تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ ﴿٧﴾
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿