×
النازعاتالآيات ٢٧–٣٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ ۚ بَنَىٰهَا ﴿٢٧﴾

رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا ﴿٢٨﴾

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَىٰهَا ﴿٢٩﴾

وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ﴿٣٠﴾

أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا ﴿٣١﴾

وَٱلْجِبَالَ أَرْسَىٰهَا ﴿٣٢﴾

مقرر في كل يوم خميس -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها لقاءات مباركة- نبتدئ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله عز وجل، وقد بدأنا من سورة النبأ إلى آخر القرآن، ونحن الآن على قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٧، ٢٨]، إلى آخره. يخاطب الله سبحانه وتعالى عباده، يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وأراد بهذا الاستفهام تقرير إمكان البعث؛لأن المشركين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبعث، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فيقول الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾؟ الجواب معلوم لكل أحد أنه السماء، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧]. ﴿بَنَاهَا﴾ هذه الجملة لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارئ إذا قرأ أن يقف على قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾، ثم يستأنف فيقول: ﴿بَنَاهَا﴾، فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء. ﴿بَنَاهَا﴾ أي: بناها الله عز وجل، وقد بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها بقوة، فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٨] رفعه يعني: عن الأرض، ورفعه عز وجل بغير عَمَدٍ، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد ٢]. ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: جعلها مستوية، وجعلها تامَّة كاملة، كما قال تعالى في خلق الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار ٦، ٧]، أي: جعلك سَوِيًّا تامّ الخِلْقَة، فالسماء كذلك سَوَّاهَا الله عز وجل. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٢٩] أغطشه، أي: أَظْلَمَه، فالليل مُظْلِم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢]. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: بيَّنَه بالشمس التي تخرج كل يوم من مطلعها وتغيب في مغربها. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)