×
البقرةالآية ١٥٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴿١٥٨﴾

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (من) هذه للتبعيض، يعني: بعض شعائر الله، والشعائر جمع شعيرة، وهي التي تكون علمًا في الدين، يعني من معالم الدين. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من معالم دينه؛ لأن العبادات منها خفية بين الإنسان وبين ربه، ومنها أشياء تكون علمًا، علمًا ظاهرًا بينًا، وهي الشعائر، وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي شرعها، وأثبتها وجعلها طريقًا موصلًا إليه. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ حج في اللغة بمعنى: قصد، و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) للعهد الذهني، والمراد به بيت الله وهو الكعبة، و﴿حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قصده لأداء المناسك، وليس قصدًا مطلقا بل القصد لأداء المناسك ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾. وقوله: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة في اللغة الزيارة، ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة، وقوله: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ (أو) هنا للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًّا، وإما أن يكون معتمرًا. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إعراب ﴿لَا جُنَاحَ﴾ (لا) نافية للجنس، و(جناح) اسمها، وخبرها (أن) وما دخلت عليه، أي: لا جناح عليه في الطواف بهما، أو في التطوف بهما، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ الجناح هو الإثم، يعني: فلا إثم عليه في أن يتطوف بهما، وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أصلها: يتطوف، ولكنه قلبت التاء طاءً لعلة تصريفية فصار: أن يطوف، وقوله: ﴿بِهِمَا﴾ المراد: بينهما، كما تفسره سنة النبي ﷺ، وليس المراد أن يطوف بهما: يدور عليهما كما يطوف بالبيت العتيق، فإن هذا قطعًا لا يراد؛ لأنه شيء غير ممكن، والسنة تفسر القرآن. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قد يبدو في الآية شيء من التعارض، فإنه قال: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومعلوم أنه إذا كان الصفا والمروة من شعائر الله، فإنه لا يقتصر على نفي الجناح في الطواف بهما، بل إنما يؤمر بالطواف بهما ما دام ذلك من شعائر الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج ٣٢]؛ ولهذا أشكل على بعض التابعين هذه المسألة وسأل عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كيف قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ فسأل السائل قال: أرى أن الرجل لو حج أو اعتمر فلم يطف بهما، فليس عليه من بأس، ولكن عائشة رضي الله عنها ردت عليه وقالت: لو كان هذا هو المراد؛ لكان يقول الله عز وجل: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وصدقت رضي الله عنها؛ لأنها إذا كانت من شعائر الله فمقتضى كونها من الشعائر أن يطاف بها وتعظم، ولو كان ترك الطواف بهما جائزًا لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ثم بينت رضي الله عنها السبب في أن الله قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ وهو: أن أناسًا من الأنصار يُهِلون لمناة الطاغية، مناة اللي ذكرها في القرآن، وهي في المشلل -مكان قرب مكة- فيُهِلون لها، فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وعلى هذا فيكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم، أفهمتم الآن؟ وعلى هذا فلا يكون في الآية أولها وآخرها شيء من التضارب أو التعارض؛ لأن المراد بالنفي هنا أيش؟ نفي ما وقع في نفوسهم من التحرج، فبين الله تعالى أنه ليس هناك تحرج؛ لأنها من شعائر الله. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قلنا: معنى يطوف بهما أي: بينهما؛ لأن الطواف في الأصل بمعنى التردد، ومنه قول رسول الله ﷺ في الهرة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]]. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ فيه أيضًا سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما، وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، يطوفون بهما ويطوفون بالبيت أيضًا، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فقالوا: لو كان ذلك جائزًا لذكره الله عز وجل، ولكنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فاهمين هذا السبب؟ يقولون: إن هذا من أعمال الجاهلية، والطواف بالبيت أيضًا معروف من قبل، فذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فأنزل الله هذه الآية. وفيه أيضًا سبب ثالث: وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف ونائلة، وقيل: إنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في جوف الكعبة -والعياذ بالله- فمسخهما الله حجارة، فكان من جهل العرب قالوا: هؤلاء مسخوا حجارة إذن لا بد أن هناك سرًّا وسببًا، أخرجوهم عن الكعبة، خلوهم على الجبلين ونبدأ نطوف بهم ونمسحهم، نمسحهما، وعلى هذا يقول أبو طالب: وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ∗∗∗ بِمَفْضَى السّيُولِ مِنْ إِسَافٍوَنَائِلِ يريد هذا، ومفضى السيول: مجرى الوادي المعروف اللي يكون بين الصفا والمروة، فالحاصل أن هذا ثلاثة أسباب في نزول الآية، وأصحها السبب الأول. * طالب: ما يصير الأوسط؟ * الشيخ: لا، الأول ثابت في صحيح البخاري. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فيه قراءة: ﴿وَمَن يَطَّوَّعْ خَيْرًا﴾ على أن تكون تَطَوَّع فعلًا مضارعًا، يَطَّوَّع وأصلها يَتَطَوَّع، فأدغمت أيش؟ فقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء الثانية. وقوله: ﴿تَطَوَّعَ﴾ معناها فعل الطاعة، ويشمل الواجب والمستحب؟ نعم، يشمل الواجب والمستحب، وتخصيص التطوع بالمستحب هذا اصطلاح فقهي، أما في الشرع فإنه يشمل الواجب والمستحب. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ﴿خَيْرًا﴾ هذه يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم، والوجه الثاني: أن تكون مفعولًا لأجله أي: طلبًا للخير، ﴿تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: لأجل الخير وطلبه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ هذه (من) شرطية، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الشرط، و﴿يَطَّوَّعْ﴾ أيضًا فعل الشرط، لكن ﴿يَطَّوَّعْ﴾ تسلط العامل على اللفظ فجزمه، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل ماض ما يتسلط على لفظه، أين جواب الشرط؟ جملة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، الجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعني: لقصد الخير، أو تطوع بخير، أي: زائدًا عن الواجب أو هو الواجب والمستحب، كما هو لغة القرآن والحديث. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَاكِرٌ﴾ الله يشكر سبحانه وتعالى؟ نعم، الله تعالى شاكر وشكور؛ لأنه يعطي على العمل أكثر من العمل وهذا شكر ولَّا لا؟ نعم، هذا شكر، يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا غاية الشكر، لو أن أحدًا أحسن إليك وأعطيته أكثر مما أعطاك تُعَد شاكرًا له؟ نعم، تعد شاكرًا له، بل إن الناس الآن لو قال الْمُحْسَن إليه: شكرًا، يعتبرونه شاكرًا ولَّا لا؟ يعتبرونه شاكرًا حتى باللفظ، فكيف بجزاء الله عز وجل الذي لا منتهى له، «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. وقوله: ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ قرن العلم بالشكر لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع، فإنه معلوم عند الله، معلوم عند الله لا يمكن أن يضيع منه شيء، فإذا علم أن الله تعالى شاكر وأنه عليم، فإن العامل سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سبحانه وتعالى سيجزيه على عمله بما وعده به، يعني: لو قال قائل: ما مناسبة جواب الشرط للشرط؟ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: شيخ، وإذا كان الله شاكرًا عليمًا، فما علاقة شكر الله تعالى وعلمه بتطوعنا بالخير؟ * طالب: الجزاء. * الشيخ: إي نعم، الجزاء؛ نقول: الجزاء؛ لأننا نحن نطيع الله، تطوع يعني نفعل الطاعة، نحن نطيع الله عز وجل، والله تعالى يشكر لنا هذه الطاعة ويعطينا أكثر من عملنا. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -نعوذ بالله-. * طالب: هل يصلح ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ تصلح اسم موصول؟ * الشيخ: لا. * الطالب: والذي يتطوع خيرًا. * الشيخ: لا، (من) شرطية، شرطية؛ لأن فيها الجواب ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾، ثم القراءة الثانية ﴿وَمَنْ يَطَّوَّعْ﴾ واضح مجزومة. * طالب: (...). * الشيخ: اسم الموصول ما يجزم الفعل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصح (...). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ هذه (إن) واسمها ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، أين خبرها؟ ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -والعياذ بالله-، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أي: يجحدون ما أنزلنا من البينات والهدى، الكتم بمعنى الإخفاء والجحد وعدم البيان، ولكنه لا يكون كتمًا إلا حيث دعت الحاجة إلى البيان، إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، فمتى دعت الحاجة إلى البيان -بلسان الحال أو المقال- وأخفى الإنسان الحق صار، ويش صار؟ كاتمًا له، بلسان الحال أن ترى إنسانًا يعمل عملًا ليس على الوجه المرضي، هذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق، أفهمتم؟ لسان المقال أن يسألك سائل عن علم وأنت تعلمه، فيجب عليك أن تبلغه، يجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم، أما إذا كنت لا تعلم، فإنه يجب أن تقول: لا أدري، أو: لا أعلم، لكن الكتم إذن كتم ما أنزل الله هو إخفاؤه حين تدعو الحاجة إلى بيانه بلسان الحال أو بلسان المقال، كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين، فهنا الحاجة داعية إلى البيان يجب أن تبين. * طالب: إذا خفت أصير كاتم. * الشيخ: تكون كاتمًا، لكن قد نقول: إن هذا جائز لك، قد نقول: جائز، ولكنه الخوف إذا كان عدم بيانك للحق يؤدي إلى ضياع الحق، فلا يجوز أن تكتم، ما يجوز تكتم، مثل ما فعل أحمد بن حنبل رحمه الله، فإنه كان لا شك خائفًا على نفسه، ومع ذلك بين، لكنه إنسان يطلب منه شخصيًّا أن يبين ولا يترتب على ذلك ضلال الناس، فله الحق في أن يتأول. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾ يعني: أظهرناه، و﴿لِلنَّاسِ﴾ عمومًا المؤمن والكافر، فإن الله تعالى بيَّن الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، فكل الناس قد بين الله لهم الحق، لكن منهم من اهتدى، ومنهم من بقي على ضلاله. وقوله تعالى: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به جميع الكتب، فهو للجنس، وقد سبق لنا أنه ما من نبي إلا ومعه كتاب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ البيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل، وبيان مجمل، فالمجمل هي: القواعد العامة في الشريعة، والمفصل هو: أن يتكلم أو أن يذكر الله تعالى قضية معينة مفصلة، فمثل آيات الفرائض في الأحكام مفصلة ولَّا لا؟ * طالب: مفصلة. * الشيخ: مفصلة مبينة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة، وهناك آيات مجملة عامة مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، ما قال: أوفوا بعقد البيع والنكاح والرهن والإجارة وما أشبه ذلك، عامة، فهو بيان عام. المحرمات في النكاح مفصل ولَّا مقعد قواعد عامة؟ * طالب: قواعد. * الشيخ: مفصل، المحرمات في النكاح مفصل، كذلك بعض القصص يذكرها الله تعالى مفصلة، وأحيانا مجملة وكل هذا يعتبر بيانًا. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَلْعَنُهُمُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يطردهم ويبعدهم عن رحمته؛ لأن اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: يسألون لهم اللعنة، وهم أيضًا بأنفسهم يبغضونهم ويعادونهم، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل؛ لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون، فهذا تحصيل حاصل، فيقال: لا؛ لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائمًا به على الوجه الأكمل، قد تقول: قام القائمون بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه، فمعنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها، هذا معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾، وليس معنى قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: من قال لعنهم الله، فهو المراد؛ لأن هذا تحصيل حاصل، ولكن معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ أي: ذوو اللعن الذين يعرفون مستحق اللعنة ويوجهونها إليه، فهم ذوو علم بالمستحق، وذوو حكمة في توجيه اللعنة إليه. إذن هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى مع ظهوره وبيانه يستحقون هذا الجزاء -والعياذ بالله- الوخيم من الله ومن عباد الله، عكس ذلك الذين يبينون الحق -ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- الذين يبينون الحق، ماذا يكون لهم؟ يكون لهم المودة والمحبة من الله ومن أولياء الله، وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل: «أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؛ لأن الذي يبين شريعة الله يلقي الله تعالى في قلوب عباده مودته ومحبته والقبول له حتى في السماء؛ فلهذا يكون عكس هؤلاء الذين يكتمون. ونحن نعلم ذلك وإن لم يرد به نص خاص عن طريق القياس الجلي، وجه ذلك: إذا كان الله تعالى يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه ومن عباده، أفليس -وهو الذي سبقت رحمته غضبه- أفليس من يبينون الهدى والبينات، أفليس من يستحقون أن يكون الله تعالى يثني عليهم بدل اللعنة، ويقربهم بدل البُعد وكذلك أولياؤه؟ الجواب: بلى؛ لأنا نعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، فإذا كان غضبه يستحق هذا الكاتم ما ذكره، فإن رحمته تستحق خلاف ذلك فيمن بين ووضح. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الاستثناء هنا متصل ولا منقطع؟ * طالب: متصل. * الشيخ: متصل؛ لأنه استثناء من الكاتمين، يعني: إلا إذا تابوا، فالاستثناء متصل ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. * طالب: كيف تعرف الفرق بينهما؟ * الشيخ: المتصل والمنقطع إن كان من جنس المستثنى منه فإنه متصل، وإن كان من غيره فهو منقطع، وكذلك أيضًا المنقطع يقدر بدل (إلّا) (لكن). قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ والتوبة: الرجوع، في اللغة، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وشروطها كم؟ * طالب: خمسة. * الشيخ: خمسة، شروطها خمسة، التوبة شروطها خمسة في حق الله وحق الناس، الشرط الأول؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يرجع إلى المعصية. * الشيخ: لا، ما هو بشرط، ابدأ من الأول؟ * الطالب: أن يقلع عن المعصية. * الشيخ: لا. * طالب: الإخلاص لله. * الشيخ: الإخلاص لله، هذه واحدة، بأن لا يحمله على التوبة خوف مخلوق أو رجاء مخلوق أو علو إلى مرتبة أو ما أشبه ذلك. والشرط الثاني؟ * طالب: العزم على أن لا يعود.. * الشيخ: لا، قبل، إحنا ودنا بالترتيب؟ * طالب: الندم. * الشيخ: الندم على ما جرى منه من الذنب، ويش معنى الندم؟ إذا قال قائل: كيف يندم الواحد شو؟ الإنسان يمكن يحط بنفسه ندم نقول: نعم، يتحسف ويتحسر أن وقع منه هذا العمل، هذا الندم على ما فعل من الذنب. الشرط الثالث؟ * طالب: الإقلاع. * الشيخ: الإقلاع عن الذنب، وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد ما أقلع، فهو ليس شرطًا مستقلًا، كما قاله بعض العلماء، ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن الذنب، فلا بد إذن من الإقلاع عن الذنب. الشرط الرابع؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يعود. * الشيخ: الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن لم يعزم فلا توبة. الشرط الخامس؟ * طالب: أن يندم على ما فعل. * الشيخ: قلناها، اتركها، لا تجيبها. * طالب: أن يستخلص (...). * الشيخ: قلنا هذا، يدخل فيه الإقلاع. * طالب: ممكن نقول: أن يعمل صالحًا. * الشيخ: لا. * طالب: رد الوادائع. * الشيخ: هذا الرد الإقلاع. * طالب: أن تقع في موقعها في الوقت. * الشيخ: في الوقت التي تقبل فيه، أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، يعني أن تكون في وقت قبول التوبة، فإن كانت في غير وقتها فإنها لا تقبل، وهو عام وخاص، الخاص: الغرغرة عند الموت ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، والعام: طلوع الشمس من مغربها فلا يقبل بعده توبة، إذن فشروط التوبة تكون خمسة. هذه التوبة، وقد سبق لنا هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ وذكرنا في هذا للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أنها تصح، والثاني: تصح إن كان الذنب من غير الجنس، والثالث: لا تصح، والصحيح أنها تصح، التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق، فلا يستحق وصف التائب ولا يدخل في مدح التائبين، لماذا؟ لأن توبته مقيدة من هذا العمل المعين، مثال ذلك: تاب رجل من الزنا، لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم تصح توبته من الزنا؟ تصح على القول الراجح، لكن ما يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق، وعلى القول بأنه تصح إذا كانت من غير الجنس ما تصح، تاب من الزنا مع الإصرار على الربا؟ تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه، إلا على القول الثالث الذين يقولون: لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ شوف عظم الكتمان، ذكر الله لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، الإصلاح؛ لأن كتمهم لما أنزل الله يتضمن إفسادًا في الأرض وإضلالًا للخلق، فتوبتهم منه ما تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: ما هو بهذا الرسول الذي سيبعث، كم سيضل من الناس بناء على قولهم؟ يضل منهم عالم، ما يكفي أن يتوبوا ويندموا ويقلعوا ويسلموا حتى يصلحوا ما فسدوا، الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق لا بد أن يصلحوها، وإلا ما تتم التوبة، وقال: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ (بينوا) ويش معنى بينوا؟ أي: أظهروا الحق، ولا يكفي أن يمتنعوا عن الكتمان، بل لا بد أن يكون مقابل الكتمان أيش؟ بيان، بيان وإظهار حتى تزول الآثار التي ترتبت على هذا الكتمان، وفي هذا دليل على عظم العلم، وأنه حمل ثقيل وعبء عظيم على من تحمله، وأن الإنسان على خطر منه إذا لم يقم بواجبه من البيان، وتقدم لنا أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون عنه إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال. * طالب: شيخ ما الفرق بين الإصلاح والبيان؟ * الشيخ: الإصلاح أنهم يحاولون، هؤلاء الذين ضلوا بسببهم، يذهبون إليهم وينصحونهم ويبينون لهم الحق، والبيان على سبيل العموم. * طالب: ولا يقال: إن الإصلاح للنفس والبيان؟ * الشيخ: إصلاح النفس من هذا النوع، والظاهر أن الإصلاح إصلاح غيره. * طالب: الإصلاح يختص بالنفس ولا عام، يعني حالهم يصلحون لو الناس (...)؟ * الشيخ: الآية كما ترونها مطلقة، والذنب الذي حصل مقيد وهو الكتمان، فلا شك أنه يدخل فيه إصلاح ما فسد بكتمانهم، هذا دخول أولي، أما غيره فهو محل شك. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المشار إليهم من؟ ﴿الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾، ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان: أحدهما: توفيقه للتوبة، توفيق العبد للتوبة، والثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. وقوله: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ (التواب) صيغة مبالغة أو صيغة نسبة أيهما؟ * طالب: صيغة مبالغة. * الشيخ: صيغة مبالغة ونسبة في الحقيقة؛ لأن فعال تأتي للمبالغة وتأتي للنسبة، فإن قيدت بمعمول فهي للمبالغة، وإن أطلقت فإنها للنسبة، أو نقول: هي للمبالغة والنسبة في كل حال، يعني تصلح لهذا ولهذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٤٧)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. ]]، هذه صيغة مبالغة، يعني: كثير الضرب للنساء؛ ولهذا في لفظ آخر: «لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.]]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] هذه؟ * طالب: مبالغة. * الشيخ: لا، هذه نسبة، يتعين أن تكون نسبة؛ لأنك لو قلت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾: إنها مبالغة، لكان المنفي المبالغة في الظلم، وأما أصل الظلم فليس بمنفي، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذن ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ نقول: هنا (ظلّام) صيغة مبالغة فقط ما تصح نسبة، هنا (التواب). * طالب: .(...) * الشيخ: غلط، صيغة نسبة وليست صيغة مبالغة، نعم، (التواب) تصلح للأمرين جميعًا، فهو سبحانه وتعالى موصوف بالتواب، وهو ذو توبة على جميع العباد، وكذلك موصوف بكثرة التوبة، بكثرة توبته سبحانه وتعالى وكثرة من يتوب عليهم، كم يفعل الإنسان من ذنب فيتوب ويتوب الله عليه؟ كثير، وكم من أناس أذنبوا فتابوا فتاب الله عليهم؟ كثير؛ ولهذا جاءت (التواب). وقوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾ جمع بين التوبة والرحمة؛ لأن بالرحمة الإحسان وبالتوبة زوال العقوبة، فجمع الله بينهما فهو يتوب، وإذا تاب سبحانه وتعالى رحم التائب، ويسره لليسرى، وسهل له أمور الخير، فحصل على الخير العظيم. وفي هذه الآية التفات ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فيها التفات، من أين؟ * طالب: قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾، (...) الخطاب (...). * الشيخ: وين الخطاب؟ * الطالب: يعني في خطاب المتكلم.. أو الغيبة. * طالب آخر: عن الغيبة. * الشيخ: لا، وين الغيبة؟ * الطالب: يتوب الله عليه. * الشيخ: وين يتوب الله عليه؟ * الطالب: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ للمتكلم، و(أنا) للمتكلم أيضًا. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ هذه هي الغيبة. * الشيخ: (...)، ما يعود على الله، ما يعود على الله حتى نقول: هذه التفات. * طالب: بس السياق يقتضي أن يقول: يتوب الله عليهم. * الشيخ: ولا يقتضي ولا شيء. * الشيخ: نوسع لكم شيء، في هذه الآية مع التي قبلها التفات؟ * طالب: الأولى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّه﴾ وهذه يقول: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: لا بأس، هذه أنتم فتحتوها علي، ولا ما هي عندي، فيها التفات مع الآية التي قبلها مرتين، التفات مرتين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة ١٥٩] هذه بصيغة التعظيم، ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ ما قال: ما أنزلت، فأولئك (...) يصرخ حتى يفز الواحد، هذا من باب التنبيه، فكما يكون التنبيه في الصوت يكون أيضًا في صيغة السياق، إذن ما هي الفائدة في الالتفات في هذه الآيتين؟ نقول: ﴿فَأُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ هذا من باب التعظيم، الالتفات هنا للتعظيم، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، وأمر الملك بكذا وكذا وهو يعني نفسه، فـ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أضاف الله تعالى اللعنة إليه بصيغة الغائب تعظيمًا، تعظيمًا لنفسه سبحانه وتعالى، وهو أبلغ من تعظيم الضمير ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ ولذا جاء في العقوبة. وأما قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإن المقام مقام رحمة وعطف ولين؛ ولهذا -والله أعلم- جاءت بصيغة الإفراد ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ لأنه من رحمته تبارك وتعالى بهم صار يخبر عن ثوابهم بغير صيغة العظمة الدالة على القوة والبطش، هذا ما ظهر لنا، والعلم عند الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ تقدم لنا مرارًا: أن رحمة الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، حقيقة ولَّا مجازًا؟ حقيقة، وليس المراد بها الإحسان، ولا إرادة الإحسان، فإن إرادة الإحسان والإحسان من آثار الرحمة، بل الرحمة صفة حقيقية وليست كرحمتنا، وقول من أنكر صفة الرحمة حقيقة: إن الرحمة معناه الرقة واللين، والله عز وجل منزه عن ذلك، نقول: هذه رحمة من؟ رحمة المخلوق، ثم إننا قد نمنع بأن الرحمة في كل مواضعها للرقة واللين، فإن من الملوك الجبابرة من يرحمون ومع ذلك ما يقال: إنهم صاروا أوضع من المرحوم. فعلى كل حال نقول: إن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وجميع صفات النقص التي تستلزمها بالنسبة للمخلوقين منتفية عن الله عز وجل، وسبق لنا أيضًا مرارًا: أن رحمة الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة لجميع الخلق، والخاصة بالمؤمنين. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. الآيتان قبلها في العلماء الذين كتموا الحق، وهذه في الكفار الذين استكبروا عن الحق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الكفر في اللغة بمعنى الستر، ومنه كافور النخلة لستره الطلع، والمراد به في القرآن والسنة، المراد به: جحد ما يجب لله تعالى من الطاعة والانقياد، وهو نوعان: إما تكذيب وإما استكبار. وقوله: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ﴿وَمَاتُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾، فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول التي لا محل لها، وقوله: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الجملة حال من الفاعل في ﴿مَاتُوا﴾، يعني: أنهم -والعياذ بالله- استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم ينزعوا عن الكفر ولم يتوبوا ولم يرجعوا، أين جواب (إن)؟ جملة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء) مبتدأ، و(عليهم) جار ومجرور، أولاء؟ إذن (أولاء) مبتدأ و(عليهم) جار ومجرور خبر مقدم لـ(لعنة)، و(لعنة) مبتدأ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (أولئك)، والجملة من المبتدأ الأول وخبره خبر (إن). ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أي: طرده وإبعاده عن رحمته، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ أي: ولعنة الملائكة، والملائكة تقدم أنهم عالم غيبي محجوبون عن الأعين وربما نراهم، وأنهم خلقوا من نور، وأنهم عباد لله عز وجل ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وأنهم خلقوا من نور ولا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صُمْد لا يأكلون ولا يشربون. وسبق لنا أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم وظائف وأعمال خصهم الله تعالى بها، وأن إسرافيل وميكائيل وجبرائيل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة، والبعث من النوم حياة؛ فلهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله تعالى بالنوم، وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب وهو جبريل، والثاني بما فيه حياة الأبدان وهو إسرافيل، والثالث بما فيه حياة النبات وهو ميكائيل، وأفضلهم؟ جبريل؛ ولهذا امتدحه الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠]، وبقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧]، فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق. قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: عليهم لعنة الناس أجمعين، يلعنهم الناس -والعياذ بالله- ويمقتونهم ولا سيما في يوم القيامة، فإن هؤلاء يكونون مبغضين عند جميع الخلق وهم أعداء الله سبحانه وتعالى. * طالب: إسرافيل وميكائيل كيف هذا موكل بحياة الأبدان وهذا موكل بحياة النبات؟ * الشيخ: إسرافيل موكل بحياة الأبدان؛ لأنه موكل بالنفخ في الصور، ينفخ في الصور يوم القيامة، فتتطاير الأرواح منه إلى أجسادهم، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، قطر المطر، والنبات نبات الأرض، وهذا حياة. * طالب: أليس حياة للإنسان والحيوان لماذا خصصناه بالنبات؟ الماء أليس حياة للإنسان والحيوان أيضًا؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: لماذا خصصناه بأنه مخصص بحياة النبات؟ * الشيخ: هكذا جاء به الحديث، أنه موكل بالقطر والنبات[[أخرجه أحمد في المسند (٢٤٨٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر.]]. * طالب: شيخ، الأرواح داخل الصور؟ الأرواح ضمن الصور الذي ينفخ فيه؟ * الشيخ: الله أعلم، هل هي ضمن الصور من الآن، أو أنها تدخل فيما بعد؟ كما يدل على ذلك حديث: «أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأن أرواح الشهداء معلقة في قناديل تحت العرش »[[أخرجه مسلم (١٨٨٧ / ١٢١)، بلفظ: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فهذا يدل على أنها تجتمع فيه عند النفخ. * طالب: لعنة الملائكة كيف؟ يدعون عليهم باللعنة وأنهم.. * الشيخ: يشمل الأمرين الدعاء عليهم باللعنة وكونهم أيضًا يبغضونهم وينكرونهم، فإن هذا من اللعن. * طالب: كذلك الناس؟ * الشيخ: وكذلك الناس. قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في هذه اللعنة -والعياذ بالله- والمراد فيما يترتب عليها، فإنهم خالدون في النار التي تكون من ثمرات اللعنة ونتائجها. وقال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ والعذاب تثقيلًا وتخفيفًا من أين؟ من الله عز وجل، لكنه جل وعلا لم يضفه إلى نفسه؛ لأن الشر ليس إليه؛ ولهذا قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، لما جاء الخير أضاف الإرادة إلى الله، ولما كان ذاك الشر قال: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا من باب تعظيم الله عز وجل أن لا ينسب الشر إليه وإن كان بتقديره، لكن لا ينسب إليه، فهنا وإن كان العقاب لهؤلاء بتقديره، لكنه لا ينسب إليه؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ ولم يقل: لا نخفف. وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿يُنْظَرُونَ﴾؟ أي: يمهلون، يعني: ما يمهلون بل يؤخذون بالعقاب، ويحتمل أن المراد ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: بالعين، فلا ينظرون نظر رحمة، نظر رحمة وعناية بهم، وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، فإن هذا من احتقارهم وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، وهم أيضًا لا ينظرون فلا يمهلون، يؤخذون بالعذاب -والعياذ بالله- من حين ما يموتون وهم في العذاب، ثم قال.. * طالب: ﴿النَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (...)؟ * الشيخ: ربما أنه يدخل فيها الناس عمومًا؛ لأنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم ببعض. * طالب: شيخ، العذاب أحيانًا ينسب إلى الله تعالى؟ * الشيخ: إي نعم، ينسب إليه، لكن تخفيف العذاب غير مسألة العذاب، العذاب على سبيل الإطلاق عدل، وكذلك عدم التخفيف عدل، لكنه ما ينسب إلى الله. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إِلَهُكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لجميع الناس، وهو مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿وَاحِدٌ﴾ صفة لـ﴿إِلَهٌ﴾، يعني: أن إله الخلق إله واحد، والمراد بالإله: المعبود، لكن هنا المراد به: المعبود بحق، وإلا فالأصل أن الإله يطلق على كل ما عبد بحق أو بباطل، لكن هنا المراد به: إلهكم الحق إله واحد، أما معبوداتكم فإنها -وإن سميتموها آلهة- فإنها لا تستحق أن تكون آلهة، كما هو معلوم؛ لأنها لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تدفع. وقوله: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وحدانيته بالألوهية تستلزم وحدانيته بالربوبية، فهو إله واحد ورب واحد سبحانه وتعالى، والمدبر للكون كله المالك للكون كله، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذه جملة تأكيد للتي قبلها، هذه جملة تأكيد، فإنه لما أثبت أنه إله واحد نفى أن يكون معه إله، وهي في المعنى توكيد لما قبلها. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (لا) نافية للجنس، و﴿إِلَهَ﴾ اسمها، أين خبرها؟ محذوف، والتقدير: حق، لا إله حق إلا هو، وعلى هذا فتكون (إلا) أداة استثناء، و(هو) خبر (لا) ولّا بدل من خبر (لا)؟ الجواب: هي بدل من خبر (لا)، ويدل لذلك قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فرفعها لتكون بدلًا من خبر (لا) النافية للجنس، وزعم بعض المعربين إلى أن ﴿اللَّهُ﴾ هي خبر (لا)، وكذا يكون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هي خبر (لا)، وهذا مبني على قول من لا يشترط أن يكون معمولها نكرتين، والمشهور عند النحويين أنه يشترط في (لا) النافية للجنس أن يكون معمولها نكرتين، قال ابن مالك في هذا؟ * طالب: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَهْ ∗∗∗ ....................... * الشيخ: (...) للا في نكرة يشمل الاسم والخبر، وعلى رأي هؤلاء يشكل المعنى إذا قلنا: إن (هو) خبر (لا)، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يقتضي أن لا يكون هناك آلهة، لكن هذا يجيب عنه أو يمكن يجاب عنه بأن المراد بالإله هنا: الإله الحق، وهذا حق لا إله إلا الله، فالحصر باعتبار الإله الحق حقيقي ولا إضافي؟ حقيقي، الحصر باعتبار الإله الحق حقيقي لا إضافي، وباعتبار مطلق الإله إضافي؛ لأن الإله الذي نفي لا بد أن يكون مقيدًا بالحق. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر؟ خبر مبتدأ محذوف؟ ولَّا خبر ﴿إِلَهُكُمْ﴾؟ * طالب: خبر ثاني. * الشيخ: إما أنه خبر لـ﴿إِلَهُكُمْ﴾ خبر آخر، وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو الرحمن الرحيم. وهذان الاسمان مشتقان من الرحمة، لكنهما يختلفان، فإن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، هذا أحسن ما قيل، الرحمن صفة لله تعالى أو اسم لله باعتبار وصفه؛ ولهذا كان المراد به الرحمة العامة الواسعة، وجاءت رحمن على وزن فَعْلَان، وكلمة فعلان تدل على الامتلاء والسعة، أما الرحيم فهي باعتبار الفعل الذي هو إيصال الرحمة إلى المرحوم، فباجتماع الاسمين الكريمين تبين لنا أن رحمة الله تعالى رحمة واسعة عظيمة، وأنها واصلة إلى من شاء من خلقه، وهذان الاسمان هل هما اسم واحد أو اثنان؟ * طالب: اثنان. * الشيخ: اثنان، وإن كانا مشتقين من وصف واحد، وبهذا عرفنا أن الغفار اسم، والغفور اسم، ما نقول: إنهما اسم واحد؛ لأن اختلاف الصيغة يدل على اختلاف المعنى؛ ولهذا أجمع المسلمون أو العلماء على أن ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ اسمين. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. من فوائد هذه الآية: مشروعية الطواف بين الصفا والمروة، ويؤخذ ذلك من قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم في الطواف بهما؛ لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الطواف بهما من طاعة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الطاعة خير؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، ولا ريب أن طاعة الله سبحانه وتعالى خير للإنسان في مآله وحاله. * ومن فوائد الآية: إثبات اسم الشاكر لله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات العليم اسم لله، ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات صفة الشكر والعلم لله، من أين تؤخذ؟ من ﴿شَاكِرٌ﴾ و﴿عَلِيمٌ﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة، وقد مر علينا أن كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الصفة وعلى الحكم إن كان متعديًا، كل اسم هو يدل على الصفة ويدل أيضًا على الحكم إن كان متعديًا. ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ ويش يدل عليه؟ على العلم هذه الصفة، ويدل على الحكم بأنه أيش؟ يعلم كل شيء، هذا الحكم، ﴿غَفُور﴾ اسم يدل على الصفة وهي المغفرة، يدل على الحكم وهو أنه يغفر؛ ولهذا استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، استدلوا بهذين الاسمين على أن من تاب قبل القدرة عليه سقط عنه العقوبة؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومقتضى ذلك أنه يغفر ويرحم. إذن يستفاد إثبات الاسمين الكريمين: شاكر وعليم، وإثبات ما دلا عليه من الصفتين وهو الشكر والعلم، وقد سبق أن معنى شكر الله للإنسان أنه يثيبه أكثر مما عمل «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. تقدم لنا قبل قليل أن الطواف بالصفا والمروة من الشعائر المشروعة، لكن هل هو ركن أو واجب أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة: فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به. وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج، يجبر بدم ويصح الحج بدونه. وقال آخرون: إنه سنة وليس بواجب، والقول بأنه سنة ضعيف جدًّا؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط، الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين، بقيت الصحة مترددة بين الركنية والوجوب، والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١١٤٣٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وسعى هو عليه الصلاة والسلام، وأقسمت عائشة قالت: «وَاللَّهِ مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ حَتَّى يَطَّوَّفَ بِهِمَا »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، يعني: بالصفا والمروة، فالأقرب أنه ركن وليس بواجب، وإن كان الموفق رحمه الله -وهو من مشائخ المذهب الكبار في مذهب الإمام أحمد- اختار أنه واجب يجبر بدم. ثم قال تعالى: ﴿