تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿٢٦﴾
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أن الله حرم عليهم دخولها شرعًا، لكن قدرًا، وهو كذلك، أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية، من التحريم القدري الكوني قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة فإن هداية الخلق ليست إليه، إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يَأْسَ على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه، وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدّلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين، وإلى هنا انتهى الموقف، ويقول عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة ٢٧].
* طالب: شيخ -بارك الله فيكم- جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يهجرون أصحاب البدع، ولكن يعني بناء على القاعدة أن الهجر يتبع فيه مصلحة، رأينا صاحب بدعة قد حاول الإنسان معه فلم (...) هذه البدعة ويرى أنه لو هجره ما (...) شيء، بل ربما يعني طال بهم هذا، يعني يحال بينك وبينهم ولا تدعوهم إلى الله عز وجل بسبب أن صاحب هذه البدعة (...)، هل الأولى يا شيخ الواحد يسايرهم وهو يدعوهم للمنهج القويم والمنهج الصحيح..؟
* الشيخ: هذا الذي نرى، إذا كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة فأنت إنما هجرته ليش؟ للإصلاح، ولأجل أن يرتدع، هو ما هو مرتدع يمكن يزيد في الشر، ونضرب أيضًا مثلًا في صاحب المعاصي لو أنك رأيت حالقًا لحيته وهجرته هل إنه سوف ينتهي عن ذلك؟ إن كان ينتهي فلا بأس، طيب، اهجره، أما إذا كان لا ينتهي وإنما يزداد كراهة لك ولما تدعو إليه من الحق وسيستمر فأي فائدة؟! ثم إن عندنا الحديث الصحيح «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]، وهذا مسلم.
* طالب: يا شيخ، اللي جعل السلف يحمل على (...) في إصلاحهم؟
* الشيخ: ما فيه شك، لإصلاحهم أو لخوف أن يغتر بهم الخلق.
* الطالب: طيب، إن هذا يقع، يغتر الناس بهم؟
* الشيخ: كيف يغتر وأنت تصرح بأنه على ضلال؟
* الطالب: لا (...) على ضلال علنًا (...).
* الشيخ: (...) على كل حال أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس كذا، أو يُقال: كذا، ما ينفرون.
* طالب: بارك الله فيك، ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟
* الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا يقول: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو معروف بالشدة، أما أن..
تصرح بأنه على ضلال؟
* الطالب: لا، (...) على ضلال علنًا (...).
* الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون.
* طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟
* الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء.
* الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟
* الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب.
* طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟
* الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه.
* طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟
* الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل.
* طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟
* الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم.
* طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟
* الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥].
* طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟
* الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم.
* طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟
* الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون.
* طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟
* الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها.
* طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟
* الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب.
* طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟
* الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة.
* طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟
* الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.