×
المائدةالآية ٨٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ﴿٨٣﴾

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا. على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم. والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء. إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا. إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم. ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: صديق مخلص، إذن العداوة ضد أيش؟ ضد الولاية. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بذلك المؤمنين في عهد الرسول ﷺ إذا جعلنا الخطاب لمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن جعلنها للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت، اليهود هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ويقولون: نحن شعب الله المختار ويحتقرون ما سواهم من الشعوب، وقد عُرِفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، سُمُّوا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة ٦٢] وقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم وأن اسمه يهوذا لكن مع التعريب صارت الذال دالًا. وأيًّا كان فهم معروفون هم طائفة من بني إسرائيل يَدَّعُون أنهم مُتَّبِعُون لمَن؟ لموسى. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم أنهم حسدوا العرب لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود مِنْ قَبْل يستفتحون على الذين كفروا ويقولون: سيبعث نبيٌّ ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب حسدوهم وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون والمشرك يبغض الموحد ويكرهه ويراه أشد الناس عدوًا له. قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ نقول فيها ما قلنا في الأولى. وهنا قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ولم يقل: أشدهم مودة يعني ما فيه مودة، لكنهم قريبون هو قال في اليهود: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ لكن هؤلاء قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ومعلوم أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين -أعني النصارى- لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كانت عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة، أو ما أشبه ذلك. ﴿مَوَدَّةً﴾ (المودة) من الوُدِّ وهو خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعنى الوادّ وبمعنى المودود. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ نقول في أقرب من حيث الإعراب ما قلنا في ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ولا سيما في عهد النبي ﷺ، فالنصارى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قريبون من المؤمنين ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة رحمه الله فإنه آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يُشْكَر عليه ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فهو آمن حتى وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة وأنه صالح حين توفي قال: «إِنَّهُ تُوِفِّيَ اليَوْمَ أَخٌ لَكُمْ صَالِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٧٧)، ومسلم (٩٥٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه.]] فوصفه بالصلاح والأخوة، رحمه الله. وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود فإنه ليس بين نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد ﷺ رسول. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ النصارى أي الأنصار، هذا أحسن ما يقال في التفسير؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢] ثم علَّل الله تعالى ذلك بِعِلَل فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه خمسة أشياء. ﴿ذَلِكَ﴾ أي أيش؟ أي: سبب كونهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (القسيس) هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول ﷺ وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين. الثاني: الرهبان، ومنهم رهبان، الرهبان هم العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم رهبانية لم تُفْرَض عليهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم لكن هم يبتغون رضوان الله يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم، نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع. السبب الثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليس عندهم استكبار، المشركون عندهم استكبار؟ نعم، عندهم استكبار، اسمع ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، احتقار، ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] وهم يعلمون –والله- أن أعظم مَنْ في القريتين ومَنْ في الأرض كلها هو محمد ﷺ لكنه العناد والاستكبار، «ولما جمعهم ودعاهم إلى الله قالوا: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]. اليهود، حَدِّث ولا حرج في الاستكبار حتى قالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] استكبار واضح، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ قاعدون على الكراسي، على الأرض، على الفرش وأنتم اذهبوا للقتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟ لا، فهم مستكبرون إذا كان هذا قولهم لنبيهم فما بالك بنبي بُعِثَ من العرب ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. الثالث: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا، نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون تفيض أعينهم من الدمع يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق قال: «هذا هو النَّامُوسُ الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فهم عرفوا الحق وبكوا. نعم يأتي في الفوائد. ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيضا هذا سبب ثالث؟ * طالب: رابع. * الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمُون للحق من حين أن عرفوه ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومَن حوله جعلوا يبكون، تفيض أعينهم من الدمع، يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ الإناء وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق، قال: «هذا هو الناموس الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة.]]، فهم عرفوا الحق وبكوا، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ﴾، أيضًا هذا سبب ثالث. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٢ ، ٨٣] الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمون للحق من حين أن عرفوه. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ إقرار بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وبدين الله في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾ (الفاء) هذه للسببية، أي: فبسبب إقرارنا بالرب عز وجل وإيماننا به اكتبنا مع الشاهدين، والذي يسأل الله أن يكتبه مع الشاهدين هل يمكن أن يستكبر عن دين الشاهدين؟ لا يمكن، هم يسألون هذا، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ من هم؟ قال العلماء: الشاهدون هم محمد ﷺ وأمته، الحمد لله؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] يعني: عدلًا خيارًا، فلا أحد من الأمم أعدل من هذه الأمة -اللهم اجعلنا منهم- لا أحد أعدل منها. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، نحن نشهد على الناس، والرسول ﷺ يشهد علينا أنه بلَّغَنا، وأننا أقررنا بتبليغه. إذن ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: مع محمد والمؤمنين، وكانوا شهداء؛ لأنهم هم آخر الأمم، كل الأمم ماضية وسابقة يعرفونها، لكن الأمة الأولى تشهد على من بعدها؟ لا، ما تشهد، ولذلك لو سُئِلْنا: من الأمة الشاهدة؟ لقلنا: أمة محمد ﷺ؛ لأنها آخر الأمم، تعرف ما جرى على الأمم وتشهد به. ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٤]، هذا الحديث: ﴿