×

العاديات

الآية ١٠

أضواء البيان — الشنقيطي

وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ ﴿١٠﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ . قِيلَ: حُصِّلَ أيْ أُبْرِزَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَقِيلَ: مَيَّزَ الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ. والحاصِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما بَقِيَ. قالَ لَبِيَدٌ: ؎وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ إذا حَصَلَتْ عِنْدَ الإلَهِ الحَصائِلُ والمُرادُ بِما في الصُّدُورِ الأعْمالُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] . وَنَصَّ عَلى الصُّدُورِ هُنا، مَعَ أنَّ المُرادَ القُلُوبُ؛ لِأنَّها هي مُناطُ العَمَلِ ومَعْقِدُ النِّيَّةِ. والعَقِيدَةُ وصِحَّةُ الأعْمالِ كُلُّها مَدارُها عَلى النِّيَّةِ، كَما في حَدِيثِ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» وحَدِيثِ: «ألا إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ» الحَدِيثَ. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: خَصَّصَ القَلْبَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مَحَلٌّ لِأُصُولِ الأعْمالِ. وَلِذا ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وفي مَعْرِضِ المَدْحِ: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] . وَيَشْهَدُ لِما قالَهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤] . وَقالَ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، ونَحْوُ ذَلِكَ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصُّدُورِ ما فِيها هو القَلْبُ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: نَصَّ عَلى الصُّدُورِ لِيَشْمَلَ الخَيْرَ والشَّرَّ؛ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ الإيمانِ. والصَّدْرُ مَحَلُّ الوَسْوَسَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [الناس: ٥] . وَهَذا وإنْ كانَ وجِيهًا، إلّا أنَّ مَحَلَّ الوَسْوَسَةِ أيْضًا هو القَلْبُ، فَيَرْجِعُ إلى المَعْنى الأوَّلِ واللَّهُ أعْلَمُ.