تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ﴿٢٦﴾
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ نحاسبهم، قال العلماء: وكيفية الحساب ليس مناقشةً يُناقَش الإنسان؛ لأنَّه لو يُناقَش هلك، لو يناقشك الله عز وجل (...) الحساب هلكتَ.
افرضْ ناقشك في نعمةٍ من النعم كالبصر، لا يمكن أن تجد أيَّ شيءٍ تعمله يُقابل نعمةَ البصر. نعمة النَّفَس؛ النَّفَس الذي يخرج ويدخل بدون أيِّ مشقَّة وبدون أيِّ عناء، فالإنسان يتكلم وينام ويأكل ويشرب، ومع ذلك لا يحسُّ بالنَّفَس ولا يعرف قَدْر النَّفَس إلا إذا أُصيبَ بما يمنع النَّفَس، فحينئذٍ يذكر نعمة الله، لكن ما دام في عافية فهو شيء طبيعي، لكن لو أنَّه أُصيبَ بكتم النَّفَس لَعرف قَدْر النعمة، فلو نُوقِشَ لَهلك؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» أو قال: «عُذِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦ / ٧٩)، من حديث عائشة.]].
لكن كيفية الحساب؛ أمَّا المؤمن فإنَّ الله تعالى يخلو به بنفسه ليس عندهما أحدٌ، ويقرِّره بذنوبه: فعلتَ كذا، فعلتَ كذا، فعلتَ كذا. حتى إذا أقرَّ بها قال الله تعالى: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».
أمَّا الكفار فلا يُحاسَبون هذا الحسابَ؛ لأنَّه ما لهم حسناتٌ تمحو سيئاتهم، لكنَّها تُحصى عليهم أعمالُهم ويُقَرَّرون بها أمام العالَم ويُخزَون بها، ويُنادَى على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ٥٢)، من حديث عبد الله بن عمر.]]، نعوذ بالله من الخذلان.
وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة، وهي إحدى السورتين اللتين كان النبي ﷺ يقرأ بهما في المجامع الكبيرة؛ فقد كان يقرأ في صلاتي العيدين (سبِّح اسمَ ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية)، وكذلك في صلاة الجمعة، ويقرأ أحيانًا في العيدين (ق والقرآن المجيد) و(اقتربت الساعة وانشقَّ القمر)، وفي الجمعةِ سورةَ الجمعة والمنافقين، ينوِّع مرَّةً هذا ومرَّةً هذا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم ممن تكون وجوههم ناعمة لسعيها راضية، وأن يتولَّانا بعنايته في الدنيا والآخرة، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.