×

المائدة

الآية ٨٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿٨٤﴾

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أنه حديث نفس، بمعنى أن الواحد منهم يقول: كيف ما أؤمن والحق واضح، ويحتمل أنه دفعٌ لِلَوم وُجِّهَ إليهم، يعني قيل لهم: ليش تؤمنون بمحمد؟ فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾. هل يمكن أن يكون لهذا وهذا؟ يمكن أن يكون بعضهم يصارع نفسه، ونفسه تقول له تحدثه: ليش تؤمن، فيقول: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، عندما يفكرون يرون أنه لا بد أن يؤمنوا؛ لأن الحق واضح. ويحتمل أنه إذا ألقى إليهم أحد لومًا وقال: كيف تؤمنون؟ يقولون: ﴿وَمَا لَنَا﴾، يعني أي شيء يصدنا، أي شيء يمنعنا، ﴿لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا يدل على كمال عقلهم. قال: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، سبحان الله! تعبير المؤمن: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، والقوم الصالحون يشمل من كان صالحًا من هذه الأمة، ومن كان صالحًا من غيرها، في الأول قالوا: اكتبنا مع الشاهدين، مع هذه الأمة، في الثاني وهو الطمع بدخول الجنة قالوا: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ لأن الجنة دار لهذه الأمة وللصالحين من غيرها، فلذلك قالوا: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، واضح الفرق بين التعبيرين؛ الأولى: سألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين، والثانية: طمعوا أن يُدخِلهم الله في الصالحين، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: يدخلنا الجنة؛ لأن الجنة تكون للصالح من هذه الأمة وغيرها. * طالب: ما يؤيد احتمال وجوه الآية؟ * الشيخ: أي الأوجه؟ * الطالب: أن هذه الآية نزلت مخاطبة للنبي (...) من صاروا نصارى في عهده، قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ مع أن كثيرًا من الآيات تأتي في وصفهم بالنصاري، مما يفيد أن هذه الآية تضمنت وصفهم بهذه الـ.. * الشيخ: ربما تكون هذه تُقَوِّي، لكن كلمة ﴿قَالُوا﴾ قد يعبِّر بالماضي عن المستقبل لحكاية الحال. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] هذا ذم، مما ذكر هنا في الآية أنهم يقبلون الحق، وأنهم أقرب مودة للمؤمنين بأن منهم رهبانًا، كيف يتم الجمع؟ * الشيخ: لأن هناك ما أتاهم رسول، عيسى عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي وما جاء بعده رسول، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه، لكن بعد أن جاء محمد عرفوا الحق. * الطالب: الرهبانية الآن بقية مما ابتدعوه، يعني هذه بدعة مستمرة معهم؟ * الشيخ: إي نعم، مستمرة، فلما جاء الرسول واتبعوا الحق تركوها، لكن الراهب أقرب إلى قبول الحق؛ لأنه يريد رضا الله. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذه الصفات التي ذُكِرَت في الآية تقتضي أنهم يكونون أشدهم مودة؟ * الشيخ: لا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، وأنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا﴾، الأوصاف هذه لمن آمن منهم، لكن على سبيل العموم، وعلى سبيل الجنس هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾، وأنا ذكرت لكم قبل قليل الفرق بين الجنس وبين الفرد، الآن هل نقول: كل يهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، وكل نصراني أقربهم مودة؟ لا، هذا باعتبار الجنس. * طالب: بارك الله فيكم، السؤال يا شيخ: هل يؤيد ما ذُكِر في الآية أن أكثر من يُسلِم الآن من النصاري، ثم كيف نرد على الذين يقولون بتقريب الأديان ويقولون: هذه الآية دليل لنا فنحن نقارب النصارى (...). * الشيخ: هذه سوف تأتي في الفوائد إن شاء الله، السؤال هذا يكون في الفوائد. * طالب: الحكمة من التعبير بـ(نطمع) في قولهم ﴿وَنَطْمَعُ﴾؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان ما يجزم، قال الله عز وجل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة ١٦]، الإنسان ما يجزم، بل إن الإنسان إذا جزم لنفسه بأنه من أهل الجنة فهذا غلط عظيم، لكن يرجو ويطمع، لو أنه جزم بأنه من أهل الجنة لكان يلزم من هذا أنه زكى نفسه وشهد لها بالجنة، وهذا خطير جدًّا على الإنسان؛ لأن معناه أنه وثِق بأن عمله مقبول، وأنه ليس منه خطأ يمنعه من دخول الجنة. * طالب: ذكرنا في قواعد التفسير أن من الأفضل للإنسان أن يحاول أن يفسِّر بنفسه، فما هو الحد الأدنى من المعرفة التى تجعل الإنسان يحاول التفسير بنفسه؟ * الشيخ: طالب العلم، إنسان يعرف، طالب علم، نحن ما نقول لعاميّ ما يعرف إلا دكانه: تعال حاول أن تفسر القرآن، ما هو بعالم. * طالب: معاني الكلمات، هل يقرأ معاني الكلمات؟ * الشيخ: معاني الكلمات ما هي لازمة، المهم المعنى الإجمالي، وما تدور حوله الآية، والإنسان يعرف هذا، كل طالب علم يمكن يحاول ويعرف. * طالب: المراد بالذين ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هل هم عموم النصارى، أو القسيسون والرهبان منهم؟ * الشيخ: لا، عموم النصارى، لكن كما قلت لك: المراد الجنس، يعني ليس فيهم استكبار المشركين واليهود، وقد يكون في بعضهم أعظم من استكبار اليهود والمشركين. * طالب: ما حكم تسمية الكثير من النصارى، أغلب المسلمين يطلقون عليهم المسيحيين، يقول: هذا مسيحي، وهذا..؟ * الشيخ: أتدري متى حدث هذا؟ حدث بعد الاستعمار، وإلا تجد كلام العلماء رحمهم الله إلى أن بدأ الاستعمار وذلَّ المسلمون أمام قوة الاستعمار، تجدهم لا يعبِّرون إلا بالنصارى، انظر كتب العلماء -رحمهم الله- السابقين إلى أن استعمر الغرب الدول الإسلامية، فقال: المسيحيين، والكُتَّاب الذين عاشوا تحت وطأة الاستعمار تابَعوهم؛ لأن الغالب -كما قال ابن خلدون في مقدمته-: الغالب أن الذليل يخضع للعزيز ويتابعه، وإلا فليسوا مسيحيين، إذا نزل المسيح في آخر الزمان ماذا يصنع؟ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا تُقبَل في ذلك الوقت[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) من حديث أبي هريرة. ]]. * * * قال الله تبارك تعالى: ﴿