تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴿١٥٦﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴿١٥٧﴾
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦].
إذا أصابتهم المصيبة وتحقق وقوعها فيهم ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام تشير؟
* طالب: إلى الملك.
* الشيخ: للملك يعني إنا ملك لله، والمملوك يفعل فيه المالك ما شاء، فإذا كنا ملكًا لله فهو سبحانه وتعالى ربنا يفعل بنا ما شاء، أوجدنا وأمدنا وأعدنا، وإذا شاء منعنا، فله الأمر كله نحن إلى الله، نحن لله، ثم مع ذلك بإقرارهم بالملك بأنهم مملوكون لله يرجون ثوابه، ولهذا يقولون: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها، فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وبين الإقرار والإيمان بالجزاء، بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه وبيده، وهذا جمعوا بين عمل القلب والنطق باللسان؛ عمل القلب الصبر، والنطق باللسان يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وجاءت السنة بزيادة على هذا أيضًا بأن يقول الإنسان: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]] واخْلُف ولَّا وأَخْلف؟
* طالب: وأخلف.
* الشيخ: أخلف «أَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» من الرباعي؛ لأنه من الثلاثي معناه أن الشيء خلف غيره، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة. ]] أي كن خليفة له، لكن أخْلِف أي اجعل له خلفًا منه، وهنا نقول: أخلِف لي، يعني اجعل لي خلفًا منها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ [سبأ ٣٩]؟
* الطلبة: يُخلفه، يَخلفه.
* الشيخ: لا تلحنون، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الله يهديكم ما عندكم شجاعة، ما عندكم شجاعة إطلاقًا كيف تنهزمون أمامي وأنتم على صواب؟
* طالب: فهو يُخْلِفُهُ.
* الشيخ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي يجعل له خلفًا، ما هو بهو نفسه يخلفه ويصير بداله (...) يكون يُخلفه يجعل له خلفًا، فإذا كانت من الرباعي فمعنى (أَخْلف عليه) أي جعل له خلفًا عنه، أما إذا كان من الثلاثي (خَلَفَه) هو نفسه صار خلف، عرفتم؟
طيب هنا «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة.]]؟ يعني اجعل لي خلفا خيرًا منها، فإذن نقول: ما أرشد الله إليه، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها؛ إذا قالها الإنسان مؤمنًا محتسبًا آجره الله عز وجل في مصيبته وأخلف له خيرًا منها.
والشاهد في هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها كانت تحب ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة، ولما مات وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد حدثها بهذا الحديث، قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]]، فكانت تفكر بنفسها تقول: من هو اللي بيصير خلفًا عن أبي سلمة؟ هي مؤمنة بأنه سيوجد خلف خير منه لكن من هو اللي بيصير؟ ما كان يجول في فكرها أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيكون، وسبحان الله من كان خلفًا؟
* طالب: رسول الله ﷺ.
* الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام، أخلف الله لها خيرًا منه، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له عند موته رضي الله عنه قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ»، وَأَخْلِفْهُ فِي عَقِبِه، لا غلط، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]].
* طالب: شيخ، وأَخْلفه؟
* الشيخ: لا، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» إي، يعني يكون خلفًا. ما الذي حصل؟ خلفه في عقبه أفضل خليفة، مَنْ؟
النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية الأدعية نرجو أنها أُجيبت؛ لأن الله عز وجل كريم جواد.
* طالب: شيخ، الآية هذه ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هل نقول: إنه من الصبر الواجب أو من الرضا؟
* الشيخ: لا، هذا من الصبر الواجب.
طيب قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وأين خبر إنَّ؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: صائرون.
* الشيخ: إنا صائرون لله؟
* الطالب: لا أظن أنها راجعون.
* الشيخ: وإنا إليه راجعون الذي بعده؟
* الطالب: راجعون الخبر.
* الشيخ: الخبر راجعون؟
* طالب: نعم.
* طالب: ممكن نقول: الجار (لله) جملة (...) هذا هو الخبر.
* الشيخ: الخبر وين؟
* طالب: فإنا نحن.
* طالب: الجملة هذه جملة، هذه الجملة جملة..
* الشيخ: الجار والمجرور هو الخبر، ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ هو الخبر، لكن هل إنه هو الخبر نفسه ولا متعلق بمحذوف تقديره كائنًا؟
* الطلبة: متعلق.
* الشيخ: فيها الخلاف على قولين؛ وأما ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فخبر إن قوله: ﴿رَاجِعُونَ﴾ وإليه متعلقة بـ (راجعون)، وقدمت على راجعون لإفادة الحصر هذا من ناحية المعنوية، ولمناسبة الآي من الناحية اللفظية.
* طالب: ما يحتاج إلى التقدير؟
* الشيخ: أيهم؟ في الأخيرة؟
* الطالب: في إنا إليه راجعون.
* الشيخ: لا ما حاجة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ١٥٧]
﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة هنا إشارة للبعيد لعلو مرتبتهم رضي الله عنهم وجعلنا منهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عليهم خبر مقدم و﴿صَلَوَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر صح؟
* طالب: أولئك مبتدأ.
* الشيخ: وعليهم صلوات، عليهم: عليهم خبر مقدم، وصلوات مبتدأ مؤخر.
* الطالب: لا، صلوات مبتدأ ثانٍ.
* الشيخ: طيب وعليهم؟
* الطالب: عليهم خبر مقدم.
* الشيخ: مقدم إي، إذن عليهم خبر مقدم وصلوات مبتدأ مؤخر لكنه مبتدأ ثانٍ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ للأول.
﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلوات اختلف العلماء في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى، فالمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعًا لذكرهم وإعلاء لشأنهم.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ رحمة عطفها على الصلوات يدل على أنها مغايرة، ويدل على ضعف من قال إن الصلاة من الله بمعنى الرحمة.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني يزول يحصل لهم بها المطلوب؛ لأن الرحمة إما حصول مطلوب وإما زوال مكروه، فهنا الرحمة تشمل الأمرين: زوال المكروه وحصول المحبوب.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ هذه جملة اسمية مسوقة على سبيل الحصر، ما طريق الحصر هنا؟
* طالب: الإشارة.
* الشيخ: لا، الإشارة ما هي من طريق الحصر.
* طالب: ضمير الفصل (هم).
* الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وأولئك أي الصابرون الذين يقولون ما ذكر هم المهتدون الذين اهتدوا إلى طريق الحق ووضعوه في نصابه، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية، عكس هؤلاء الذين لا يصبرون على المصائب لا بقلوبهم ولا بألسنتهم ولا بجوارحهم، مهتدون ولَّا ضالون؟
* الطلبة: ضالون.
* الشيخ: ضالون، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من أعمال الكفر، فقال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة. ]]، والنياحة عنوان على عدم الصبر، فدل ذلك على أن الهداية في الصبر، وتسليم الأمر إلى الله عز وجل، وانتظار ثوابه واحتسابه، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨].
من فوائد الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤].
أولًا: تحريم إطلاق الموت على الشهداء لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ وعلم من قولنا: إطلاق أنه إذا أريد بذلك الموت الذي هو مفارقة الروح الجسد فهو صحيح، ولهذا يقولون دائمًا: مات شهيدًا، فيقيدون هذا الموت، ما يطلقونه.
* طالب: شيخ، هل يصح القول: إن هذا شهيد، يعني هم لا يدرون نية الذي هذا مات، هل يصح إن هم يقولون: مات شهيدًا؟ يعني الآن كل ما واحد يموت..
* الشيخ: أما بالنسبة للصحابة فنقول: مات شهيدًا.
* الطالب: في غير الصحابة؟
* الشيخ: لا، في هذا الصحابة ما نجزم به المعين، المعين ما نجزم به له، ولكن نقول: من قُتل ظلمًا، من قتل في دفاعه عن الحق فهو شهيد، فيكون الشهادة لهم من باب الشهادة العامة.
* طالب: هل يجوز أن نقول: الشهيد كذا وكذا، على اعتبار أنه شهيد؟
* الشيخ: إيه، أولًا: بالنسبة لأحكام الدنيا نعامله معاملة الشهداء، ما نغسله ولا نكفنه ونصلي عليه وندفنه في ثيابه.
* طالب: لو قُتل داخل الأرض يعني ليس في جهاد؟
* الشيخ: في الجهاد، في الجهاد بارك الله فيكم، اللي قتل في سبيل الله.
* الطالب: يعني أعداؤه قتلوه بالرصاص مثلًا؟
* الشيخ:لا لا ما هو، هذا فيه خلاف بين العلماء، إنما الذي قُتل في سبيل الله، لكن بالنسبة للشهادة له بالشهادة في الآخرة، هذا ما نجزم به، ولكن نقول: من مات على هذا النوع من الموت فهو شهيد، فهذه شهادة عامة مثل ما نقول: كل مؤمن في الجنة، لكن هل تشهد لفلان المعين بأنه في الجنة؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما تشهد، ولهذا ما ينبغي أن نقول: فلان شهيد إلا من ثبتت شهادته بالنص مثل شهداء أحد ونحوهم.
* طالب: إذا أجمع على ذلك كثير من الناس؟
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على أنه شهيد وأن الله اصطفاه؟
* الشيخ: إذا أجمعوا على الثناء عليه فقد اختلف في هذا أهل العلم، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز الشهادة له بالجنة، والشهادة له بالشهادة أيضًا، وبعض العلماء يقول: لا، نقف على ما جاء به النص. والحمد لله إذا كان عند الله تعالى من أهل الجنة ومن الشهداء فإن امتناعنا عن الشهادة له لا يمنع ذلك عند الله، واضح؟
وإن كان من غير الشهداء أو غير المؤمنين فإننا نحن عرَّضنا أنفسنا للخطر.
* طالب: هل يجوز يعني نطلق على أي واحد مات من الصحابة أنه مات شهيد؛ يعني يجوز يعني إن الإنسان يطلق.
* الشيخ: اللي قتلوا في سبيل الله.
* الطالب: من الصحابة.
* الشيخ: إي؛ لأن شهداء أحد ثبت هذا اللفظ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله.
* طالب: أظن كان فيه واحد من الصحابة يقول: فلان شهيد، فقال له النبي ﷺ: «كلا (...)».
* الشيخ: لا، قالوا: في الجنة.
* طالب: قالوا: فلان شهيد (...).
* الشيخ: إي، شهيد ولَّا في الجنة؟
* الطالب: إي، هذا قالوا: هنيئا له بالشهادة.
* الشيخ: إي، لكن هذا قال شهيد ولَّا في الجنة؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: على كل حال، هذا يكون خرج به النص، فما نص عليه الرسول ما نتكلم فيه سواء إثباتًا أو سلبًا.
قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ فيه إثبات حياة الشهداء لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ويرد على هذا القول أو على هذه الفائدة سؤال: هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟
فإذا قال قائل: ما الدليل على أن الأنبياء أحياء؟ لأنهم أفضل من الشهداء، يعني بلا شك أفضل من الشهداء، وإذا كانوا أفضل وجعل الله تعالى للشهداء هذه الحياة دل هذا على أنهم أحياء، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، وإنما جعل الله الشهيد حيًّا؛ لأنه أمات نفسه في سبيل الله، فهو الذي تسبب للموت في سبيل الله، فجزاه الله تعالى على هذا الموت بأن جعله حيًّا عنده.
* ويستفاد من هذا: أن فضل الله سبحانه وتعالى على العامل أكمل من عمل العامل؛ وذلك لأن العامل الذي هو الشهيد أمات نفسه، فحرمها بقاء سنتين أو ثلاث سنين أو عشر سنين أو مئة سنة، أليس كذلك؟ لكن حياته بهذه الشهادة لها منتهى؟ أبدًا، إلى البعث، ثم تأتي الحياة الأبدية، وهذا دليل على أن كرم الله تعالى بالعطاء والثواب أكثر من عمل العامل، وهذا أمر معروف لكم جميعًا «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]].
* ومنها: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه نص ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله، لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله، أي: في الطريق الموصل إلى الله أبلغ، نظيرها الآن نحن جميعًا إذا أذن المؤذن توضأنا وجئنا إلى المسجد وصلينا وحرصنا على أن تكون الصلاة كاملة، كذا ولَّا لا؟ هذا واقع، لكن هل نحن نشعر عندما نتوضأ أننا نمتثل أمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولّا ما نشعر بهذا الشعور؟
* طالب: نشعر.
* الشيخ: كلما توضأت؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، ما في شك، لكن هل تشعر أنك تفعل ما أمر الله بك على سبيل العموم، لكن هل تشعر بأنك الآن تمثل الامتثال لأمر الله عند الوضوء؟ أو تشعر بأنك تتوضأ للصلاة وبس؟
* طالب: أتوضأ للصلاة وبس.
* الشيخ: أتوضأ للصلاة وبس، هذا هو الأغلب، يعني: يندر أن الإنسان يتذكر ويقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، فالآن غسلت وجهي وغسلت يدي ومسحت رأسي وغسلت رجلي، عرفتم؟ فالغالب علينا نية العمل لا نية المعمول له، هذا الغالب علينا، كذلك عندما تأتي لتقيم الصلاة تحرص على كمالها وخشوعها، يعني: يندر أنك تستشعر أنك ممتثل لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، هذا ما أقول: إنه ما يوجد، يوجد، لكنه قليل، أكثر الناس يقول: لأجل أنا أصلي، أكمل صلاتي لأنها أفضل؛ لأنها أفضل من الصلاة الناقصة، لكن شعورنا أن هذا امتثال لأمر ربنا، هذا أمر قليل، المهم أن كلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مهمة ويجب أن تلاحظ.
* ومن فوائد الآية: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «إِذَا دُفِنَ الْإِنْسَانُ جَاءَهُ مَلَكَانِ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَجَاءَهُ مَلَكَانِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيَّهِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٤٧٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٩٢) واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]].
* ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
* ومنها: أنهم يتنعمون في الجنة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾.
* ومنها: إثبات علو الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الصفا والمروة جبلان معروفان، يقال: للصفا جبل أبي قُبَيْس، وللثاني: قُعَيْقِعَان، وهما شرقي الكعبة، وقد كانت أم إسماعيل رضي الله عنها تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد، وذلك بعد أن نفد منها التمر والماء وتقلص لبنها فجاع ابنها.