×
النازعاتالآيات ٤١–٤٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴿٤١﴾

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ﴿٤٢﴾

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَىٰهَآ ﴿٤٣﴾

إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ﴿٤٤﴾

إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَىٰهَا ﴿٤٥﴾

فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات ٤١، ٤٢]. ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعني: يسألك الناس، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٦٣]، سؤال الناس عن الساعة ينقسم إلى قسمين: سؤال استبعاد وإنكار، وهذا كفر، كما سأل المشركون النبيَّ ﷺ عن الساعة واستعجلوها، وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨]. وسؤال عن الساعة، يسأل: متى الساعة؛ ليستعد لها، وهذا لا بأس به، وقد «قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله متى الساعة؟ قال له: «مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قال: حُبَّ الله ورسوله، قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٢٣٨٥) عن أنس، والحديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩/ ١٦١)، عن أنس رضي الله عنه، ولفظه: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها». قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فَرِحْنَا بشيء فَرَحَنَا بقول النبي ﷺ: «أنت مع من أحببت». ]]. فالناس يسألون النبي عليه الصلاة والسلام ولكن تختلف نياتهم في هذا السؤال، إنما مهما كانت نياتهم، ومهما كانت أسئلتهم، علم الساعة عند الله، ولهذا قال: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات ٤٣] يعني أنه لا يمكن أن تذكر لهم الساعة، لماذا؟ لأن علمها عند الله كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وقد سأل جبريل -وهو أعلم الرسل- سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعلم الخلق من البشر، «قال: أخبرني عن الساعة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/٥)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يعني: أنت إذا كانت خافية عليك فأنا خافية عليّ، وإذا كان أعلم الملائكة وأعلم البشر لا يعلمان متى الساعة فما بالك بِمَن دونهما، وبهذا نعرف أن ما يُشِيعُه بعض الناس من أن الساعة تكون في كذا وفي كذا وفي زمن معيَّن كله كذب، نعلم أنهم كَذَبَة في ذلك؛ لأنهم لا يعلمون متى الساعة، لا يعلمها إلا الله عز وجل. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات ٤٥] يعني: ليس عندك علم منها، ولكنك مُنْذِر، مُنْذِر مَن؟ ﴿يَخْشَاهَا﴾ أي: يخافها، وهم المؤمنون، أما مَن أنكرها واستبعدها وكذَّبها فإن الإنذار لا ينفع فيه، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]. ولهذا نقول: أنت لا تسأل متى تموت، ولا أين تموت؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى السؤال، أمر مفروغ منه، ولابد أن يكون، ومهما طالت بك الدنيا فكأنما بقيت يومًا واحدًا، بل كما قال تعالى هنا: ﴿