تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ ﴿٥﴾
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿