تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴿٢٦﴾
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٦]، وما أوسع هذه الكلمة، وإذا كانت هذه الكلمة وصفًا للكَفَّار العنيد، فالمعنى أنه يعبد مع الله غيره، وكلنا يعلم أن المشركين كانوا يعبدون مع الله غيره، فيعبدون اللَّات، ويعبدون العُزَّى، ويعبدون مَنَاة، ويعبدون هُبَل، كل قوم لهم طاغية يعبدونها كما يعبدون الله، يركعون لها، ويسجدون لها، ويحبونها كما يحبون الله، ويخافون منها كما يخافون من الله، نسأل الله العافية.
هذا إذا جعلنا ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وصفًا لهذا الكافر العنيد، أما إذا جعلناها أشمل من ذلك فإنها تعم كل إنسان تَعَبَّد لغير الله، وتَذَلَّلَ لغير الله، حتى التاجر الذي ليس له هَمٌّ إلا تجارته وتنميتها فإنه عابد لها، حتى صاحب الإبل الذي ليس له هَمٌّ إلا إبله هو عابد لها، الدليل على هذا أن من انشغل بشيء عن طاعة الله فهو عابد له، الدليل: قول النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»، «عَبْدُ الدِّينَارِ» هذا تاجر الذهب، «عَبْدُ الدِّرْهَمِ» : تاجر الفضة، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ» : تاجر الثياب؛ لأن الخميصة هي الثوب الجميل المنقوش، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» : تاجر الفرش، أو ليس بتاجر، يعني لا يتجر بهذه الأشياء، ولكنه مشغول بها عن طاعة الله، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]، فسمى النبي ﷺ مَن اشتغل بهذه الأشياء الأربعة عن طاعة الله سَمَّاه عبدًا لها.
أيضًا في القرآن الكريم ما يدل على أن العبادة أوسع من هذا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣]، فدل ذلك على أن كل مَن قدَّم هوى نفسه على هُدَى ربه فهو قد اتخذه إلهًا، ولهذا يمكننا أن نقول: إن جميع المعاصي داخلة في الشرك بهذا المعنى، ما هو المعنى؟ أنه قدَّمَها على مرضاة الله تعالى وطاعته، فجعل هذا شريكًا لله عز وجل في تَعَبُّده له، واتباعه إياه.
فالشرك أمره عظيم وخطره جسيم، حتى الرجل إذا تصدَّق بدرهم وهو يلاحظ لعل الناس يرونه ليمدحوه ويقولوا: إنه رجل كريم، يعتبر مشركًا مرائيًا، والرياء شرك، أخوف ما خاف النبي عليه الصلاة والسلام على أمته الشرك الخفي[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهو الرياء.
فعلى هذا نقول: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، إن أردت أنها وصف خاص بالكَفَّار العنيد فإنها تختص بمن يعبد الصنم والوثن، وإن أردتها بالعموم فهي تشمل كل من اشتغل بغير الله عن طاعة الله، وعرفتم الأمثلة والأدلة على ما ذكرنا.
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾، ﴿أَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ وهو عذاب النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها بِمَنِّه وكرمه.