×

الذاريات

الآية ٥٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾

مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات ٥٧] يعني: ما أطلب منهم رزقًا، أي: عطاء أنتفع به، ولا أن يُطْعِمون أنتفع بإطعامهم؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام ١٤] فهو سبحانه وتعالى له الغنى والجود والكرم، وهو غَنِيٌّ عما سواه. إذن لو سألنا: ما الحكمة مِن خلق الجن والإنس؟ ما هي الحكمة؟ العبادة، يعني: ما خلقوا لأجل أن يعمروا الأرض، ولا لأجل أن يأكلوا، ولا لأجل أن يشربوا، ولا لأن يتمتعوا كما تتمتع الأنعام، وإنما خُلِقوا لعبادة الله، وخلق لهم ما في الأرض، نحن مخلوقون للعبادة، وما في الأرض مخلوق لنا؛ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، والعجب أن قومنا الآن اشتغلوا فيما خُلِقَ لهم عما خُلِقوا له، ما الذي خلق لهم؟ ما في الأرض، عما خلقوا له وهو العبادة، وهذا من السفه أن يشتغلوا بشيء خلق لهم عن شيء خلقوا من أجله. فما هي العبادة؟ العبادة نقول: إنها تُطْلَق على معنيين: المعنى الأول التعبد، يعني: فعل العبد، فيقال: تعبد لله عبادة، والثاني: المتعبد به، وهذا المعنى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وكل ما يقرب إلى الله، فهي اسم جامع لكل شيء، فالصلاة عبادة، والصدقة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والأمر بالمعروف عبادة، والنهي عن المنكر عبادة، كل ما يُقرِّب إلى الله من قول أو فعل فإنه عبادة. فإذن العبادة تُطلَق على معنيين: المعنى الأول: التعبد الذي هو فعل العبد. والمعنى الثاني: المتعبد به الذي هو العبادة.