تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ ﴿١٥٩﴾
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب، من أين يؤخذ؟ من ترتيب اللعنة على فاعله، والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب.
* ومن فوائدها: أن ما أنزله الله من الوحي فهو بين لا غموض فيه، وهدًى لا ضلال فيه، بَيِّنٌ ليس فيه غموض، وهدًى ليس فيه ضلال، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾.
* ويستفاد منه -من فوائد الآية-: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، كيف ذلك؟ لأن الله تعالى أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية وفعلية، فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن بيانًا أو صار القرآن غير بيان؟ صار القرآن غير بيان، يكون الله تعالى ذكر شيئًا لا يريده، وهذا تعمية على الخلق تعمية لا بيان، فيستفاد من هذه الآية الرد على من؟ على أهل التأويل، والحقيقة أنهم -كما قال شيخ الإسلام-: أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق ومنه باطل، لكن طريقهم باطل ما فيها حق، طريقهم باطل لا حق فيها؛ ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يسميه التحريف.
* ومن فوائد الآية: بيان فضل الله عز وجل على عباده لما أنزله من البينات والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا، ولولا بيان الله تعالى وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون، ولكن من فضل الله أن الله تعالى بين ذلك.
* ومن فوائد الآية: إثبات علو الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، والنزول إنما يكون من أعلى، وعلو الله عز وجل بذاته ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وقد مر علينا كثيرًا بيان ثبوته بهذه الطرق.
* ومن فوائد الآية: قبح هذا الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان ليس لهم حجة، يقولون: والله نحن ما تكلمنا؛ لأن الأمر مشتبه علينا، الإنسان الذي لا يتكلم بالعلم لاشتباه الأمر عليه قد يعذر، لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحًا -والعياذ بالله- ففيه بيان قبح ما سلكه هؤلاء من كتمان ما أنزل الله تعالى من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية كلها بيان، كلها بيان للناس؛ لأن قوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به الجنس، لا العهد، فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله، ما ترك الحق غامضًا، بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضًا لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون، لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، ويش هي الأفعال الاختيارية؟ كل فعل يتعلق بمشيئته فهو من الأفعال الاختيارية، مثل؟ النزول إلى السماء الدنيا، المجيء للفصل بين العباد، الاستواء على العرش، الضحك، الكلام، التعجب، وما إلى ذلك، كل فعل يتعلق بمشيئة الله عز وجل فإنه من الأفعال الاختيارية، اللعن منها؟ اللعن منها، ويدلك على أنه منها أن له سببًا، وما كان له سبب، فإنه يوجد بالسبب ويعدم بعدمه، إذن فهو -أي اللعن- من الأفعال الاختيارية.
* ومن فوائد الآية: جواز الدعاء على كاتم العلم باللعنة، جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾؛ لأن من معنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الدعاء عليهم باللعنة، تقول: اللهم العنهم.
وهل يلعن الشخص المعين أو على سبيل التعميم؟ على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يدرى ماذا يموت عليه، قد يهديه الله كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨].
بعض الناس يصير عنده غيرة وحنق على بعض الملحدين المتمردين الطغاة المعتدين فتجده يلعنه، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن لعن المعين الحي محرم نهى الله عنه نبيه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وأما لعنه بعد موته، لعنه بعد موته فهل يجوز أو لا يجوز؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لأيش؟
* الطالب: لأنه قد أفضى إلى ما قدم.
* الشيخ: ما تقولون؟
* طالب: إذا كان مات على (...) يا شيخ؟
* الشيخ: إي مات على الكفر.
* الطالب: على الكفر يبقى، يجوز لعنه.
* الشيخ: يجوز لعنه.
* طالب: ما نستطيع أن نحكم عليه.
* الشيخ: ما نستطيع؟
* طالب: ربما يغفر الله له.
* الشيخ: لا، إذا مات على الكفر ما هو بأهل النار.
* طالب: الفائدة من لعنه بعد الموت؟
* الشيخ: قد نقول بأنه لا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وهذا عام، ثم إنه قد يثير ضغائن وأحقادًا، من أين؟ من أقاربه وأصحابه وأصدقائه، فيكون في ذلك مفسدة.
ثم إننا نقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأي خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا مات، لا شك أنه يجب أن ينفر من طريقته، وأن يقدح في طريقته وأن تذم طريقته، هذا لا بد منه، أما هو شخصيًّا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه، وإن كان المعروف عند أهل العلم جمهورهم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر.
* طالب: فالآية اللي بعدها (...): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾؟
* الشيخ: الله لعنه، نعم، تخبر أن الله لعنه، لكن الدعاء عليه غير الإخبار.
* طالب: ما دام أن الله لعنه ما يجوز أنا نلعنه؟
* الشيخ: نحن نقول: أيش الفائدة «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[سبق تخريجه.]].
* طالب: ما يكون هذا المؤمنين، أو المسلمين؟
* الشيخ: لا، هذا عام.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ كيف نوفق مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٨ / ٨٦)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؟ هنا مباح، وهناك..
* الشيخ: إيه، اللعانين: كثيرو اللعن، اللي دائمًا في ألسنتهم هذا الشيء، وأما من لعن من يستحق اللعنة، فهذا ما يعد لعانًا.
* طالب: قول عمر بن الخطاب: «قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢ / ٧٢)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، (...) لعن معين؟
* الشيخ: لا، هذا ما هو بالظاهر، (قاتل) ما هي بمعنى لعن، الصحيح أن قاتل بمعنى أهلك وليس بمعنى لعن.
* طالب: قول عبد الله بن عمر لما قال ابنه في الحديث الذي رواه (...) لما قال: والله لمنعهن (...) ﷺ: «لعنة الله عليك أقول: قال رسول الله وتقول: والله لمنعهن»، وفي رواية: «سبَّه سبًّا شديدًا»؟
* الشيخ: لا، السب صحيح: «سبًّا شديدًا ما سبه مثله قط»، لكن اللعن ما أدري عن صحته.
* الطالب: في رواية: «لَعَنَكَ اللَّهُ».
* الشيخ: ما أدري والله عن صحته، أقول: ينظر في ثبوتها، فإذا ثبتت فهذا فعل صحابي قد يخطئ ويصيب.
* طالب: فعله مرة (...)؟
* الشيخ: أقول: يكون هذا فعل صحابي حمله عليه الغيرة ولا يعتبر حجة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظم كتم العلم؛ حيث كان من الكبائر، واعلم أن كتم العلم يكون عند دعاء الحاجة إلى بيانه؛ إما بلسان الحال أو بلسان المقال، أما بلسان المقال: فأن يأتي أحد إليك يسألك، فهذا لا بد أن تخبره، فإن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهذا لا بد أن تخبره. أو بلسان الحال: مثل أن ترى قومًا يعملون عملًا مخالفًا للشرع، هؤلاء محتاجون إلى بيان العلم، فيجب عليك أن تبينه، فصار كتم العلم متى يتحقق؟ إذا دعت الحاجة إلى بيانه إما بلسان المقال أو بلسان الحال، إلا أن أهل العلم يقولون: إذا علم المسؤول أن السائل يريد العنت والمشقة، ويطلب الرخص ولا يريد الحق، فإنه مخير بين أن يجيب وأن يمنع؛ لأن الله قال للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]، ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لأنهم لا يريدون الحق، هؤلاء اليهود يأتون للرسول ﷺ ما يريدون الحق، قالوا: فإذا علم أو ظهر من قرائن الأحوال أن هذا السائل لا يريد الحق إنما يريد العنت والمشقة على المسؤول وإظهار عجزه أمام الناس وما أشبه ذلك، أو يريد تتبع الرخص، ما سألك لأجل يأخذ بقولك ويعمل به على أنه شريعة الله، لكن بيشوف أيش اللي عندك، ثم يروح للثاني ويشوف اللي عنده، وللثالث ويشوف اللي عنده، ولما أفتي بما يوافق الهوى قال: هذا هو القول الصواب ثم أخذ به، وهذا يوجد كثيرًا، كثيرًا ما تشوف بعض الناس يسألك وإذا أجبته قال: أنا سائل فلان وقال: كذا وكذا، ويش معنى هذا؟ معنى هذا أنه يدور شيء أهون يوافق هواه، فإذا علمت بالقرائن أو بالبينات الظاهرة أن هذا الرجل لا يريد الحق، فلك أن تمنع ولك أن تجيب؛ لأننا نعلم أن هذا ما قصد طلب العلم قصد شيئًا آخر.
* طالب: دفع الفتوى يا شيخ؟
* الشيخ: دفع الفتوى اختلف فيها أهل العلم هل يجوز أو لا يجوز، والصحيح أنه لا يجوز، الصحيح أنه لا يجوز إلا عند الاشتباه فيجب، وأما إذا كان الأمر واضحًا فلا يجوز.
* طالب: لهذه الآية؟
* الشيخ: لهذه الآية ولغيرها؛ ولأن الإنسان قد يدفعها أولًا ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، اللهم إلا أن يكون مبرزًا بالعلم وظاهرًا، فهذا لا بأس، مثل ما قال أبو موسى: «وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُوَافِقَنِي عَلَى ذَلِكَ »[[أخرجه البخاري (٦٧٣٦)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ: وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي.]]، وإلا فالأولى أنه يقول: اسأل أهل العلم، وكان الإمام أحمد رحمه الله يستعمل هذه الطريقة إذا جاءه أحد وسأله وليس عنده في المسألة علم قال: اسأل غيري، أو اسأل أهل العلم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنك إذا أحلتهم على شخص، فقد يخطئ هذا الشخص، قد يخطئ، فأنت حولهم على عامة الناس على عامة العلماء، وأنا أقول: إنه ما يجوز دفع الفتوى؛ لأنه يضيع الناس في الحقيقة لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفْتِي أناس جهال يضلون الناس، فإنه هنا تتعين عليه الفتوى تتعين عليه، ويستعين الله عز وجل ويسأل الله الصواب والتوفيق.
* طالب: شيخ، طيب إذا جاءني إنسان ولا خبر (...) أنه ما يفتي إلا بعلم، في علماء باقين هم يفتون بمذاهب، أو يفتون (...)؟
* الشيخ: يعني معناه أن صار عندك أرجح من غيره، وأقرب للصواب؟
* الطالب: فيه اللي ما عنده علم، وفيه اللي ما يفتيك.
* الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به، إذا علمت أن اللي غيره ما يفتون بالصواب مثلًا، إنما يفتون بما هب ودب، نعم، يعني: بعض الناس يفتي بما يصلح للسائل اللي يوافق السائل يفتيه ما دام فيه قول لبعض العلماء، يقول: ما دام فيه قول، وهذا أرفق بحاله أنه نفتيه به، خلينا نمشي حاله، مو مشكلة هذه.
* طالب: فيه رد على الجبرية.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: حيث إن الله لعنهم؛ لأنهم يكتمون ما أنزلنا من البينات.
* الشيخ: حيث أضاف الكتمان إليهم وهو فعل، إي نعم، فيه رد على الجبرية حيث أضاف الله الكتمان إليهم وهو فعل، نعم؛ لقوله: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ والكاتم مريد للكتم ولَّا لا؟ نعم.
ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
في هذه الآية أو من فوائد هذه الآية: التخصيص بالمخصص المتصل، التخصيص يكون بمخصص متصل، وبمخصص منفصل، الآية هنا مخصص متصل ولَّا لا؟
شوف ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ هذه عامة؟ كل من كتم، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ خصصت، وهذا طريق من طرق التخصيص المتصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل.
يبين في مقابل ما كتم، فيؤخذ منه أن من تاب عن بدعة وضلالة، فإنه يجب أن يبين هذه البدعة والضلالة، وأنه رجع عنها وتاب إلى الله منها، وهذه كانت طريقة أهل العلم، ومما يحضرني الآن ما ذكر عن أبي الحسن الأشعري، أبو الحسن الأشعري كان على مذهب المعتزلة أربعين سنة، وهو على مذهب المعتزلة يؤيد هذا المذهب ويناظر دونه ويرجحه، ثم إنه اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، اتصل به فأخذ من مذهبه، وترك طريق المعتزلة، وصار يبين معائبهم ويفضح عوارهم، ويبين أن مذهبهم باطل على رؤوس الأشهاد، لما رجع عن الاعتزال بين بطلانه ما تركه وسكت، بين بطلانه، ثم إن الله من عليه أخيرًا، فرجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الإبانة عن أصول الديانة ، وهو كتاب مشهور معروف، خرج عن مذهب الكُلّابية، وصار مذهبه مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
كذلك أيضًا ابن القيم رحمه الله كان بالأول من الصوفيين، كان صوفيًّا، ولكن الله سبحانه وتعالى من عليه وهداه بواسطة شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قد قال ذلك في كتابه النونية قال: فَاللَّهُ أَنْقَذَنِي بِهِ وَهَدَانِي، فهداه الله عز وجل على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ضلال الصوفية وخطلهم وخطأهم.
* طالب: الأشعري يا شيخ ما رد على مذهب الكلابية؟
* الشيخ: إلا بيّن، بيّن كل المذاهب، قال: إن المذاهب باطلة وإنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
* الطالب: كيف اعتنق (...)؟
* الشيخ: صار له أصحاب كبار من أهل العلم قبل أن ينتقل إلى ما انتقل إليه أخيرًا، فحرروا هذا المذهب اللي كان عليه ونصروه حتى قوي.
* طالب: لأيش الصوفية يا شيخ بيدرسوه في المعاهد العلمية وبيت الشباب؟
* الشيخ: لا، ما يدرسوه، ما هو مدرس، كان تدرس ليتبين بطلانها يمكن.
* الطالب: فيه أئمة أجلاء يا شيخ كانوا وما زالوا موجودين بردو لغاية دلوقتي..
* الشيخ: لا دجالين، لو رأيت ما كتب عن الصوفية لرأيت العجب العجاب -والعياذ بالله- حتى انتهى بهم الأمر إلى أن يقولوا بوحدة الوجود، ابن عربي يقول عن جبته يقول: ما في الجبة إلا الله، يعني: نفسه -والعياذ بالله- فهم أخبث من النصارى، النصارى قالوا: إن الله حل في عيسى وحل في شخص رسول من الرسل، ودولا قالوا: إنه حل في كل شيء، حتى في الكلاب والحمير والخنازير وغيرها -والعياذ بالله- المهم أنك إذا أردت تعرف مذاهب الصوفية، فاقرأ ما كتب عنهم، مثل كتاب هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، بيّن -والعياذ بالله- مخازيهم ومعايبهم، لو لم يكن منهم إلا هذه الأذكار اللي ابتدعوها، ما أنزل اللَّه بها من سلطان.
* طالب: حضرات يوم الأربع ويجيبوا يلبسوا جبب بيضا ويلبسوا بتاع دهوة ويقعدوا الذكر: الله، مش عارف إيه، يذكروا الله يا لطيف ألف مرة..
* الشيخ: على كل حال هم ضالون.
* الطالب: هذا يا شيخ الإنسان يجب أن يحاربهم فيه.
* الشيخ: حاربهم (...).
* الطالب: أنا سابقًا كنت أجلس معهم، والله تاب علينا الحمد لله، ومرة مسكوني بعد صلاة المغرب، وقلت لهم: بتعملوا إيه اطلعوا بره، سيبكم بقى من الدجل..
* الشيخ: الحمد لله، بعد ما كنت صوفيا صرت خاميا الآن.
* الطالب: والله حصل معايا دي حقيقة المسجد كل يوم..
* الشيخ: احمد ربك إنه أنقذك، الحمد لله.
من فوائد الآية: ذكرنا أن توبة أهل البدع -مثلًا- لا تكون إلا بالبيان والإصلاح؛ لقوله: ﴿