أعربها بعض النحويين على أنها مبتدأ، قال: لأنها حرف بمعنى الاسم؛ إذ إنها بمعنى: بعض الناس، فيكون (مِن) مبتدأ، و﴿مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ خبره، لكن المشهور أن (مِن) حرف جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ مبتدأ مؤخر، يعني: ومن الناس الذي يعجبك قوله. وقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ إما للرسول ﷺ، وإما لكل من يتأتَّى خطابه، وأيهما أولى؟ * طالب: الثاني. * طالب آخر: العموم. * الشيخ: الثاني، العموم، يعني: من يعجبك أيها المخاطب: الرسول ﷺ وغيره، ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾. وقوله: ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ ذكر بعض النحويين أنه إذا قيل: أعجبني كذا، فهو لما يستحسن، وإذا قلت: عجبت من كذا، فهو لما ينكر، فتقول مثلًا: أعجبني قول فلان، إذا كان قولًا حسنًا، وعجبت من قوله، إذا كان قولًا سيئًا منكرًا، فقوله: ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ أي: من تستحسنه، تستحسن قوله. وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: فيما إذا تكلم فيما يتعلق بأمور الدنيا، كأن يتكلم بشيء يتوصل به إلى نجاته من القتل والسبي وما أشبه ذلك؛ لأننا قلنا: الآية هذه فيمن؟ في المنافقين، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون ٤] من حسنه وفصاحته، ولكنهم أهل غرور وخداع وكذب؛ فإن آية المنافق ثلاث منها: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩ / ١٠٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والبخاري (٢٤٥٩)، ومسلم (٥٨ / ١٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]. قال: ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كلمة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلقة بمحذوف حالًا من (قول)، أي: قوله حال كونه في الحياة الدنيا، أي: فيما يتعلق بالدنيا؛ لأنه لا يتكلم بما يعجب في أمور الدين، ويحتمل أن المعنى ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: القول الذي يعجب حتى في الدين، لكن لا ينتفع به في الآخرة، إنما ينتفع به في الدنيا فقط. قال: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ﴿يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ اختلف المفسرون في معناها على قولين: القول الأول: ﴿يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ من النفاق، يعني: أن باطنه خلاف ظاهره، فالذي يشهد عليه -أي على باطنه- من؟ الله، فهو بإضماره النفاق مشهد لله على ما في قلبه من النفاق، هذا قول. القول الثاني: ﴿يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي: يقسم ويحلف بالله أنه مؤمن مصدِّق، وأن الذي في قلبه هو هذا، فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان والتمسك به وهو كاذب ولَّا صادق؟ * طالب: كاذب. * الشيخ: كاذب، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١] لكاذبون في أنك رسول الله ولَّا في دعواهم أنهم يشهدون بذلك؟ * الطلبة: في دعواهم. * الشيخ: في دعواهم أنهم يشهدون بذلك. يقول الله عز وجل: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ هذا.. فيها قولان، أقول: القول الأول: أنه يشهد الله على ما في قلبه من النفاق، أي: أن قلبه منطوٍ على ذلك، متمكن من قلبه ولا يشهده إلا؟ إلا الله عز وجل؛ لأنه باطن. والقول الثاني: ﴿يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أنه يحلف ويشهد علنًا أمام الناس بأنه مؤمن ويحب الإيمان وملتزم، وهو في ذلك كاذب، وعندي أن المعنيين لا يتنافيان، كلاهما حق، فهو منطوٍ على الكفر والنفاق، وهو أيضًا يعلن للناس ويشهد الله على أنه مؤمن. أما حقيقته قال الله فيه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ يعني: أعوجهم وأكذبهم، و﴿الْخِصَامِ﴾ يحتمل أن يكون مصدرًا، ويحتمل أن يكون جمعًا، إن كان مصدرًا ففعله: خَاصَمَ يُخَاصِمُ خِصَامًا، مثل: جَادَلَ يُجَادِلُ جِدَالًا، وقَاتَلَ يُقَاتِلُ قِتَالًا، المهم أن (فِعَال) تأتي مصدرًا لـ(فَاعَلَ)، وابن مالك أعطانا تلك القاعدة في قوله: * طالب: وفاعل. * الشيخ: لا، لِفَاعَلَ، ما هي وفاعل. لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ ∗∗∗ .................. فهنا خَاصَمَ لها: الخِصَام والْمُخَاصَمَة، وعلى هذا ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ تكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها، أي: وخصامه ألد الخصام. وأما إذا قلنا: إن الخصام جمع خَصْم، يعني: بمعنى الخُصُوم، يعني: معناه هو أعوج الخصوم وأشدهم كذبًا، فهو كذلك يصح، ويكون أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأن المعنى وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨ / ٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، فالإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق، هذا أبغض الرجال إلى الله. وما من إنسان -في الغالب- أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم، الإنسان اللي يعطي الجدل يحرم بركة العلم؛ لأن غالب من أوتي الجدل غالبهم قد يريد بذلك نصرة قوله فقط، وبذلك يحرم العلم. أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب، ما يحتاج إلى مجادلة كبيرة؛ لأنه واضح؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم، تجدهم علومهم ناقصة البركة، ناقصة البركة ما فيها خير، وتجد أنهم يخاصمون ويجادلون وينتهون إلى لا شيء، ما ينتهون إلى حق؛ لأنهم ما قصدوا إلا أن ينصروا ما هم عليه، فكل إنسان جادل -نسأل الله السلامة والعافية- كل إنسان جادل من أجل أن ينتصر قوله، فإن الغالب أنه لا يوفق، ولا يجد بركة العلم، وأما من جادل ليصل إلى العلم، فهذا محمود مأمور به ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]. لكن راجع ما نقل عن أهل البدع في خصومهم لأهل السنة والجماعة تجد جدالًا طويلًا عريضًا، ومنطق، وفلسفة، لكن ما تصل فيها إلى شيء، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «بَأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَزَالُونَ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] إذا بلغ إلى هذا ماذا يقول الإنسان؟ * طالب: يستعيذ بالله. * الشيخ: يستعيذ بالله وينتهي، لكن هؤلاء الفلاسفة أو المناطقة لو تذهب إليهم، شوف وأيش لون يجيبون أدلة ومقدمات وأشياء كثيرة، وفي النهاية لا يصلون إلى ما وصل إليه الحديث. فالمهم أن الإنسان الخصم الغالب -ولا أقول: كل المخاصمين- الغالب أنه يحرم بركة العلم؛ لأنه إنما يريد بذلك فَتْلَ خصمِه وانتصار قوله، وهذا حرمان من البركة. وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ شوف هذا الرجل الآن صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيِّد وبيِّن، فيه بيان وفيه فصاحة، يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته وبيانه تجده ألد الخصام، يخاصم ويجادل. * طالب: شيخ، قول النحويين (...) ما يرد عليه؟ * الشيخ: إي، هذا ما ينبغي منهم، هذا لا ينبغي منهم أن يقنطوا منه مع أنه سبحانه وتعالى قريب التغيير. * الطالب: يعني هذا أمر، يعني.. * الشيخ: ما هو محمود، هذا ليس محمودًا من الخلق أن يقنطوا من رحمة الله وهو قريب التغير سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، (...)؟ * الشيخ: ﴿