تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾
أما قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: ما أوجدتهم بعد العدم إلا لهذه الحكمة العظيمة، وهي عبادة الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له، إلا لعبادة الله تعالى وحده كما سنبين، اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ للتعليل، لكن هذا التعليل تعليل شرعي، أي: لأجل أن يعبدوني، حيث آمرهم فيمتثلوا أمري، وليست اللام هنا تعليلًا قدريًّا؛ لأنه لو كان تعليلًا قدريًّا لزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيان الحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس، فالجن عالم غيبيٌّ خُلُقوا من نار؛ لأن أباهم هو إبليس كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠].
وسموا جِنًّا؛ لأنهم مستترون عن الأعين؛ حيث إنهم يروننا ولا نراهم، هذا هو الأصل أنهم عالم غيبي لكن قد يظهرون أحيانًا، والأصل فيهم أنهم كالإنس منهم المسلمون ومنهم غير المسلمين، ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك، لكن الإنس يفضلونهم؛ لأنهم أحسن منهم من حيث الابتداء، حيث إنهم خلقوا من الطين، من التراب، من صلصال كالفخار، وأما أولئك الجن فخُلقوا من النار، كذلك يمتاز الإنس عنهم بأن منهم الرسل والنبيين، وأما الجن فليس منهم رسل، نعم منهم نُذُرٌ يُبَلِّغون الرِّسالاتِ من الإنس كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] فانظر إلى أدبهم في قولهم: ﴿أَنْصِتُوا﴾، ثم بقائهم حتى انتهى المجلس، ثم ذهبوا دعاة لما سمعوا: ﴿قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف ٢٩، ٣٠] إلى آخر الآية.
وأما الإنسُ فهم بنو آدم البشر، هؤلاء خلقوا لشيء واحد لعبادة الله، لا لأجل أن ينفعوا الله بطاعاتهم، ولا أن يضروه بمعاصيهم، ولا أن يطعموه ولهذا قال: ﴿