تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لِّنُخْرِجَ بِهِۦ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ ١٥، ١٦] لنخرج بهذا الماء الذي ينزل من السماء إلى الأرض فتنبت الأرض، فيُخْرِج الله به الحب بجميع أصنافه وأنواعه من البُرّ والشعير والذرة وغيرها.
﴿وَنَبَاتًا﴾: من الثمار كالتين والعنب وما أشبهه.
﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، أي: بساتين ملتفًّا بعضها إلى بعض، من كثرتها وحُسْنِها وبهائها.
ولما ذكر الله ما أنعم الله به على العباد ذكر حال اليوم الآخر، وأنه ميقات يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في جلسة أخرى، يسَّر الله لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل عملنا خالصًا لله موافقًا لمرضاته.
* * *
آخر آية تكلمنا عليها الأسبوع الماضي هي قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ إلى آخر السورة إن تَيَسَّرَ أن نتكلم عنها اليوم.
يقول الله عز وجل: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ أي: قوية متينة، وهي السماوات السبع، وقد جاء ذِكْر السماوات مقيَّدة بالسبع في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦].
أما الأَرَضُون فجاءت مقيَّدة بهذا العدد في السنة، مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠/ ١٣٧)، واللفظ له، عن سعيد بن زيد رضي الله عنه. ]].
وجاءت في القرآن الكريم مقيَّدة بهذا العدد على وجه الإشارة، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢].
فقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لا يتأتى فيه إلا المماثلة في العدد؛ لأن المماثلة في الكيفية متعذِّرة؛ إذ إن هناك فرقًا بين السماوات والأرض في الكيفية والصفة والسعة والقوة، فتعيَّن أن يكون المراد مثلهن في العدد.
ثم (...): ﴿فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، وهي هذه الشمس؛ فإنها سراج الأرض، ووهج: شديدة الحرارة، ودليل ذلك أننا نحس بحرارتها وبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة، ولا سيما في أيام الصيف إذا كانت قريبة من الرؤوس عمودية فوقنا.
ولا يخفى على أهل العلم بطبائع النبات والبحار والصحاري ما يكون من الفائدة العظيمة في هذه الحرارة على الأعيان وعلى الصفات، ولهذا أكَّد الله عز وجل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ أي: ذا تَوَهُّج.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾، ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ هي: السحب، وسُمِّيَت معصرات؛ لأنها بمنزلة الذي يعصر الماء من الثوب، فإن هذا الماء يتخلَّل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم ٤٨].
قوله: ﴿ثَجَّاجًا﴾، أي: كثير الثَّجّ، يعني: الانهمار، وذلك لغزارته وقوته حتى يروي الأرض.
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، الحب والنبات هو الزروع، وهو النبات الذي ليس له ساق.
﴿