×

التكوير

الآية ١٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾

وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٧، ١٨]. معنى قوله: ﴿عَسْعَسَ﴾ يعني: أقبل، وقيل: معناه أَدْبَرَ، وذلك أن الكلمة ﴿عَسْعَسَ﴾ في اللغة العربية تصلُح لهذا وهذا، لكن الذي يظهر أن معناها: أقبل؛ ليوافق أو ليطابق ما بَعْدَه من القسم، وهو قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. فيكون الله أقسم بالليل حال إقباله، وبالنهار حال إقباله، وإنما أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات لعِظَمِهَا وكونها من آياته الكبرى، فمن يستطيع أن يأتي بالنهار إذا كان الليل، ومَن يستطيع أن يأتي بالليل إذا كان النهار. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص ٧١-٧٣]. فهذه المخلوقات العظيمة يُقْسِمُ الله بها لعِظَم الْمُقْسَم عليه، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير ١٩]، ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن، ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هو جبريل عليه الصلاة والسلام، فإنه رسول الله إلى الرسل بالوحي الذي ينزله عليهم، ووصفه الله بالكرم لحسن منظره، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم ٦]، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال العلماء: الْمِرَّة: الْخُلُق الحسن والهيئة الجميلة، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام موصوفًا بهذا الوصف ﴿كَرِيمٍ﴾. ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ٢٠]، ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وصفه الله تعالى بالقوة العظيمة، فإن الرسول ﷺ رآه على صورته التي خلقه الله عليها له ست مئة جناح قد سَدَّ الأفق كله من عظمته عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: عند صاحب العرش وهو الله جل وعلا، والعرش فوق كل شيء، وفوق العرش رب العالمين عز وجل، قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر ١٥]، فذو العرش هو الله. وقوله: ﴿مَكِينٍ﴾ أي: ذو مكانة، أي أن جبريل عند الله ذو مكانة وشرف، ولهذا خصه الله بأكبر النعم التي أنزلها الله على عباده، وهو الوحي، فإن النعم يا إخواني لو نظرنا إليها لوجدنا أنها قسمان: نِعَم يستوي فيها البهائم والإنسان، وهي متعة البدن: الأكل، والشرب، والنكاح، والسكن، هذه النِّعَم يستوي بها الإنسان والحيوان، أليس كذلك؟ الإنسان يتمتع بما يأكل، وبما يشرب، وبما ينكح، وبما يسكن، والبهائم كذلك. نِعَمٌ أخرى يختص بها الإنسان وهي الشرائع، الشرائع التي أنزلها الله على الرسل لتستقيم حياة الخلق؛ لأنه لا يمكن أن تستقيم حياة الخلق أو تطيب حياة الخلق إلا بالشرائع، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. المؤمن العامل بالصالحات هو الذي له الحياة الطيبة في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، واللهِ لو فتَّشت الملوك وأبناء الملوك، والوزراء وأبناء الوزراء، والأمراء وأبناء الأمراء، والأغنياء وأبناء الأغنياء، لو فتَّشتهم وفتشت مَن آمن وعمل صالحًا لوجدت الثاني أطيب عيشة، وأنعم بالًا، وأشرح صدرًا؛ لأن الله عز وجل الذي بيده مقاليد السماوات والأرض تكفل، قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. تجد المؤمن العامل للصالحات مسرور القلب، منشرح الصدر، راضيًا بقضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر الله على ذلك، وإن أصابه ضده صبر على ذلك، واعتذر إلى الله مما صنع، وعَلِمَ أنه إنما أصابه بذنوبه، فرجع إلى الله عز وجل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩/٦٤) عن صهيب رضي الله عنه. ]]، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام. إذن أكبر نعمة أنزلها الله على الخلق هي نعمة الدين الذي به قوام حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، وأنا أسألكم الآن: ما هي الحياة؟ هل هي حياة الدنيا أو حياة الآخرة؟ حياة الآخرة، الدليل قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾.. أتموا الآية، ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤]. فالدنيا ما هي شيء، الحياة حقيقةً حياة الآخرة، والذي يعمل للآخرة يحيا حياة طيبة في الدنيا، كما تَلَوْتُ عليكم الآية، فصار المؤمن العامل للصالحات هو الذي كسب الحياتين: حياة الدنيا، وحياة الآخرة، والكافر هو الذي خسر الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]. يقول عز وجل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير ٢٠، ٢١]، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: هناك، ﴿أَمِينٍ﴾ على ما كُلِّف به، مَن يطيعه؟ جبريل هو المطاع، فمن الذي يطيعه؟ قال العلماء: تطيعه الملائكة؛ لأنه ينزل بالأمر من الله فيأمر الملائكة فتطيع، فله إِمْرَة، وله طاعة على الملائكة، ثم الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين ينزل جبريل عليهم بالوحي لهم إمرة وطاعة على الْمُكَلَّفِين، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة ٩٢]. ﴿مطاع ثمَّ أمين﴾، ولَمَّا أقسم الله عز وجل على أن هذا القرآن قول هذا الرسول الكريم الْمَلَكِيّ، في آية أخرى بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى وأقسم أن هذا القرآن قول رسول كريم في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة ٣٨-٤١]، فهل الرسول هناك هو الرسول هنا؟ الجواب: لا، الرسول هنا في سورة التكوير رسول مَلَكِيّ، أي: من الملائكة، وهو جبريل، والرسول هناك رسول بشري، وهو محمد عليه الصلاة والسلام. والدليل على هذا واضح، هنا قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهذا الوصف لمن؟ لجبريل؛ هو اللي عند الله، أما محمد عليه الصلاة والسلام فهو في الأرض، هناك قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)