تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٠٣﴾
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة ٢٠٣] هنا أمر الله تعالى بذكره ﴿اذْكُرُوا﴾ فعل أمر، وفعل الأمر -كما سبق- يقتضي الوجوب، وقد يكون مشتركًا بين الوجوب والاستحباب حسب ما تقتضيه الأدلة الأخرى.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يتناول كل قول أو فعل يقرب إلى الله عز وجل، يعني: ليس المراد أن نقول: لا إله إلا الله، فقط، بل هو شامل لكل قول أو فعل يقرب إلى الله.
فإن قال (...): ما دليلك على ما تقول؟ وما وجه ذلك؟ قلت: دليلي على ذلك قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]، يعني: ذكر الله الذي تضمنته هذه الصلاة أكبر، ودليل أيضًا من السنة قوله ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْىُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ»[[أخرجه أبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
وأما وجه ذلك -وجه كون كل قول وفعل يقرب إلى الله فإنه من ذكره- لأن كل قول أو فعل يقرب إلى الله مقرون بنية القصد أن يكون لمن؟ لله، وهذا ذكر لله، أنت عندما تفعل شيئًا تتقرب به إلى الله، أو تقول شيئًا تتقرب به إلى الله يكون في قلبك النية أنك قصدت (...)؛ لأنك تبتغي بذلك وجه الله، فهذا ذكر لله عز وجل (...).
وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ أيام معدودات قيل: أيام التشريق، أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وذكر الله تعالى فيها يتناول -كما قلت قبل قليل- كل قول أو فعل يقرب إلى الله، وعلى هذا فالتكبير المطلق والمقيد يدخل في ذلك، يدخل فيه أيضًا رمي الجمرات، ويدخل فيه الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة إذا كانا في هذه الأيام.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (...) إذن ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ تعجل أيش؟ قال أهل العلم: تعجل، أي: خرج من منى، ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: في هذا الظرف، في يومين، فلا إثم عليه إذا تعجل، ما يقال: يجب أن تبقى إلى اليوم الثالث عشر؛ لأن الله قال: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، والأيام جمع، فقد يفهم أحد أن البقاء للأيام الثلاثة واجب فقال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا حرج عليه.
وقوله: ﴿لَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ هذا هو جواب الشرط، وهو -كما نعرف جميعًا- مقرون بالفاء الرابطة للجواب؛ لأن الجملة اسمية، ويجب اقتران الجواب بالفاء (...).
اسْــمِـيَّــةٌ طَـلَـبِـيَّــةٌ وَبِـجَـامِــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
سبعة مواضع كلها إذا وقعت جواب الشرط فإنها تقترن بالفاء، اللي معنا الآن ما هي؟
* الطلبة: اسمية.
* الشيخ: اسمية، ويصلح أن نقول: اسمية أو مقرونة بلا، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وبلا، هي مقرونة بلا وهي اسمية أيضًا.
* طالب: في البيت (بلا) ولا (بما)؟
* الشيخ: وبما، إي نعم، بما.
اسْــمِـيَّــةٌ طَـلَـبِـيَّــةٌ وَبِـجَـامِــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا..................
ما هي (بلا)، إذن اسمية هذه، هذه اسمية فقط.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ هو الخبر.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ تأخر إلى متى؟ ما قيد ﴿تَأَخَّرَ﴾، لكن نعلم ﴿تَأَخَّرَ﴾ في هذه الأيام المعدودات، يعني إلى اليوم الثالث، فلو بقي أحد إلى اليوم الرابع قلنا: هذا غير مشروع، فإن احتج علينا بالآية وقال: إن الله قال: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ ولم يقيده، قلنا: لكن أصل الذكر مشروع متى؟ في ثلاثة أيام، ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه، فنفى الإثم عن المتعجل وعن المتأخر، عنهما جميعًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى في ذكر فوائد الآية أيهما أفضل التعجل أو التأخر.
وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ هذه جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ذلك، أي: نفي الإثم لمن اتقى، أي: نفي الإثم بالتقدم أو التأخر لمن اتقى، يعني الذي يكون قد صاحب التقوى في حجه، وذلك أن الله عز وجل لما قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قد يتوهم الواهم أنه لا إثم عليه مطلقًا حتى لو أذنب في حجه أو خالف التقوى فقال..
* طالب: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾.
* الشيخ: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ حتى يزول الوهم الذي حصل بنفي الإثم؛ لأن (لا) النافية للجنس تنفي كل إثم، لكن الله قيده ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، و(اتقى) فعل ماض مأخوذ من التقوى، وما هي التقوى؟
* طالب: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى؛ لأنها مأخوذة من الوقاية، وأصلها -على ما قال النحويون- أصلها: وقوى، ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾.
ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في جميع أحوالكم في الحج وفيما بعد الحج، وليست التقوى لمن كان متلبسًا بالطاعة فقط كحال الغافلين، الغافلون تكون التقوى عندهم في حال التلبس بالطاعة، إذا كان صائمًا عنده تقوى، إذا كان في الحج عنده تقوى، لكنه إذا انتهى من هذا العمل، فبعض الناس لا يتقي الله، يعود على الغفلة، فينسى هذا الأمر الواجب وهو التقوى؛ ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فذكرنا الله عز وجل بالمعاد إليه، كأننا لما انتهينا من المناسك ذكرنا أننا سننتهي أيضًا من الدنيا كلها، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، والحشر معناه الجمع والضم، أي: تجمعون إليه تعالى يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم، والغرض من هذه الجملة الأخيرة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ الغرض منها: التهديد والتحذير من المخالفة والمعصية؛ لأن من علم أنه سيحشر إلى الله يتقي الله ولَّا لا؟ نعم، يتقي الله، إذا علم أنه سيحشر إليه ويجازيه على عمله اتقاه سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ تصديرها بالأمر بالعلم يدل على أن هذا العلم له أهمية في إصلاح قلب المرء ومنهجه ومسلكه.
وقوله: ﴿أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيها تقديم المتعلِّق على المتعلَّق ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فماذا يفيد التقديم؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: يفيد الحصر، يعني: تحشرون إليه لا إلى غيره، فإليه المرجع كما أن منه المبتدأ.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ فيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين: منهم من يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، ومنهم من يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، وهؤلاء ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾، هنا قسم الناس أيضًا إلى قسمين: إلى مؤمن وإلى منافق، فقال في المنافق قال: ﴿