تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱدْخُلِى جَنَّتِى ﴿٣٠﴾
وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
* * *
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.