تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَىٰهَا ﴿٤٦﴾
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦].
ولكن السؤال الذي يجب أن يَرِدَ على النفس، ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو: على أي حال تموت؟! وأريد بقولي: على أي حال، لست أريد: هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، لا، على أي حال تموت في العمل، هذه النقطة.
فإذا كنت تسائل نفسك هذا السؤال فلا بد أن تستعد، لا بد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يَفْجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورُجِعَ به محمولًا على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول: هَيِّئُوا لي الطعام الغداء أو العشاء، ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قميصه وزَرَّ أَزِرَّتَه ولم يَفُكَّها إلا الغاسل يُغَسِّله، هذا أمر مشاهَد بحوادث بغتة، أي حال يكون.
أنت انظر الآن وفَكِّر على أي حال تموت-نسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة والإنابة- ولهذا ينبغي لك أن تُكْثِر من الاستغفار، أكثر من الاستغفار ما استطعت؛ فإن الاستغفار فيه من كل هَمٍّ فَرَج، ومن كل ضيق مَخْرَج، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا استفتاك شخص فاسْتَغْفِر اللهَ قبل أن تُفْتِيَه؛ لأن الذنوب تَحُول بين الإنسان وبين الهدى، واسْتَنْبَط ذلك من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦]، ﴿لِتَحْكُمَ﴾ ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦].
وهذا استنباط جيد، ويمكن أيضًا أن يُسْتَنْبَط من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، والاستغفار من الهدى، لذلك أُوصِي نفسي وإياكم بالمراقبة، وكثرة الاستغفار، ومحاسبة النفس حتى نكون على أهبة الاستعداد لما نخشى أن يَفْجَأَنَا من الموت-نسأل الله أن يُحْسِن لنا ولكم الخاتمة-.
قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات ٤٦] أي: يرون القيامة، ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]، العشية من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى من طلوع الشمس إلى زوال الشمس، يعني: كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم، وهذا هو الواقع، لو سألتكم الآن: كيف ما مضى من السنوات عليكم؟ هل تشعرون الآن بأنه سنوات، أو كأنه يوم واحد؟ كأنه يوم واحد، لا شك، والإنسان الآن بين ثلاثة أشياء: يوم مضى فهذا قد فاته، ويوم مستقبل لا يدري أيُدْرِكُه أو لا يدركه، ووقت حاضر هو المسؤول عنه، الوقت الحاضر، أما ما مضى فقد فات، وما فات فقد مات، هلك عنك، اللي مضى هلك عنك، والمستقبل لا تدري أتدركه أم لا، والحاضر هو الذي أنت مسؤول عنه.
نسأل الله تعالى أن يُحْسِن لي ولكم العاقبة، وأن يجعل عاقبتنا حميدة، وخاتمتنا سعيدة، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.